يرى البروفيسور كارفر أن التنازع البشري ينقسم إلى أربعة أنواع.

النوع الأول: التنازع الدوني وهو من أدنى أنواع التنازع البشري، وهو أقرب أنواع التنازع إلى الحياة الحيوانية، ففيه تكون المكانة والمرتبة الأولى للقوة البدنية، أي أن الفرد يعتمد على قوته لتحطيم خصمه أو إيذائه، كما له صور عديدة تتمثل في الحرب والمبارزة واغتصاب العفاف.

النوع الثاني: استخدمت فيه الرؤية والذكاء، وهذا النوع هو أرقى في سلم التطور من النوع الأول، ويتخذ أشكالًا عدة تقوم على السرقة والاحتيال والغش، أي كل ما يتم خلف الستار ويتم بخلسة.

النوع الثالث: يكاد هذا النوع يسود العالم المتحضر، ويتخذ أشكالًا عديدة، فمثلا يكمن بين علاقة الرجل بالمرأة في إطار الغزل ومبادلة الغرام، وبين الأحزاب السياسية يكمن في إطار الحملات الانتخابية والمهرجانات الحزبية، وبين الشركات التجارية يتخذ شكل الإعلانات الصارخة.

النوع الرابع: يؤمل أن يسود العالم في يوم من الأيام، فهو يتمثل في المنافسة الاقتصادية والسياسية والعلمية والاجتماعية، على أساس هادئ يخلو من التحاقد والتباغض.

الإنسان بمقتضى التغيرات التي ما زلت تطرأ عليه يتقلب بين كل هذه الأنواع، فالإنسان مجبر على التنازع، فهو شيء أساسي في صميم تكوينه، فلو قل التنازع الطبيعي لجأ الإنسان إلى التنازع الاصطناعي فنجده يقيم مباريات كرة القدم، أو أيا من الرياضة التنافسية، فعلى كل التنازع بين البشر يخلق إما تقدما لو كان بناءً أو خرابا عارما لو كان هداما، فالتنازع سلاح ذو حدين، أينما وليته حصدت ثماره، أدرك الإنسان أنواع التنازع عندما بدأ ينتقل من أسفل الأنواع إلى أعلاها وذلك بمقتضى تقدم الحضارات وازدهارها.

كما تطرق كارفر في هذا الموضوع عن أسباب التنازع بين البشر وتوصل إلى سببين، وهما:

السبب الأول: استحالة إشباع الحاجات البشرية كلها.

السبب الثاني: حب الإنسان لنفسه وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة أمرها.

قيل إن بالإمكان إشباع الحاجات البشرية كلها إذا صلح نظام الإنتاج والتوزيع، إن هذا القول يبدو صحيحا في النظرة الأولى، ولكننا لو تأملنا في نزعة التكالب التي جبل عليها الإنسان، لشعرنا بأنه لا يشبع حتى لو ملك الدنيا بأسرها.

فالإنسان بطبيعة الحال لا يشعر بالاكتفاء، فمثلا لو أن أحدهم يملك فيللا لرأيته يسعى ليملك قصرا، ولو ملك قصرا سعى ليملك قرية، ولو ملك قرية سعى ليملك جزيرة، ولو أسقطنا شعور النقص على العلم لوجدنا سبحانه وتعالى جل شأنه يقول: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» في ظاهر الآية الكريمة تقرير بشعور النقص في العلم فقط، أما في خافقها تحوى على الشعور بالنقص في شتى مجالات الحياة، وتقرير بأن النقص عام وإن كان ظاهره خاص.

والعلم بحر لا شاطئ له، فمن ظن أنه قد أحاط بالعلم شيء فقد جهل نفسه، وصدق الشاعر حينما قال:

وقل لمن يدعي في العلم فلسفة … حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

كما قال العماد الأصبهاني: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده، لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص في جملة البشر.

النقص من أحد عوامل استمرار الحضارات بشكل خاص والحياة بشكل عام، فإذا ما افترضا مجازا أن الكمال حل محل النقص، ستتوقف الحضارة بتوقف التنازع، فلو اكتمل الكمال عند البشر دون الشعور بالنقص فعلى أي يكون التنازع؟! لذلك ثمة علاقة هنا ما بين التنازع والنقص في استمرارية الحياة، العلاقة تكمن في أن التنازع نتيجة لسبب النقص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اجتماعي, ادبي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد