تتبدل طباع الناس بعد تحصيل ما تمنوا بالأمس، بل يتغير منظورهم للأشياء، وتقييمهم للحياة بعد فوزهم بما طلبوا. فما ينفكون ينبذون ما كان جل أحلامهم فيما مضى، إلا من رحم ربي.. فهل تلك الأمثلة موجودة حقًا بيننا؟ أم أنها مجرد كلمات لملء السطور؟ وإن كانت موجودة حقًا فكيف يحدث ذلك؟ كيف لإنسان أن ينسى الوعود والدعاء؟ فلا يكاد يرى ما أصبح فيه من نعمة، ولا ما ناله من فضل.

في الواقع إن كل ما يحدث من تملك هو نتيجة لموت الفكرة. فلننظر مثلًا لحديث عهد بالتوبة يعبد الله تعالى بكل جوارحه، ويراه في كل شيء ويمجده بكل ما أوتي، يحاول جاهدًا أن يكون مخلصًا ظائعًا محبًا، لكن ما يحدث بعد عدة سنوات من العبادة يفتر فيها قلبه ولا تخرج الكلمات من فيه بنفس الحس كما تعود! بل ربما يتكاسل عن القيام للعبادة في تضرع وخشوع، وكأنه يحتاج إلى القيام بذنب ولو صغير أو أن يدرك حالته التي أصبح عليها بصدق فيعود بقلب خاشع وروح متلهفة، وجسد أشد إقبالًا على الله.

انظر إلى الكاتب، يكتب من فرط التضييق والمأساة وتعدد الأفكار والتشتت النفسي والمعيشي فيبهر بكلماته القاصي والداني، وكل من كان معه على نفس الحال ولو بقدر ضئيل، لكن تلك الكلمات تفتح عليه الكثير من أبواب الرزق والمتاع الطائل، فيشري شقة جديدة ويمتلك سيارة ويرتدي أغلى الثياب، فتفتر لديه ملكة الكتابة؛ لأنها لم تعد تنتج عن واقع ملموس وتفير منظوره للدنيا، فلم يعد يقوى بكلماته على التعبير عن الناس الذين تعود أن يعيش بينهم، فيصف أحوالهم بدقة ويعبر من مكنون صدره وحاجاته وصفاء نيته بكل سلاسة عن طريق الحروف والكلمات.. وكأنه وللحفاظ على تلك الملكة كان يجب أن يظل هناك بينهم يعيش حالهم ولا ينفك عنهم.

انظر إلى الطبيب الشرعي، ذلك الذي كان في أيام الدراسة لا يقوى على حضور محاضرة التشريح أو دخول المعمل، وكانت كلمة جثة أشد وطأة على مسمعه من كل كلمات القتل والتعذيب مجتمعة. لكنه بعد سنوات قليلة من التخرج والعمل أصبح ينفرد بالجثث في المشرحة فيأكل بجوارها ويستمع بشرب الشاي فوق روؤس كل منها، بل يتفنن في تقطيعها على أنغام الموسيقى، فهو ببساطة لم يعد يخاف، وهذا أخوف ما يكون، لأنه يكون مصحوبًا بالكثير من الأمور الجانبية الأخرى، كانعدام الخوف من شهادة الزور أو أكل الحقوق إلا عند المتدبر الذس يرى الله تعالى في كل شيئ. وأكثر ما يستدعي الفضول في حياة أصحاب هذه المهنة تحديدًا هو أنه كيف يمكن لهم أن يستمتعوا بحياتهم الجنسية أو حتى ملا مسة أشخاص آخرين في الظروف العادية؟

فهو لم يعتد إلا على ملامسة الأجساد الميتة والجلود الباردة التي لا حياة فيها، فيتذكر ذلك مع كل سطح يلمسه، وبتمعنه في نفسه متسائلًا كيف ستكون نهاية هذا الجسد!
فكل ما يطرأ على أصحاب تلك المهنة من موت الفكرة يدعو إلى التساؤل. فهل حقًا تساعده على العودة ليوم يراه بين يديه؟ تميت قلبه فيكف عن التساؤل وينهل من كل متاع بلا حسيب؟
ولا أعتقد أبدًا أنها مهنة نسائية، فلم أعرف أو أسمع بسيدة واحدة تعمل في هذا المجال، فهي مهنة تتماشى مع قسوة الرجال وغلظتهم في بعض الأمور التي هي إحداها.

لو استكملنا الحديث عن ذكر الأمثال الحياتية لمبدأ التملك وموت الفكرة لن ننتهي أبدًا، فكل إنسان بمحيطه ونفسه وحاله عليم. فهل سنذكر متحابين عاندا الدنيا كلها ليفوزا ببعضهما البعض، ثم زهد أحدهما الآخر، وتقاتلا في أول موقف بعد الزواج؟ أم سنذكر الطالب الذي كان يرى الشهادة حلمًا فلما وفقه الله تعالى لها لم يعد يذكر فضلًا لمعلم، ولا يعترف بسهر الليالي، ومكارم من ساعدوه طوال الرحلة؟ بل ربما نذكر أنفسنا بذاك الذي سأل الله تعالى الولد لسنوات طوال. ثم لما منّ الله عليه به أنكر فضل الدعاء!

لأن موت لب الأفكار من أصعب ما قد ينتج عن تطور حال الإنسان، فيجعله عاجزًا عن رؤية نفسه، تعيسًا في حياته مهما نال من فضل، لا يقوى على استعادة ملامحه القديمة وعاداته الفطرية، ولا حتى الأسس والمبادئ التي تربى عليها، التي لولاها لما وصل إلى ما صار إليه الآن.

لذلك فالواجب على الإنسان دومًا مراجعة نفسه، فلا يخاف الذنب، بل يخاف أن ينسى الاستغفار. ولا يهاب الخوف، بل يهاب ألا يخاف. فقد قال سلمان بن الندر لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: إن كنت تخاف فلا بأس، أنا أخاف عليك ألا تخاف، عبد خلقه الله تعالى بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة، أخرجه منها بمعصية واحدة. وأنا وأنت نعصي الله تعالى كل يوم، ونتمنع عليه، ونتمنى الجنة.

إن بدا لك في يوم من الأيام أنك لم تعد تقدّر ما ملكت في أي مجال كنت فيه، فتوقف قليلًا وتذكر نفسك القديمة، واستحضر عظمة الله تعالى وقدرته على تغيير حالك، فهي كفيلة أن ترشدك إلى الصواب. ومازلت عند رأيي بأن الجوع والخوف والمرض أفضل طرق يمكن أن نعود إلى الله تعالى من خلالها، وهي من النعم، وليست من النقم، ولا يراها هكذا إلا من كان الهدف من فعله رضا الله تعالى، ومع تلك الطرق لا تموت الأفكار أبدًا، فجوع بصيام أفضل من جوع لحاجة، أو شبع بكند. وخوف من فقد أفضل من اطمئنان لا يذكر الله تعالى فيه، ومرض بصبر يثاب عليه صاحبه أفضل من صحة في معصية. فالفكرة لا تموت إلا إذا ساعدها صاحبها على ذلك، وليس العكس.

دُمتم في أمان الله من أصحاب النعم ذاكري الفضل، أهل الخير والأمان والصحة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد