لكل منا طقوسه الخاصة التي يمارسها في الاحتفال بالأعياد أو المناسبات سواء الخاصة أم العامة، وقد لا تكون هذه الاحتفالات إيجابية فقط تعبر عن مدى سعادتنا وتفاخرنا، بل قد تكون سلبية أو عكسية تعبر عن مدى سخطنا وإحباطنا، وهذا ما فعله الممثل الشاب أحمد مالك هو وصديقه شادي حسين حينما قررا الاحتفال بالذكرى الخامسة لثورة يناير، ولكن على طريقتهما الخاصة، حينما قاما بتقديم بلالين لمجندين شرطة اكتشفنا فيما بعد أنها واقيات ذكرية فيما عرف بموقعة الكاندوم.

تلك الحادثة التي شغلت الرأي العام المصري وأثارت وسائل الإعلام المصرية قاطبة فأخذ كثيرون يشجبون ويدينون ويخونون حتى كادوا أن يخرجوا مالك ورفيقه من الملة، وقد نتفاجأ في الأيام القليلة المقبلة بمن بطالب بإسقاط الجنسية المصرية عنهما، حقيقة أود أن أسجل إعجابي بفكرة مالك ورفيقه وذلك بكوني مبدعًا أتوق إلى رؤية الإبداع يتجلى أمامي، فتلك هي طريقة تعبيرية جديدة ومبتكرة وذات معنى ومغزى وخاصة في مجتمع صار تقليديًا سلبيًا باليًا.

وإعجابي بتلك الفكرة لا ينبغي أن يفسره الآخرون على أنه عداء للدولة المصرية أو لإحدى مؤسساتها الوطنية أو إهانة لها، فمدى وطنيتي وحبي لهذا البلد لا يصل لنهايته أحد وأنا في حل من أن أدلل أو أبرهن عليهما، ما ساءني من تلك الزوبعة أنه من بين من جلدوا الشابين واستباحوا سبابهما والتحريض عليهما – فتساووا مع مالك ورفيقه في الجريمة نفسها إذا كان أصلاً ما فعله مالك ورفيقه يعد فعلاً جريمة  فحتى المتهمون والمجرمون لهم حقوق يجب احترامها وعدم انتهاكها – لم يسأل أحدهم نفسه لماذا فعل مالك ورفيقه هذه الفعلة وما معناها وما المغزى منها؟ وهل هي حقـًا إهانة لجهاز الشرطة المصرية ككل؟

أم هي احتجاجًا واعتراضًا مبتكرًا على انتهاكات بعض منتسبي جهاز الشرطة الذين أساؤوا إليه بارتكابهم جرائم شنيعة وبشعة لم تلق القدر الكافي من المساءلة والعقاب أو حتى النقاش أو حتى إرضاء الرأي العام وجبر خواطره أو حتى مغازلة مشاعر الضحايا وزويهم، فالكل منا يعلم ما قام به بعض رجال الشرطة من انتهاكات وحشية من قتل خارج إطار القانون وتعذيب واغتصاب لم يقتص لها كما يرضي رب العباد أولاً ثم يرضي العباد ثانيًا، فكان لسان حال الشعب المصري حينها متمثلاً في لسان حال مالك ورفيقه: إذا كان قدر نسائنا أن يغتصبوا على أيديكم فيجب عليكم أخذ الحيطة حتى لا يحملن منكم سفاحًا وتتفاقم المشكلة!

فهل مالك ورفيقه هما فقط من أخطاء؟ هل لا يوجد فعلا انتهاكات قام بها بعض رجال الشرطة والتي تسيء لسمعة الجهاز ككل وتشوه صورته، حتى لو كانوا المنتهكين قلة، بل تلك الانتهاكات تشوه صورة مصر بأكملها أمام العالم وتجعلها عرضة للتشهير والابتزاز من بعض الدول التي تتشدق بالحرية وحقوق الإنسان – خاصة ومصر تسعى الآن للحصول على عضوية مجلس حقوق الإنسان الدولي بالأمم المتحدة – فما فعله مالك ورفيقه هو إلقاء حجر في المياه الراكدة، فهما إن تعمقنا في تحليل ما فعلاه سنجدهما مع الشرطة وليس ضدها، يسيران مع الدولة في الطريق نفسه وليس في الاتجاه المعاكس، فهما يقولان أوقفوا الانتهاكات لا تجعلوا الشعب يسخط لا تجعلوا العالم يستهزئ بنا ويبتزنا.

لكن عقولنا أصابها ما أصاب معظم مؤسسات الدولة من التخريب والترهل وعدم القدرة على تمييز حقائق الأشياء، لا أدافع عن مالك وعن رفيقه وإن ذلك لا يمثل عيبًا أو جريمة، بل هو دفاع عن الدستور الذي كفل حرية التعبير، لكني أدافع عن جهاز الشرطة الذي أريده أن يتخلص من كل من يسيء إليه من منتسبيه، أدافع عن الدولة المصرية التي أريدها حقـًا دولة مدنية متقدمة متحضرة تحترم حقوق مواطنيها وتصونها لا تحتقرها وتهدرها وترهب صاحب كل رأي، أدافع عن ثورة الثلاثين من يونيو ثورة الخلاص التي نعطي كل يوم الذرائع لأعدائها ليشوهوها ويصفوها بأنها أتت بنظام قمعي فاشي على غير الحقيقة، أدافع عن وطن في طريقه لأن يلقى حتفه بأيادي أبنائه إن لم يتحرروا من الجهل والرجعية ويتقبلوا الرأي الآخر بصدر رحب ويحترموا صاحبه وإن اختلفوا معه، تأثرًا بمقولة خالدة تقول: “لست أوافقك الرأي لكنى على استعداد تام لأن أبذل دمي ثمنـًا لأن تعبر عنه بكل حرية”.

في النهاية قد اعتذر مالك عما بدر منه، وقد كنت أتمنى أن يكون أكثر وعيَا و إدراكـًا وتمسكـًا بمبدأه وأن يكون فعلاً فعل ما فعل من باب الاحتجاج لا السخرية واللهو، كنت أتمنى فقط أن يوضح الأمر وأن يعلن عن عدم عدائه لجهاز الشرطة الوطني وأنه فقط يحتج على انتهاكات بعض منتسبيه والذي كان على جهاز الشرطة نفسه أن يسبق مالك في احتجاجه بفصل هؤلاء المشاغبين المرضى الذين لا يستحقون شرف الانضمام لجهاز شرطتنا العريق، فهم ليسوا أهلاً لحمل رسالته المقدسة، أخيرًا أتمنى ألا يتم اتخاذ أي إجراء قانوني تعسفي ضد مالك ورفيقه ليس حرصًا على حريتهما ولكن حرصًا على حرية مصر السياسية وصورتها أمام العالم فلا نريد أن نصبح أضحوكة للعالم مرة أخرى، كفانا مرات عديدة سابقة.

وأناشد الدولة المصرية بأن تتفرغ لدورها الرئيس وواجبها المقدس وأن تقوم بحصر كل انتهاكات منتسبي الشرطة والقضاء أو من يستغلون نفوذهم أو مناصبهم في قهر هذا الشعب البائس، وأن تتخذ فيها إجراءات عادلة ورادعة، وأن تطالعنا شهريًا أو سنويًا بتلك البيانات حتى نشعر حقـًا بنجاح ثورتينا ويشعر المواطن بمواطنته وآدميته ويعتز بانتمائه لهذا الوطن لا يكفر به، وتذكروا دومًا أن ما فعله مالك ورفيقه هو مجرد رد فعل، نسأل الله السلامة والاستقامة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أحمد مالك, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد