ما مرّ طاغية أمام حديقة .. إلا ومات الورد في الأكمام
لم يبتسم يومًا أمام كلابه .. إلا وسالت دمعة الأيتام
لم ينكفئ يوما على محظية .. إلا ودب العقم في الأرحام
مأساتنا عشق الطغاة كأننا .. لم ننسَ بعد عبادة الأصنام

بهذه العبارات الجريئة لخص الشاعر المصري، أحمد بخيت، في قصيدته “شهرزاد ” إحدى قصائد ديوانه (وطن بحجم عيوننا) نظرته إلى الطغاة في كل مكان وزمان، تماما كما فعل الأديب الأمريكي السجين، جاك هنري آبوت، في كتابه ذائع الصيت “في بطن الوحش” حين لخص مأساة السجون الأمريكية وما يحدث خلف جدرانها المعتمة من انتهاكات أخلاقية وإنسانية صارخة بألف صفحة، والغريب في الأمر أن إدارة السجن قامت بإطلاق سراح (آبوت) بشروط معقدة بعد تأليفه الكتاب فقام الأخير بقتل نادل المطعم بعد أيام قلائل وبطريقة سادية بشعة أعادته إلى السجن أو إلى بطن الوحش ثانية لترتفع بتلك الجريمة مبيعات كتابه إلى خمسة أضعاف وليترجم إلى عدة لغات عالمية ما دفع صحيفة نيويورك تايمز، إلى وصف المؤلف حينئذ بـ”الكاتب المتميز صاحب القدرات الاستثنائية!”.

ولا شك أن الثورة الفرنسية ما كان لها أن تغير وجه العالم وتقلب المفاهيم السياسية على الأقل رأسا على عقب – بعيدا عن رأينا فيها – منذ اندلاعها لولا سجن الباستيل ملهم الثورة ومؤججها، وما كان لسجل حقوق الإنسان أن يتفاعل في أمريكا لولا سجن (الكتراز) الذي أغلق عام 1963 لبشاعته، وما كان للضمير العربي أن يصحو – مؤقتا – لولا فضائح سجون أبو غريب وبوكا وكروبر وسوسة الشهيرة في العراق وما كان للضمير الإنساني أن ينتفض – لبعض الوقت على الأقل – لولا سجن “بانغ كوانج” البشع في تايلاند وسجن “اللا إنسانية” في كوبا وسجن “درابتشي” في الصين وسجن “تدمر” في سورية وسجن “كوان لي سو” في كوريا الشمالية وسجن “جيتارما” في رواندا وسجن “غوانتنامو” الأمريكي في كوبا، فضلا على سجون الكيان الصهيوني الشهيرة بانتهاكات حقوق الإنسان بكل أشكالها النفسية والجسدية وغيرها الكثير.

وما سجن “طره” منا ببعيد؛ حين اقتحم في يوم السبت الموافق 1 /6 /1957 ما يقرب من الألف شرطي بكامل أسلحتهم السجن وحاصروا 180 سجينًا سياسيا بريئا، ثم فتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة على المحاصرين العزّل فقتلوا 21، وجرحوا 22 آخرين منهم ليسوموا البقية الباقية سوء العذاب، أمروا بعدها بإخراج النعوش ودفن جثامينها سرًا تحت جنح الظلام، لتبرأ بعد ذلك ساحة الجلادين ويخلى سبيلهم وكأن شيئًا لم يكن، تماما كما فعل القاضي الفيدرالي الأمريكي حين برأ خمسة من مرتزقة بلاك ووتر – الماء الآسن- من تهمة القتل العمد في مذبحة ساحة النسور وسط بغداد والتي ذهب ضحيتها 17 عراقيا عام 2007 لعدم كفاية الأدلة!

شاءت الأقدار أن يكون المفكر والأديب المصري المعروف سيد قطب، واحدًا من الناجين من مذبحة – طرّة – وأحد شهود العيان الذين عاشوا تفاصيل المأساة أولا بأول، فسطر قلمه كتابًا بعنوان – معالم في الطريق – كان السبب الرئيس في إعدامه برغم الوساطات العربية والإسلامية، فقال قولته الشهيرة (إن كان الحق هو الذي أمر بإعدامي فلن أعارضه وإن كان الباطل هو الذي أمر بذلك فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل).

ومنذ ذلك الحين تشظت الحركة الإسلامية إلى دعاة، قضاة، مصلحين، ليس في مصر وحدها فحسب وإنما في أرجاء العالم الإسلامي برمته، فبينما عكف الدعاة على هداية الناس بالحكمة والموعظة الحسنة مخلفين وراءهم دعوة تطبيقية ذات مناهج ومراحل ومبادئ تستضيء بهديها الأجيال، اكتفى المصلحون بعرض المثل والأفكار فحسب وشعارهم في ذلك (ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، أما القضاة فهم الذين أطلقوا حكمهم القاطع على المجتمع حكاما ومحكومين، وتبنوا المنهج الثوري وسيلة وحيدة للتغيير على اختلاف بينهم في طبيعة المنهج الواجب اتباعه في مرحلتي الاستضعاف والتمكين، فحدث الصدام وطال السجال. تبددت الجهود، تفرقت الصفوف، حارت العقول، سالت الدماء. حزن الأصدقاء، فرح الأعداء، تسلل العملاء.

وما كان لكل ذلك أن يحدث لو لم تبرأ ساحة الجلادين والمجرمين في – طرّة – وبعدها في أبو زعبل وأبو غريب وغيرها من الباستيلات في كل مكان، وما كان لكل ذلك أن يحدث لو كانت العدالة الاجتماعية والإنسانية والقضائية والسياسية متحققة ولو بحدها الأدنى وبخلاف ذلك، فإن الجموع المضطهدة ستتفرق إلى شياطين خرس ساكتين عن الحق، وإلى شياطين ناطقة مؤيدة للباطل ومدافعة عنه، وإلى آخرين يأخذون الثأر بأيديهم بعيدا عن سلطة القانون، ويتبعون كل ناعق، وحسبنا في عدالة – طرّة – هات وما أعقبها دليل على ما نقول.

فحركة المجتمع الإسلامي (التكفير والهجرة) بزعامة شكري مصطفى، الذي واجه السلطة ثم أعدم بعد ذلك ظهرت كرد فعل عنيف على عدالة طرة – هات، وكذلك حركة الفنية العسكرية بزعامة صالح سرية، الذي انتفض على السلطة القائمة وأعدم بعد انقلابه الفاشل وقتئذ، وتنظيم الجهاد بقيادة عبود الزمر، الذي راجع أفكاره فيما بعد والمهندس عبد السلام فرج، مؤلف كتاب “الفريضة الغائبة”، والإسلامبولي الذي اغتال الرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1981 خلال العرض العسكري الشهير، والجماعة الإسلامية بزعامة الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن، ومن ثم أيمن الظواهري، الذي انشق على الجماعة ومن ثم القاعدة وصولا إلى تنظيم داعش المنشق عنها، فيما قابل الأيام ينذر بنشوء حركات جديدة أشد تطرفا لعل حركة خراسان واحدة من أبرزها في سورية.

دعونا في السطور التالية نروِ قصة حقيقية من داخل السجون العراقية التي أفرزت أربعة أصناف لاحقا، صنف مستأنس “يمشي جنب الحيطة أو على العجين ما يلخبطوش”، وصنف ثائر على المبادئ التي زج من أجلها خلف القضبان حتى أنه لم يعد يتورع عن العمل بخدمة جلاديه ولصالحهم فيما بعد، وصنف ثائر باعتدال لتقويم المعوج، وصنف ثأري انتقامي إلى حد الوحشية – أبو بكر البغدادي مثالا.

أطرق رأسه مليا – البريء العراقي الذي اعتقل بوشاية المخبر السري الكيدية حينا من الدهر – ثم شخص ببصره إلى السماء بعد أن ذرف دمعات بكبرياء الأسود وأخذ يتمتم بكلمات قالها أحد الحكماء يوما “ملعون في دين الرحمن من يسجن شعبًا، من يخنق فكرًا، من يرفع سوطًا، من يُسكت رأيًا، من يبني سجنًا، من يرفع رايات الطغيان.

ملعون في كل الأديان من يُهدر حق الإنسان، حتى لو صلّى أو زكّى أو عاش العُمرَ مع القرآن”. كلمات قالها وهو يصيخ السمع بكل جوارحه إلى تقرير الكونغرس بشأن وسائل التعذيب والاستنطاق التي اتبعتها وكالة المخابرات الأميركية CIA بحق سجناء سيقوا إلى بطن الوحش قسرا في سجون الولايات – المتشددة – الأميركية حول العالم، وأشهرها كروبر وبوكا وأبو غريب وسوسة في العراق إضافة إلى غوانتينامو في كوبا.

نظر إلي هنيهة وقال، صور المعتقلين هيجت جروحا كنت أحسبها اندملت، جروح تعرضت لبعضها هناك في بطن الوحش الأميركي. صندوق خشبي مطلي بالأسود من الداخل لا يتسع لك من دون أن تثني ركبتيك إلى صدرك ليظل رأسك ملتصقا بالسقف. هناك كانوا يضعون المعتقل وهو مكبل اليدين إلى الخلف مع وضع نظارة قاتمة على عينيه كتلك التي يرتديها سائقو الدراجات النارية ليظل في الصندوق المظلم أسابيع عدة. هناك كان الطعام من غير ملح حتى يهبط ضغط الدم لديه وتخور قواه.

هناك كان التواليت لا باب له وأمامك يقف مجند ينظر إليك أثناء قضاء الحاجة. في بطن الوحش كان هناك (الكبس) حيث يثبت المعتقل بالشريط اللاصق على سدية – نقالة – ثم يأتون بأخرى فوقه ويثبتونها بالشريط اللاصق ليشعر بعد سويعات بالاختناق والتنمل في سائر جسده. هناك كانوا يضعون في آذان المعتقل “هيدفون” ويشغلون موسيقى صاخبة جدا، موسيقى “هافي ميتال” المشتقة من موسيقى البلوز والهارد الروك التي يعشقها عبدة الشيطان والتي تتضمن كلمات كفر وإلحاد وسبابًا بأقذع الألفاظ ليبدأ المعتقل بالصراخ بعد دقائق معدودة.

هناك كانوا يستخدمون ما يعرف اليوم بالمخدرات الرقمية عبر ذبذبات مختلفة التردد في كل أذن فيما يُطلق عليه “Digital Drugs” أو “iDoser” الأمر الذي يسبب هلاوس سمعية وبصرية ابتكرها العالم الفيزيائي هنريش وليام، لعلاج مرضى الفصام ممن لا يستجيبون للعلاج بالعقاقير.

هناك كانوا يضعون مشاعل حرارية تحت إبط الأسير ويربطون يديه باللاصق ثم يشعلونها حتى تنطفئ بشحم أبطيه الذائب. هناك كان الجلاد يكفر بالله بعبارة fuck you and Allah والعياذ بالله في حال استغاث الضحية برب السموات والأرض. هناك كنا نسمع بكاء النساء وأنينهن في الكامب إلى جوارنا.

هناك كان الإيهام بالغرق أو ما يطلقون عليه “التعميد بالماء” الذي ينهار جراءه المعتقل بعد 8 دقائق فقط. هناك استخدموا معنا السحر الأسود والذي كان يمارسه علينا جلاد من أتباع الطائفة الشيطانية التي أسسها، أنتون سزاندور لافي، في سان فرانسيسكو عام 1966. هناك كان جلادون يرتدون غطاء الرأس اليهودي الأسود، الكيباه أو الكِبة وبالعبرية: כִּפָּה أو כִּיפָּה. هناك كانت الكلاب البوليسية حاضرة وبقوة لإرهابنا!

هنا سألني – البريء – الذي سجن ظلما لماذا برأيك تفضح أميركا نفسها؟ هل تراها ندمت على فعلتها النكراء؟!
قلت عمرها لم تندم إنما هو صراع سياسي لتسقيط الجمهوريين بعد حصولهم على أغلب مقاعد الكونغرس ومجلس الشيوخ، إنه تسقيط يمارسه الديمقراطيون هذه المرة قبيل الانتخابات المقبلة لرفع شعبية الحزب المنهارة بفعل سياسة آية الله أوباما كما يحلو للبعض تسميته بسبب مواقفه من إيران وتحركاتها المشبوهة وسيطرتها على أربع عواصم عربية هي بغداد وصنعاء وبيروت ودمشق.

أميركا تنشر غسيلها بذكر نماذج من التعذيب وإن كانت بشعة إلا أنها لا تمثل سوى غيض من فيض أمام قلع الأظفار وخلع الأكتاف واغتصاب المعتقلين وقلع الأسنان والصعق بالكهرباء والحرق بالتيزاب والتثقيب بالدريلات الكهربائية، وغيرها مما يمارس داخل السجون في عموم الشرق الأوسط، وتخفي أميركا وسائل أكثر بشاعة من أساليبها لتظهر للعالم على أنها أكثر رأفة بالمعتقلين من سواها.

فيما يرى مؤلف كتاب “361 يوما في الجحيم” الذي طبع باللغة الفنلندية والذي يلخص فضائح سجن أبو غريب الشهيرة، أن الغاية من نشر الصور هو محاولة لإذلال العرب والمسلمين، إضافة إلى محاولة استفزاز المقاتلين المناوئين لأميركا ووضعهم في موقف اندفاع عاطفي يغيب معه الوعي لأخذ ثأر المعتقلين والمعتقلات بتهور، فيتصرفون بطريقة تجعلهم يرتكبون حماقات يخسرون جراءها الرأي العام ويشجعون أميركا لشن مزيد من الهجمات على بلدانهم وملء السجون بأعداد غفيرة أخرى، ومحاولة من الجلادين لإخافة الرأي العام من سوء المصير في حال وقف بالضد من السياسات الأميركية الهوجاء، والأهم هو تحضير العالم نفسيا لأمور مقبلة ربما تكون أعظم مما توثقه الصور المنشورة. انتهى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد