مصادرة أموال الفساد ..." ثقافة جديدة تنتشر "

لعلنا ندرك اليوم أن الشعوب أصبحت على دراية ووعي تام بدأ يسود كثقافة جديدة حول الفساد والمفسدين وضرورة محاربة ومصادرة أموال الفاسدين سواء ساسة أو رجال مال وأعمال، فالوعي أصبح منتشرًا بفضل وسائل العصر الإلكترونية الحديثة من أجهزة اتصالات ومواقع تواصل اجتماعية تتحدث في كل شيء، ومنها ظاهرة الفساد المنتشرة، والمعروف شخصياتها في كل المجتمعات، يعرف الناس من الفاسدين والفسدة ولا ضير اليوم عندما نشاهد مظاهرات لناشطين في جمهورية كينيا تطالب بمصادرة وتأميم أموال وممتلكات قيادات جنوب السودان على الأراضي الكينية، واستندت المظاهرة إلى أن الحكومة الكينية سمحت لقادة جنوب السودان الفاسدين بشراء وتحويل أموال عبر البنوك الكينية، وأصبحت بلادهم ملجأً وملاذًا للأموال المنهوبة، والضير غدًا أن نرى مظاهرات ومسيرات مماثله في مصر والأردن ولبنان… تطالب بمصادرة أموال مسؤلين عرب نهبوا ثروات شعوبهم وقاموا بتوطينها في تلك الدول العربية الشقيقة التي لم تكلف نفسها عناء السؤال عن مصادر هذه الأموال التي جعلت من بلدانهم أكبر ملجأ وملاذ للأموال المنهوبة التي يشترى بها الفيلل والشقق والعقارات بكل أشكالها، بل أصبحت بعض البلاد العربية ملاذًا لتوطين شعوب عربية هربت من بلدانها لأسباب جيو – سياسية وصراعات هربت ومعها نصيب من ثروة منهوبة من بلادها لأنهم أبناء وأحفاد وأقرباء مسؤولين فاسدين مع حماية وإعفاءات ضريبية لا يتحصلها أبناء البلد أنفسهم.

كينيا أول من دق ناقوس المصادرة

فالشعب الكيني أول من دق ناقوس الخطر عندما هب بعض ناشطيه بمطالبة حكومتهم بمصادرة أموال وأملاك بعض الأجانب السودانيين المقيمين على أرضهم وسارت تلك المظاهرة إلى البرلمان الكيني وقدموا خطابًا لرئيس البرلمان قبل أن يذهبوا إلى البنك الكيني التجاري الذي أيضًا طالبوه باتخاذ إجراءات بمصادرة ومنع قيادات جنوب السودان. فهي ثقافة جديدة انطلقت من كينيا، لكنها ستنتهي في كل دول العالم من أوروبا إلى أمريكا إلى آسيا حتى الوصول للوطن العربي الكبير الذي يعيش أكبر مرحلة، فساد في التاريخ على مر العصور مرحلة من الفساد والنهب والسرقة والاستحواذ على مقدرات الأمة لا مثيل لها في أي مكان من هذا العالم، فساد يمر دون رقيب أو حسيب فساد، استشرى وأكل الأخضر واليابس، جعل غالبية شعوب المنطقة تعيش في حالة من البؤس والفقر والعوز والجوع في ظل صمت كل الجهات الرسمية المسؤولة، فالمصادرة عنوان جديد بدا يطفو على السطح في الكثير من الدول بما يوازي مصطلح التأميم في حقبة من حقبات الزمن الذي ساد فيه التأميم وشمل كل شيء: الإنسان الصالح، والإنسان الطالح، لم يميز بين من عمل وصنع ثروته وجاهه بمصادر مشروعة وبين من نهب وأفسد بطرق غير مشروعة، فالظاهرة الجديدة التي بدات تعم العديد من دول العالم لن يكون العالم العربي في منأى عنها، وستصل لتجوب كل البلدان العربية ومطالبة الشعوب بمصادرة أملاك كل الفاسدين.

ثورة زنجبار 1964 الدروس والعبر

حتى يومنا هذا ما تزال ثورة زنجبار تمثل حدثًا ذا أهمية لمعظم الأكاديميين العرب المختصين بدراسة الشأن الأفريقي، وكيف فقد العرب حكم أندلس أفريقيا، فمعظم المؤرخين يعتقدون أنه سبب قيام الثورة وجود طبقية عنصرية واجتماعية بين السكان، بينما يجمع البعض الآخر أن الثوار الأفارقة مثلوا حالة تمرد ضد طبقة الحكام والتجار من عرب عمان وحضرموت. بينما يرى قلة قليلة من المؤرخين أنها ثورة عنصرية تفاقمت بسبب التفاوت الاقتصادي بين طبقات هذا المجتمع، وفي العموم تمثل تلك الثورة في زنجبار حدثًا هامًا؛ فقد أطاحت ثورة زنجبار سنة 1964 بالمكون العربي الحاكم الذي كان يستأثر بكل مقدرات الجزيرة وإمكاناتها؛ مما أثار سكان الجزيرة الأفارقة الأصليين الذين شعروا بنوع من العنصرية اتجاههم وسيطرة الأقلية العربية العمانية والحضرمية على إدارة الجزيرة. فأصاب الإحباط المكون الأفريقي فأقاموا ثورتهم صبيحة يوم 12 يناير (كانون الثاني) 1964 في الجزيرة الكبرى أنغوجا، فاحتلت مراكز الشرطة واستولوا على أسلحتهم، ثم تقدموا نحو العاصمة ستون تاون حيث أطاحوا بالسلطان وبحكومته. وبدأوا بعدها بالاقتصاص من المدنيين العرب والآسيويين في الجزيرة: وقدرت بعض المصادر عدد القتلى المدنيين نتيجة تلك الثورة بين عدة مئات إلى 10 آلاف شخص. وجيئ بعبيد كرومي وتم تنصيبه الرئيس الجديد، ومنح الأفارقة لأول مرة كل المواقع في السلطة.

وكانت من أهم نتائج ثورة زنجبار كسر هيمنة العرب الحاكمة التي استمرت لمدة 200 سنة،. وتم إزاحة السلطة والقوة من العرب كان من أهم الأولويات ونتائج الثورة حتى أضحت معظم الخدمات المدنية والوظائف في زنجبار ذات كادر أفريقي بالكامل، وسحبت الأراضي الزراعية من العرب ووزعت للأفارقة، وتم وضع إصلاحات اجتماعية مثل الرعاية الصحية المجانية، وفتح نظام التعليم للطلبة الأفارقة الذين كانوا يشغلون 10٪ فقط من المقاعد في المدارس الثانوية قبل الثورة.

من خلال الواقعة أبدع الحضارم العرب في الأستشهاد بالمثل الذي حكى واقعهم المرير الذي عاشوه في زنجبار خلال هذه الفترة بالمثل القائل: (مال ما هو في بلادك، لا هو لك، ولا لعيالك). هذه الحقيقة نستطيع أن نستشهد بها من واقعنا اليوم حيث معظم العرب يفضلون استثمار أموالهم في الخارج ويستأمنون أموالهم عند الغرب الغريب، ولا يضعونها في بلدانهم لذا نجد الكثير من العرب يشترون عقارات وأراضي زراعية في الخارج، ولم يتعلموا الدرس ممن سبقوهم في الهجرة والاستثمار وكيفية فقدان من سبقوهم في الهجرة والغربة لأموالهم وثرواتهم في بلدان أخرى ما حدث للعرب في تنزانيا من مصادرة تلك الأملاك والأموال بطريقة مباشرة وما يقوم به الغرب حاليًا من مصادرة غير مباشرة لأموال المسؤولين العرب السابقين التي لا توجد إحصائيات دقيقة حول حجم أموال المودعة في بنوك الغرب ولا حجم الأملاك والعقارات والأستخواذ الغير المباشر لثروات أثرياء ورجال أعمال عرب بطرق قانونية تحت مسميات عديدة من ضرائب وجمارك و مخالفات جسيمة وتارة… إلخ.

العرب فساد فاق الخيال

ما حدث ويحدث اليوم ولا يتوقع حدوثه عندما يصرح مصدر يقول إنه مسؤول أن السوريين قاموا بشراء أكثر من 21 ألف عقار من شقق وفيلل ومحلات في مصر وتركيا خلال السبع سنوات الماضية من عمر الحرب في سوريا، وأن اليمنيين بالمثل قاموا بشراء أكثر من 15 ألف عقار تشمل شقق وفيلل في الأربع سنوات من عمر الحرب ناهيك عن العراقيين والتونسيين والليبيين كم اشتروا عقارات من شقق وفيلل وأراض.. كيف جاء هؤلاء بهذه الثروة من بلدانهم وشعبهم يعيش حالة يرثى لها من جوع ومرض وعوز… إلخ. ناهيك عن شراء الآلاف من الشقق في تركيا قدرتها مصادر بأكثر من 8 ألف شقة خلال عام 2017 فقط، وكذلك ماليزيا ولبنان.

نعلم أن معظم الحكومات العربية التي جاءت من بعد ثورة الربيع العربي سعت في ملف استرجاع الأموال المنهوبة في الخارج طيلة السنوات الماضية، لكن لم تستطع تحقيق أي نتائج مرجوة وذلك لقلة الخبرة، وعدم تعاون العديد من الجهات الدولية والحكومات الأجنبية، وحتى العربية التي تعاني الانفصام والازدواجية في ظل تقديم عدد هائل من الملفات لعددٍ قليلٍ من القضاة، بما يستحيل العمل معها.

فالعالم الديمقراطي المتحضر لا يتعامل إلا مع أحكام قضائية قطعية، بارتكاب جريمة نهب للمال العام، والفشل في استرجاع هذه الأموال، يعود لعدم جدية الجهات الحكومية المسؤولية في السعي وراء استعادة الاموال نتيجة تفاهمات وتسويات مع الأنظمة الفاسدة التي جثمت على كرسي الحكم طيلة العقود الماضية.

وربما يدرك الكثير من أبناء الشعب الليبي والتونسي والسوري والعراقي انه ليس من مصلحة دول كفرنسا وأيطاليا وألمانيا وأمريكا وحتى تركيا… إلخ، الاستقرار وعودة الهدوء للحياة السياسية وألاقتصادية لطبيعتها؛ وذلك خوفًا من تلك الدول الكبرى أن يخرج الشارع والمواطن العربي بالمطالبة بثرواته وامواله المودعة التي نهبت على مدى عقود من قبل مسؤليها لتوضع في بنوك ومصارف هذه الدول التي مع السنين ستقوم بالاستحواذ والبسط عليها.

السعودية ومصادرة أموال الفاسدين

حدث ذلك على خلفية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السعودبة بالقبض على بعض المتهمين في قضايا الفساد، جاء ذلك ضمن سياق قيام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بتشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لحصر كل المخالفات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام إدراكًا من الحكومة بأنه لن يتحقق أي نوع من التنمية الحقيقة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره ومحاسبة كل الفاسدين والمقصرين، وكل من تطاول على المال العام.، قيام اللجنة بحصر كل المخالفات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام، وتتبع الأموال والأصول من قبل الأشخاص والكيانات أيًا كانت صفتها إلى جانب اتخاذ ما يلزم مع المتورطين في قضايا الفساد العام واتخاذ ما تراه بحق الأشخاص والكيانات والأموال والأصول الثابتة والمنقولة في الداخل والخارج وإعادة الأموال للخزينة العامة للدولة وتسجيل الممتلكات والأصول باسم عقارات الدولة، ومُنحت اللجنة صلاحيات الاستعانة بمن تراه وتقوم بتشكيل فرق للتحري والتحقيق ولها تفويض كامل الصلاحيات وعلى جميع الجهات المعنية في الدولة التعاون التام في ذلك.

كل هذا جاء لأجل تعزيز برامج التنمية الوطنية وتكريس النهج الإصلاحي الذي تبنته حكومة خادم الحرمين الشريفين في اجتثاث الفساد، مما يُسهم في تعزيز المنظومة الرقابية ومبادئ الحوكمة والمحاسبة والعدالة، وحماية حقوق الأفراد والشركات، بما يدفع عجلة التنمية الوطنية ويعزز الاقتصاد ويحفز الاستثمار في بيئة صحية عادلة، وكل ذلك من أجل أن يصب في ضمان حقوق الدولة وحماية المال العام.

مصر من التحفظ الى المصادرة

صدر في مصر قرار قضائي بمصادرة أموال 1589 شخصًا وهي خطوة تؤكد مشروعية مصادرة الأموال والأملاك أي كانت الجهات التي تمثلها فحق المصادرة حق مشروع تكفله قوانين جميع الدول بما فيها أموال الفاسدين الذين يعيثون في الأرض الفساد وتتضمن تلك الأموال المصادرة في مصر مؤخرًا 118 شركة، و1133 جمعية، و104 مدارس، و39 مستشفى، و62 موقعًا إخباريًا وقناة فضائية. وسبق كل ذلك قيام الحكومة بتشكيل لجنة من القضاة ورؤساء المحاكم، طبقًا لقانون تنظيم التحفظ والحصر والإدارة والتصرف في أموال كل الجماعات والأحزاب والكيانات والأشخاص المتعلقة بقضايا الفساد. واتخذت اللجنة قرارًا بالتحفظ على أموال 1589 شخصًا. ولم تحدد تلك اللجنة حجم الأموال المصادرة التي ستؤول إلى الخزانة العامة للدولة وفق هذا القرار، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن 64 مليار جنيه مصري (ما يوازي نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي). ويحق لأصحاب الأموال المصادرة الطعن في القرار القضائي أمام محكمة الأمور المستعجلة التي سيكون حكمها نهائيًا. وينظر البعض لمثل هذه الخطوة أن مصادرة الأموال من المفترض أن تؤدي إلى مخاوف لدى المستثمرين، بينما على المستوي الواقعي والفعلي، فإن المستثمرين يرون أن السياسة والقرار السياسي الرسمي يحتل حيزًا واسعًا من الأسباب التي أدت إلى مثل هذه القرارات، بينما الاقتصاد ومشاريع التنمية تقوم على دوافع الكسب والخسارة دون التدخل في الحسابات السياسية للدولة.

تونس وسعيها في مصادرة املاك الفاسدين

في تونستمت مصادرة أملاك ثمانية من رجال الأعمال التونسيين الذين ثبت تحقيقهم لأرباح بشكل غير مشروع جراء علاقاتهم وارتباطاتهم بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعائلته، بموجبه تمت مصادرة جميع الأموال المنقولة والعقارية لرجال الأعمال الموقوفين والذين ستشملهم حملة الإيقافات في إطار مكافحة الفساد.

كل هذه الإيقافات التي طالت شخصيات كبيرة ونافذة في عالم المال والأعمال تأتي بسبب ارتفاع غير مسبوق لمستوى الفساد في البلاد، أضعاف ما كان عليه إبان النظام السابق قبل ثورة الربيع 2011، واستشراء ظاهرة الفساد والرشوة وتفاقم الفوارق الاجتماعية واستفحال ظاهرة الفقر والعوز والجوع، وانتشار مظاهر الإثراء من المناصب السياسية والإدارية والمحسوبية والسمسرة التي أصبحت تنخر الحكومة والإدارة وحتى الطبقة السياسية العليا في تونس (وأن المواطنين أصبحوا واثقين من أن أجهزة الدولة بعد ثورة الربيع جهاز (فساد منظم عميق).

حكم مصادرة الأموال في الشريعة الإسلامية

الثابت أن ما يصادر من أموال الناس هكذا من غير أن يكون ذلك المال وقع في يده بطرق غير مشروعة فهو غير جائز ولا تجيزه الشريعة الإسلامية لأن للأموال حرمات، فإن كان ماله بنفسه فلا يجوز أن يصادر عليه، سواء كان مسلمًا أو كان ذميًا؛ لأن مال المسلم محفوظ ومال الذمي أيضًا محفوظ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» أخرجه مسلم، أما إن كان ذلك المال مالًا مجهولًا ربه، وذلك بأن يكون ذلك شخصًا ظالمًا، أخذ أموال الناس وسعى في الأرض فسادًا وأتلف حقوق الناس، وجهل أولئك الذين هم أصحاب المال – الذين يستحقون استرداد حقوقهم منه – فإنه في هذه الحالة يجوز أن يصادر عليه المال الذي يتصور بأنه وقع في يده من مال المسلمين الذين جهلوا، حتى يكون هذا المال لمنفعة جميع المسلمين، وقد وقع في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – فإنه عندما وجه التهمة إلى بعض ولاته بأنهم تصرفوا تصرفًا غير شرعي وغير مأذون به في بيت مال المسلمين أخذ منهم بعض ما بأيديهم ورده إلى بيت مال المسلمين، ليكون لمنفعة المسلمين جميعًا، ووقع ذلك من أئمة العدل من أصحابنا، ومن بين من فعل ذلك الإمام عمر بن الخطاب الخروصي عندما حكم بمصادرة أموال بني نبهان، لأن هذه الأموال كلها كانت من مظالم العباد، وأصحاب الحقوق جهلوا فاعتبروا ولي أمر المسلمين هو الوكيل عن أصحاب الحقوق، ورد ذلك إلى مصلحة المسلمين جميعًا، الأصل في أموال المسلمين أن تراعى حرماتها، وكذلك الأصل أيضًا في أموال الذميين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!