هل لاحظت في البرامج التلفزية الحوارية «اقتصادية، سياسية، ثقافية، رياضية…» كيف يدافع كل طرف من المتحاورين عن رأيه؟ هل يحاول كل طرف الإصغاء بشكل جيد للآخر؟ أم يسارع لعرض مواقف شخصيات أخرى، وعرض دراسات، والإدلاء بالوثائق، والإتيان بالحجج والبراهين، وكل ما يؤكد وجهة نظره هو وفقط؟ هل يسارع الآخر بعرض كل ما يؤكد رأيه هو أيضًا؟

هل تجد نفسك، وأنت تحاور وتناقش أحد زملاء العمل أو أي شخص آخر، في لحظة الاختلاف، تلهث للبحث عن كل ما من شأنه أن يؤكد كلامك، ورأيك، وتوجهك، وفكرك، ومذهبك، ومعتقدك؟

إذا كان الأمر كذلك فأنت صديقي تحت تأثير ما يطلق عليه علماء الاقتصاد السلوكي بـ«الإنحياز التأكيدي» Biais de confirmation. وهو من أكثر أنواع الانحيازات المعرفية Biais cognitifs انتشارًا وشيوعًا ويحب البعض وصفه بـ«عراب الانحيازات».

أولًا: ما هو الانحياز التأكيدي؟

يعرف عالم النفس الأمريكي Raymond S. Nickerson الانحياز المعرفي بأنه: «عمليةُ تقصّي الدلائل أو المعلومات وتفسيرها بطريقةٍ تؤكَّدُ بها المعتقداتُ الموجودة مُسبقًا لدى الفرد، أو توقعاتُه، أو افتراضاتُه عن أمرٍ ما، وذلك بغضّ النظر عن عدم وجود دلائلَ واضحةٍ تدعم هذه المعتقدات، بل سيكون لديه ثقةٌ مفرطةٌ برأيه في هذه المعتقدات أو الفرضيات التي يتبنَّاها؛ لأنّه في كثيرٍ من الأحيان سيتجاهل الدلائل الأخرى التي تدحضُ فرضياته».

ثمت تجارب تظهر أن الناس يركزون فقط على الكتب المقروءة من مكتبة أمبرتو إيكو، ويمكنك الرجوع إلى كتاب (البجعة السوداء، صفحات 105 : 107» للإطلاع على التجارب التي أجراها علماء النفس للتوصل إلى هذا الانحياز.

خلال الانتخابات الأمريكية لعام 2012، قام المستشار والباحث Valdis Krebs بتحليل اتجاهات الشراء عبر موقع Amazon. وجد أن الأشخاص الذين كانوا قد صوتوا لصالح Obama يشترون الكتب التي تنحاز لصالحه، أما الأشخاص الذين لا يرغبون به فيشترون كتبًا تنحاز لصالح المعارضة. ونفس النتائح تكررت بالنسبة للجرائد: الناس لا يشترون الكتب من أجل المعلومة، بل من أجل التأكيد والتأييد. قام بعد ذلك بدراسة اتجاهات الشراء على أمازون وعادات الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وتوصل إلى نفس نتائج الدراسات السيكولوجية حول الانحياز التأكيدي: يريد الناس أن تكون نظرتهم حول العالم «بما فيه من ظواهر وأحداث…» صائبة ولذلك فهم يبحثون عن المعلومات التي تؤكد وجهة نظرهم ويتجاهلون الأخرى.

ثانيًا: أمثلة عن حالات الانحياز التأكيدي

1- بعد إصدار حكم مسبق على شخص ما «بناء على خلفيته الدينية أو الفكرية أو التعليمية…» والتمسك به، فإنك تركز على المؤشرات التي يظهرها هذا الشخص والتي تؤكد حكمك المسبق عليه. وفي نفس الوقت تتجاهل كل المؤشرات والدلائل الأخرى التي تنفي هذا الحكم.

2- متابعة وسائل الإعلام «قنوات، صحف، مجلات، مواقع الإنترنت، صفحات التواصل الاجتماعي…» التي تؤكد آراءك وتتجاهل الأخرى جملة وتفصيلًا.

3- قراءة الأعمال الفكرية والأدبية والنقدية «دراسات، كتب، مقالات…» التي تتناسب مع أفكارك وتوجهاتك وتؤكدها وتتحاشى كل الأعمال الفكرية التي تتصادم معها.

4- أحدهم يؤمن بوجود الكائنات الفضائية، سيجتهد ليل نهار للبحث عن كل ما يؤكد به معتقداته، ولن يكترث لأي شيء عكس ذلك!

5- أحدهم يعشق فريقا لكرة القدم، سيرفض كل نقد يطال الفريق «المدرب، أداء اللاعبين…» ولن يدخر جهدًا في ذكر الألقاب، والإنجازات المحققة، والمقالات الصحافية والشهادات التي تشيد بالفريق.

6- حزب في معارضة نظام حكم معين، سيكون شغله الشاغل البحث وتصيد الهفوات والغفوات ليؤكد موقفه المبدئي، ويشكك في أية نية وعمل تقوم به الدولة، ويتغاضى عن أي تقرير داخلي، أو خارجي، يشيد بمجهودات الدولة في مجال معين!

ثالثًا: كيف أتعامل مع الانحياز التأكيدي؟

1- أن تكون واعيًا بوجود هذا الانحياز في طريقة تفكيرك، وإلا فإن طبيعته المعقدة تجعل منه انحيازًا يستحيل تجنبه!

2- الإنسان بطبعه يسعى لأن يكون متناغمًا ومنسجمًا لذلك فهو لا يتقبل كل ما من شأنه خرق هذا التوازن، ويسعى إلى البحث عما يضمن هذا الاستقرار الوجودي!

3- يتطلب قبول المعلومات التي تؤكد أفكارك مجهودًا فكريًا أقل، لذلك فالسعي لاقتصاد الطاقة يسقطك في شراك هذا الانحياز.

4- أحسن طريقة لتأكيد معتقداتك وأفكارك هي محاولة البحث عن مواطن الخطأ فيها، وليس محاولة البحث عن ما يؤكدها!

5- انفتح على وجهات النظر الأخرى «حتى وإن لم تكن تثق بأصحابها» وابحث عن مواطن القوة لديها وبراهنها وأدلتها، ولا تكتفي بالبحث عما يؤكد وجهة نظرك فقط!

إن فكرة الإثبات والتأكيد، كما يؤكد نسيم نيكولاس طالب «البجعة السوداء» متجذرة في عاداتنا الذهنية وفي خطابنا اليومي. وأضيف على ما قاله بالقول إنها رائجة وهائجة ومائجة في شبكات التواصل الاجتماعي مع الأسف الشديد!

يقول رجل الأعمال الشهير وارن بافيت Warren Buffett:

«البشر هم الأفضل في تفسير أي معلومات جديدة بحيث تبقى استنتاجاتهم السابقة دون تغيير».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد