لا يمكن حصر الثورة في خروج الأجياش المجيشة من الشعوب إلى الشارع، الثورة أكبر من ذلك!

غاية القمع، قمّة التّعسف، ذروة الانحطاط الذي قد نُلحقه بأنفسنا هو أن نفهم المُعضلة حدّ البلادة، أن نقترب منها حدّ التّيه، أن نتكلم عنها حد الاختناق، أن نوجّه فكرنا وحواسنا وذواتنا تجاه نُقطة واحدة، لون دُون سواه، قطعة دون غيرها، الشيء الذي يستحيل معه رؤية الصورة كاملة فنفهمها الفهم الصّحيح، لذا علينا الابتعاد قليلا لنراها واضحة جليّة و نُقلبها على شتّى أوجهها، فيتسنّى لنا حل المُعضلة القابعة والمكنونة داخلها.

إن الانتفاض والاحتجاج شيء عظيم! يجسد نُضج ذاكرة المُجتمع، وقوّة الوعي المِنبثق من العدم، تحرر الضمير من قيود لطالما قيّدته تحت مسمّيات ومُسوغات تخدم مصالح السُّلطة، إنه إزاحة للصخرة الجاثمة على صدورنا، تلك الّتي تحمل بين ثناياها ضروبًا من معالم الولاء والعبوديّة والاستبداد. إنّه لمن الذّكاء أن نفهم كُل هذا وننتفض ضدّه، وإنّه لمن الغباء والبلادة أن نصرخ مُطالبين بالحرية مُتشبعين بثقافة الحق مُتناسين تمامًا ثقافة الواجب الذي عليه أن يكون مُحايثا للحق. إذ تجد الشّاب فاغرًا فاه في وجه السّلطات مُطالبًا بجامعة! وتجده صبيحة اليوم التالي مُجنّدًا بكُل أسلحة الغش لاجتياز الامتحان، تجد العامل أو الموظف صارخًا في وجه العدالة مطالبًا بإقامة القسط في الأجور! وتجده صبيحة اليوم التالي متفانيًا في خلق الأعذار و المسوغات للغياب عن مقر العمل لأطول مدة ممكنة من شواهد طبية وغيرها، تجد الأب منتفضًا في وجه الحكومة مطالبًا بإصلاح أوضاع البلاد! وتجده صبيحة اليوم التالي يقدم الرشوة برحابة صدر، هذه لقطة بسيطة من مسلسل حياتنا اليومية الذي يرصد لنا بكلّ دقة، إن أمعنا النّظر فيه، حجم المُفارقة بين مانُطالب به وما نُمارسه، حقيقة الخدعة التي نوهم أنفسنا بها. قد يحتجّ البعض على أفعاله هذه باستبداد السّلطة والفساد الذي عمّ كامل الجسم الإجتماعي وطوّقه، لكني لا أُسوّغ للدولة جرائمها الشّنيعة بقدر ما أبحث عن الإنسان فينا، إن الثورة الحقيقية هي تلك التي نشعلها بدواخلنا قبل أن نظهرها للعيان، علينا ألا ننتظر شيئًا من هذه الأنظمة الفاسدة، فهي لا تُسمن ولا تُغني من جوع! ولا شك أن الأحداث الأخيرة قد أكدت لكم صحّة ذلك، إذ بلغ جُمودها الذروة، فتحقق فيها قوله تعالى: {إني نذرت للرّحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا}، لذا فلنسع إلى إصلاحنا بأنفسنا!

هناك من يخرج في مُظاهرات لا يعرف علتها ولا محلّه فيها، وهناك من يجلس على أريكته ويكلّف نفسه عناء سكب الحروف في الكلمات و يعتقد أن الكتابة غاية في حد ذاتها! والفئة الأكثر تضررًا أولئك غير الواعين بحقيقة الوهم الذي تُمارسه السّلطة.

إنّ الأنوار تعني خُروج الإنسان من حالة القصور العقلي التي هو مسؤول عنها. وحالة القُصور تعني العجز عن توظيف العقل دون توجيه من الآخر. فلتكن لك الشّجاعة لاستعمال عقلك

هكذا أعلن عن بزوغ عصر جديد يتجرد فيه الإنسان من كل شيء إلا من عقله، وهذا ما يجب أن نسلكه بتحرير العقل وإعادة النظر في مُختلف الظواهر السياسية والاجتماعية والفكرية، كي نُوحد  صفّنا وكلمتنا، أول خطوة هي نشر الوعي، بعد ذلك فلنعلن ثورتنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد