لا يوجد مفهوم لا يحظى بشعبية اليوم أكثر من مفهوم التسلسل الهرمي. في معظم مفردات الناس لا يعني ذلك أكثر أو أقل من السلطة الراسخة، وبالتالي التعسفية.

نحن نرى كيف تمردت الحداثة الليبرالية على التسلسلات الهرمية القديمة للكنيسة والدولة، ونرى مآلاتها اليوم على العالم ككل، ووزعت على الشعب الامتيازات التي كانت في السابق مُلكًا للملك. وأصبح تفسير الكتاب المقدس مسألة إلهام فردي فقط، لا سيما مع ثورة مارتن لوثر. وكانت النتيجة هي قاعدة الرأسمالية المفترسة التي استولى فيها الأفراد الأقوياء، بدون علاقة عضوية أو جماعية مع الجماهير، على السلطة، إلى حد كبير بالوسائل الاقتصادية. وقد نشأت الماركسية كرد فعل على ذلك. في الدول الشيوعية، كانت السلطة توزع نظريًا على العمال، لكنها في الواقع كانت تحت سيطرة أقلية حزبية صغيرة.

أخفى هذا التمرد ضد التسلسلات الهرمية الاجتماعية حقيقة أن مثل هذه التسلسلات الهرمية كانت موجودة في الأصل لتقديم صورة ملموسة وتذكير بالتسلسل الهرمي الأنطولوجي الحقيقي [السلسلة الكبرى للوجود]. كان الشعب ليحتقر الملك إذا خان نموذجه الأصلي، إذا لم يرق إلى مستوى وظيفته، لكن العرش والكرسي، النموذجان الأصليان ظلا مقدسين. كان النظام الملكي يمثل قوة الله الفعالة في هذا العالم.

عندما انحطت هذه الهرمية في مكان وزمان معينين، مثّلت أسوأ أشكال الوثنية. وتم تزييف ذلك التسلسل الهرمي، وأصبح حجابًا على وجه الحقائق الروحية.

في كل من العهد القديم والقرآن كان الرمز الرئيس لمثل هذا التزوير في التسلسل الهرمي الروحي هو فرعون مصر. وفقًا للقرآن اعتقد الفرعون حرفيًا أنه هو الله – وهذا بالضبط ما يحدث عندما يبدأ هيكل ملكي في عبادة معرفته وعظمته، بدلًا عن الله الموجود لخدمته.

إن التسلسل الهرمي الحقيقي مثل السُلّم في حلم يعقوب (لا تهمني الحكاية بقدر رمزيتها هنا) الذي كان الملائكة يصعدون ويهبطون عليه باستمرار، حيث كان موجودًا لتوفير اتصال ثنائي الاتجاه إذا جاز التعبير بين الوجود الظاهر ومصدره المتعالي. فالكون نفسه ليس سوى مثل هذا التسلسل الهرمي.

ولكن عندما يتدهور المفهوم البشري للتسلسل الهرمي ويتحجر، تصبح فكرة السمو الإلهي مجرد صورة خاطئة عن عدم إمكانية الوصول إلى الله.

إن التسلسل الهرمي جزء لا يتجزأ من طبيعة الوجود. فموسى بنعمة الله وقوته دُعي للصعود إلى جبل سيناء، رمز التسلسل الهرمي للوجود، لتلقي التوراة. أولئك الذين أنكروا حقيقة هذا التسلسل الهرمي، والذين أرادوا الارتباط بالله من خلال حلوليته، أو ما يظهر لهم فيه فحسب، بينما ينكرون سموه، ظلوا في الأسفل لعبادة العجل الذهبي.

الأمر الملاحظ وبشدة هو أن جنون الارتياب الراسخ جزء لا يتجزأ من روح ما بعد الحداثة. إذا لم تكن هناك حقيقة موضوعية، فلا توجد طريقة للتمييز بين ما هو حقيقي وما هو وهمي، بين ما هو أمر موثوق منه وبين ما هو مجرد شائعات، وإذا لم تكن هناك حقيقة موضوعية، فإن أي رؤية ثابتة للواقع تكون موضع شك تلقائيًا؛ لا يمكن فهمها إلا على أنها مؤامرة من الأقوياء ضد الضعيف (وهي بالطبع كذلك في بعض الأحيان).

حاليًا تم تصميم ثقافة المعلومات لما بعد الحداثة لدينا بشكل مثالي لخلق جنون الارتياب. نجد أنفسنا مجبرين على معالجة الكثير من المعلومات؛ وهذا كثير جدًا، وبمعنى آخر، قليل جدًا أيضًا، لأنه مع زيادة كمية الحقائق (أو التخمينات، أو التخيلات)، يتناقص يقيننا بشأن حقيقة واحدة. ومع ذلك كمحاولة للوصول إلى إغلاق معرفي فإن جنون الارتياب ليس سوى قوة بشرية طبيعية وضرورية اتخذت شكلًا مشوهًا ومَرضيًا: القدرة على خلق نظرة مستقرة، رؤية ثابتة وموحدة للعالم.

إن انتشار البارانويا في ثقافتنا دليل على أننا لسنا مرتاحين في هذا العالم ما بعد الحداثي، وأن الرغبة في تأجيل الانغلاق المعرفي بشكل دائم، وهو ما تتطلبه ما بعد الحداثة، يتعارض مع الطبيعة البشرية. إنه دليل جيد على أننا لن نرتاح أبدًا لفكرة عدم وجود حقيقة موضوعية. وهذا هو أكبر خطر على ما بعد الحداثة: في محاولتها المفهومة لتجنب الأيديولوجيات الشمولية، فإنها تخزن في اللاوعي الجماعي، من خلال النسبية الشمولية الخاصة بها، رغبة عميقة في الوحدة المفقودة التي كان يوفرها الدين والميتافيزيقا. عندما يصل استنفادنا من الفوضى والنسبية إلى نقطة الانهيار – والتي ستكون أيضًا النقطة التي تتآكل فيها قدرتنا على التعرف على الوحدة الحقيقية والموضوعية والميتافيزيقية بشكل كبير – عندها ستظهر رغبتنا اللاواعية في تلك الوحدة على هيئة انفجار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد