توجَد عقولٌ كثيرة في هَذا العَالم، فلَست أنتَ وَحدك مَن تُفكِّر، فكمَا تنبُع مِن فِكرِك الأفكَار، فإنهَا تنبُع من فِكرٍ آخر أيضًا، والأمرُ ما هو إلا وَجهان لعُملةٍ واحِدة، عملة تَتنافر عليهَا فكرتان، كلٌّ منها رابِحة على وِجهتِها، لكنهُما مُتناغمتان مُترابِطتان يحكُمهُما توازن سَليم.

وهَذا يذهبُ بِنا إلى الطابِع البشري، الّذي تجذبه سُلطة الأفكار والسّيطرة الدّائمة، حتى وإن كانتْ سيطرة على مُعتقدٍ مُعيّن أو فِكرة مُحدّدة، ما إن تظهر ويؤمِن بها من تِلقاء نفسِه حتى يَذهَب إليها عقلهُ وقلبه، ولا يُعنيه إن كانتْ مُستندة إلى دلائِل ومُسلّمات واضِحة، فقط إنّها براهينه ودلائِله وأشياؤه، ويضرب بالمعتقد المضاد عرض الحائِط ويتجَاهلهُ تمامًا، وهذا ما يُعرف بالانحياز التّأكيدي.

فإذا أراد أن يَبحث هذا الشّخص الّذي يعترِف بمصطلح «الانحياز التأكيدي» عن فِكرة معيّنة، فإنه يبحَث عنها وِفقًا لمَا يراه هو صحيح، ولا يأبه لرأيٍ مُخالفٍ لرأيهِ، فيأخذ ما يراهُ صحيح، ويترُك ما لا يُعجبه، وهذا النّوع الأول من أنواع الانحياز التّأكيدي، وهو البَحث المُنحاز عن المعلومَات، وهناك أنواعٌ أخرى كالتّأويل المُنحاز والذّاكرة المُنحازة، وكِلاهُما يُشير إلى التّملك الفكري دون الميول إلى الاستماع والمُقارنة.

فالمُعلم مثلًا الذي لا يبحَث ولا يُقارِن ولا يُفكِّر هو أحد تابعي هذا الأمر، فهو يحاوِل إقناعَك بما لا يقتنِع به هو البتّه، فقط لأنه على انحيازٍ تام للمنظومة التّعليمية غير الرشيدة، فهو يُريد أن يُلقِّن فقط، لا أن يُعلِّم.

ومنها أيضًا أنْ ننحاز لفِكرةٍ دون غيرِها فقط لأنّ أحدًا أشَار علينَا بذلِك، السّيارة نقمة وليست نعمة، هذا التلفاز مفيد لا مُضر، ونحن نأخذ بالرأي والشّكل ونذهب فلا نبحث ولا نُفكِّر، إنما نأخذ الفِكرة لا نعلم عنهَا شيئًا، ونتعصّبُ لها ونحن بِها جاهِلون.

والتّعصب الكَروي أحد الفروع أيضًا، فكُلٌّ يأبه لفريق ما دون النّظر إلى العيوب والمُميزات، هذا رائِع لأنهُ فريقي، وهذا بشع لأنه ليس فريقي، وكل ذلِك يحدُث بدون وعي تام، وفِكر قويم.

أن نرى معلومة في مكان ما فنُصدِّقها دون أن نتأكد من صِحّتها، ونرى بعدهَا بدقائِق معارضة لها فنستنتج أنّا كُنا أغبياء؛ لأنّا سمحنا لغيرِنا بأن يعبث في عقولِنا، ويستغل جهلَنا بأمرٍ ما.

فعندمَا يواجِه الشّخص أفكَار مُتناقِضة فإنه يُفكِّر بها عاطفيًّا لا عقليًّا، ويغلب الجانِب العاطفي على الجانب المنطقي الواضِح، فيغفل عما يريد أن يغفل عنه، ويُصدِّق ما يُريد أن يُصدِّق فقط لأنه كذلِك، وهَذا يُعمي عينيه عن الحقيقة المُسلّم بها، ويدفعهُ إلى كهفِ الأوهام.

نحن نريد أنْ نصدِّق ما نُريده فقط، وهَذا الأمر يُلاحقنا منذ الصِّغر، فنأخذ بفكرة ونُرسِّخها حتى ولو كانت خاطِئة وغير منطقية، نفعل ذلِك فقط حتى نمتَلِك مُسلمات تجعلنَا نُساير العَالم الّذي نعيش فيه، نحنُ لم نتدرّب قَط ّ على المُقارنة والموازنة والتّفكير، تدرّبنا على أن نفعل ذلِك لأنه كذلِك، ولأنّ الصّدق هو الصّدق ناهيك عَن مصدره، لَم ننظُر أبدًا إلى آراء الغَير، ولم نلتفِت إلى مُعارضينا إلا بالسّخرية والاتّهام، لم نُعمِل العقل بالطريقة السّليمة، ولَم نهتم بثقافة المُشاركة وتبادُل الآراء، فقط اهتممنَا بثقافة أن نَربح الجَدال في النّهاية سواء كُنا على صوابٍ أم لا، وهذا ما قذف بِنا إلى حقلِ استعباد الأفكَار، وإلى غيره من الحقول الملوّثة بالمعلومات الخاطِئة والأفكار المُبعثرة، والتي ليست لهَا دليل للصّحة.

عليك بالبَحث والتّفكير والتّحليل السّليم المَنطقي، لا تلتفِت إلى أي خبرٍ وتأخذه فتؤمن به دون وعي، ولا تُعارِض غيرك إلا بعد الاستِماع والتّحليل، وكُن على حيادٍ مُنصف، فاختلاف الرأي لا يُفسِد للوِد قضية، وإذا سُئِلت فلا تقُل: أنا أعلم أنّي على حق! بل قُل: سأُفكِّر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد