حان وقت الإجابة عن: كيف؟ ولكن، كيف؟

يتلاقى الكثير عند المبادئ، لكن الواقع يفرق بينهم في التجارب. اختلف لوثر كنج ولوثولي (زعيم جنوب إفريقيا قبل مانديلا وحائز على نوبل للسلام) ومانديلا (في المرحلة الأولى والثالثة من نضاله إن صح التقسيم) في إدارة تجاربهم عن ملهمهم لمبدأ اللاعنف؛ المهاتما غاندي. بل إن غاندي نفسه اختلف عن بعض سابقيه وملهميه من المفكرين مثل تولستوي وفرق بين اللاعنف واللامقاومة، فدعا إلى المقاومة بشكل سلمي مطلق كالمقاطعات والإضرابات والمسيرات السلمية، وغيرها.

ذكرنا سابقًا تجربة جنوب إفريقيا وتجربة رواندا كأمثلة للمصالحة التي تمت لتنقذ البلدين من أزمتهما، في حين يتضح جليًا الفرق بين التجربتين. هناك أيضًا تجارب أخرى عديدة لا يتسع المقام والوقت لذكرها لكنها تتفق في مبدأ الصلح مع الاختلاف في التطبيق، فتارة تجد عقوبة المخطئين في ضمنها، وتارة تجد مجرد ترك السلطة بشكل سلمي مخرجًا، وتارة تجد العفو المطلق هو الحل… إلخ. لذلك فالإيمان بمبدأ المصالحة/ الصلح لا يعني السلوك الحرفي لإحدى التجارب، فالمعطيات تختلف والأمر يرجع للتقييم الذاتي الذي إن اتسم بالعقلانية والحكمة نجح في إنتاج حلول واقعية – حتى ولو كانت مؤلمة – للخروج من الأزمة، وإن فشل بقيَ الأمر كما هو، إن لم يزدد سوءًا.

تتميز مصر بالتنوع الشديد في التوجهات الفكرية، بل وتتعدد التكتلات داخل الفكر الواحد. فتجد التيارات الإسلامية ذات تفرعات عديدة، وتجد الليبرالية في شكل أحزاب متفرقة حتى في سلوكها السياسي بين مؤيد للأنظمة ومعارض لها. بل إن مفهوم العلمانية عندهم يختلف بين مطلق وبين مقيد بأصول وخطوط حمراء شرائعية أو عادات وسلوكيات شعبية، تجد أيضًا التنوع المربك بين التيارات والحركات الثورية نفسها… إلخ. لكن لا يزال المجتمع في عمومه متماسكًا بعيدًا عن تلك التحزبات، منشغلًا بإرهاب الأسعار ووحش غلائها، وفي الحقيقة، يبدو لي أن عموم الشعب يرغب في حدوث مصالحة توقف الصراع السياسي، وتمضي بالدولة للأمام، بعيدًا عن قوانين الطوارئ، وضيق الأفق، ونعرات التخوين والتهويل التي لا تنتهي.

على الرغم من الخلافات والتنوعات المذكورة، توجد عوامل مشتركة قوية تجمع تلك الجبهات والأحزاب؛ فالديمقراطية مثلًا تجمع بين العديد من داخل اليمين (الإسلاميين) والليبراليين والتيارات الثورية، نفس الأمر في معارضة الظلم والفساد، ثم الجامع الأكبر الذي كان يشملهم وندموا حين فرطوا فيه، أمن البلاد والبعد عن الفوضى وإقحام المؤسسات في الصراع السياسي. وهو ما جعل ذلك الندم كجامع آخر لهم حوله، لكن دون شكل أو تحرك مثمر على الأرض يخفف من كارثية الأزمة، حتى الآن.

هذه العوامل المشتركة هي البذرة التي يمكن من خلالها تقديم ما نراه حلًا للكارثة التي نحن في خضمها. لقد خاض الجميع تقريبًا كل التجارب، وكأنه قد وجب على الأمم تجرع تلك السموم لتكتسب المناعة مستقبلًا فتفيق على أن الاستعداء المتواصل ومعارك الإقصاء ليست إلا طاعونًا في جسد الوطن يستنفده ويدمره.

كانت بعض التجارب محظوظة بوجود قيادة لها تاريخها يرسِّخ مصداقيتها بين أتباعها، كغاندي ومانديلا. لكن لم يكن ذلك متاحًا في تجارب أخرى مثل رواندا، وهذا هو حالنا في مصر. لذلك، فمن الحكمة تكوين جبهة داعية للمصالحة تتكون من جميع من يرى صوابَ الطرح حلًّا موضوعيًّا للأزمة. من المحزن أن نرى الدكتور عمرو الشوبكي يتحدث في مقالة يتيمة عن المصالحة، ومن قبله دكتور سعد الدين إبراهيم مكررًا، ودكتور جمال الجمل والدكتور ناجح إبراهيم. وأخيرًا الأستاذ عماد الدين حسين، بشكل متباعد جدًا كأن كلًا منهم لا يعلم أن الآخر قد تحدث عن نفس الطرح! مهما اختلفت رؤيتهم لسيناريو وبنود الصلح، يظل هذا التباعد بين هؤلاء محبطًا للغاية.

ما يجب أن تتصف به الجبهة كضرورة مبدئية هو التنوع الفكري بين المؤيدين لها، وطرحها على جميع التيارات والحركات السياسية وأفرادها وفتح حلقات تواصل بينهم. كرات الثلج المتعددة يجب أن تجتمع في واحدة ‏كبيرة تستطيع الظهور بقوة وتجذب الآخرين للانضمام، أو على الأقل تشجع الظهور العام والحديث عنها وتطرحه بقوة في الشارع وفي كل الوسائل الإعلامية. ظهور الجبهة بذلك التنوع سيؤكد أن المصالحة ليست فقط بين قطبي الأزمة، ‏لكنها شاملة للعديد من الفصائل والجبهات الفكرية والسياسية. وسيكون ذلك أيضًا عاملًا قويًا في مواجهة المعارضات العنيفة بتقليل ‏فرصة إلصاق تهمة واحدة بالجميع. قلت: تقليل. ‏

ضرورة وجود هذا النوع من التجمع حول قضية المصالحة هو إثبات أن الكثير أصبح يؤمن بضروريتها، وأنها صارت قناعة عند العديد من الفرق السياسية بتنوعاتها، أو على الأقل أفراد ممن ينتمون إليها. وأن إنسانية المبادرة وحب الوطن والسعي لصالحه هي المحرك الرئيسي لها. فالمواطن المصري يخسر كثيرًا باستمرار الحال على ما هو عليه، والأصل أن خسارة الوطن من خسارة المواطن. فإفقار أو سجن أو قتل مواطن واحد بريء هو إفقار وسجن وقتل للوطن سواء.

عقل مصر ومركز التنوع

ها قد أُلقِي في الماء الراكد حجرٌ، بل حجران. مبادرة عقل مصر هي مبادرة أنشأها الدكتور محمد الحديدي لوقف الصراع السياسي، والبدء في صلح بين جميع أطياف الوطن وطرح حلول وسيطة لجبر كسر المتضررين وإخراجهم من السجون ووقف نزيف التخوين والطعن في الدين لكل مخالف، ويدعو إلى وفاق وطني للخروج بالوطن من الصراع الصفري إلى تحسين الأحوال العامة ومن ثم الأحوال الاقتصادية. كان حلمًا أن تفكر فيمن يخرج من الإخوان المسلمين بمثل تلك المبادرة. المبادرة عظيمة، وصدق النية واضح وقوي، حتى ولو عارضه الكثير من الجماعة الآن، فيقيني أن تلك المكابرة ستضعف حينما تكبر كرة الثلج ويرون كم فشلت الوعود الرنانة التي لا واقع لها على الأرض وأن هذا هو الحل الأعقل والأحكم.

من العظيم أيضًا أن يكون هذا الحراك مدعومًا بدراسات تاريخية وكتابات فكرية تقوي حجته، وهو ما يأتي بنا لذكر الحجر الثاني، مركز التنوع لفض النزاعات الذي أسسه الأستاذ ياسر الغرباوي. بعدما قرأت بعض مقالاته ودراساته، شعرت بحجم وادي الجهل الذي أنا فيه. المركز بحثي يدرس تجارب الدول والشعوب السابقة في الصراعات ويركز على تجارب المصالحة وأهميتها لتجنب طوفان الحروب الأهلية، وهو كما ذكرنا أحد المصادر التي تستمد منها مبادرة عقل مصر دلائلها على موضوعية طرحها وواقعيته سياسيًا وتاريخيًا بالنظر إلى تجارب الصراعات السابقة. هكذا حين يطول المسير، يلقي القدر أمامنا علاماته ليؤكد أننا في الطريق الصحيح.

لا يزال الأمر مبكرًا لجني الثمار. ما لم يجتمع كل من ذكرناهم وتتكون جبهة تربطهم بأي شكل من أشكال التواصل والتوافق فلن تكون هناك نتائج فعالة، لأنه لن تكون هناك فعاليات، إذ لا يتوقع أن تستجيب الدولة للصلح دون أن يظهر جليًا حجم المؤيدين له وإصرارهم وإخلاصهم. لا بد من تعدد الفعاليات والتحرك على الأرض أيضًا، دعوة الناس في الشوراع، قوة الحجة أمام الإعلام والمعارضين، حسن ردود الفعل تجاه القذف والاتهامات وتحملها. لا يزال الطريق طويلًا وصعبًا، بل وخطرًا، فالجبهة سَتُعادَى من كل جانب ويجب عليها أن تتلقى ذلك بصدر رحب صبور، فمن يطالب بمسامحة المتضررين في حقوقهم يجب أن يتقبل تضرره برضا نفس، فهدفه هو مصلحة الوطن والمواطنين في النهاية، وأي تكلفة هي يقينًا هينة في مقابل هذا الهدف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد