يبين استقراء التاريخ البشري حقيقة جوهرية بل يرسخ في الأذهان سنة كونية من سنن الله في هذه الأرض، وقانونًا كونيًا لن يتبدل طوالَ مسيرة البشرية الحافلة بالصدام، وأنه لن يأتي على البشرية زمن يكون فيه أصحاب الحق مسترخين دون عناء ولن يأتي كذلك زمن ينومون فيه أهل الباطل يقبعون فوق رؤوس الخلائق ويستذلونهم دون شوكة منهم ودون جهاد، وهذه الحقيقة الجوهرية إن لم يدركها الناسُ فلن يستطيعوا تفسيرَ ظواهر الحياة وتقلباتها ولن يستطيعوا أن يُفجوا غبار المعركة ليروا طبيعة المستقبل من وراء دخانها العالق في سماء الواقع، إن هذه الحقيقة هي حتمية الانتصار، حتمية انتصار أهل القيمة، حتمية انتصار أهل المظلمة، حتمية انتصار أهل الإيمان، حتمية انتصار أهل الإنسانية الحقة لا تلك المهترئة التي زينت بدماء الأبرياء وأكل وشرب على جثثها الطواغيت المتاجرون بدماء الخلق شرقا وغربًا من مواثيق دولية ليس فيها من الإنسانية إلا المواد المدونة بدم الأبرياء وعلى أجساد الضعفاء، نعم ضعفاء في المادة أقوياء في الروح، والنصر لهم بإذن الله، وهذه الحقيقة الجوهرية وهي حقيقة الانتصار نراها في كل موقف بشري وفي كل صدام حتمي وفي كل صراع وجودي، قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) الروم47

إن الناظر لحقيقة الإسلام يجد أنه يؤصل لشرعية الدفاع عن النفس والمال والعرض وحق الإنسان في الحياة وحقه في الحرية في هذه الأرض، قال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)ا لحج ـ 39، ولذلك فإن طبيعة البشر تتنوع بين الظلم والعدل، بين من تأسره نفسه لاضطهاد الناس متى أتيحت له الفرصة، وبين من يقيم العدل متى ما استطاع لذلك سبيلًا، فالذي لا يعرف هذه الطبيعة لا يعرف تفسيرًا لأي ظاهرة أخرى، فالله تعالى كفل للناس حق الدفاع عن أنفسهم وحق المطالبة بحقوقهم والجهاد ليس قتال الكفار بل هو قتال الظالمين أيا كانوا مسلمين أو كفار، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون عرضه فهو شهيد)، وأن البشرية منذ فجرها تعيش هذه الصراعات لأنها فطرت على التنوع بين خطي الشر والخير وما دام هذان الخطان موجودين فلابد من وجود صدام وصراع متكرر، ويبقى التطلع نحو القيم التي جعلها الله تعالى منهجًا لتعيش به البشرية كلها كفارها ومسلموها، يبقى موجودًا وتظل الأمة تطبقه وتبنيه ويظل كذلك الهادمون يهدمون وقد تتحول حضارة من نهضة لانحسار وقد تنهض مرة أخرى وهكذا حسب عوامل الحياة وحسب النضج والوعي بحقيقة الدين وطبيعته لدى الشعوب، ولذلك فإن الشعوب الإسلامية خاصة فيما يدور في ثورات الربيع العربي أدركت أنه لابد من المضي قدمًا نحو الحرية مهما كانت تكاليفها من دماء وتضحيات، لأنها تدخل ضمن الدفاع عن الحقوق والحرمات فالشهداء لا يموتون بل هم أحياء عند ربهم يرزقون (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات بل أحياء عند ربهم يرزقون) آل عمران 169، والشهداء هم الشعلة التي تنير الطريق للناس صوب غايتهم لإقامة العدل بين الناس وتمكين قيم الحرية والشورى والتنمية لهذه الشعوب التي ظلت تتردى فترة طويلة تحت وطأة الاستبداد ونيرانه.

إن الواجب على الثوار أن يوحدوا صفوفهم ويثقوا بنصر الله تعالى، وعليهم أن يعتصموا ولا يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم، والثورة لابد أن يقودها الوعي والهدف، وليست الثورة من أجل الثورة بل من أجل هدف سامٍ وغالٍ وثمين تُدفع من أجله النفوس والأموال في سبيل الله تعالى وهو إقامة العدل بين الناس، كل الناس بغير استثناء فالكل يكفل له الحرية في ظل هذه القيم الشريفة النبيلة التي نتجت بعد إزلة الاستبداد الذي يمتص دماء الخلق ويكبت حريتهم وكرامتهم (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء 70، ولذلك فإن الانتصار للقيم وللأخلاق هو المتجه الوحيد الذي سترسو عليه سفينة الصراع الحتمي بين القيم والأخلاق وبين الفساد والإفساد، والثقة في نصر الله تعالى للمؤمنين أكبر بكثير من أن تحصى فهو القائل (الا إن نصر الله قريب) البقرة 214، وكذلك الثقة في خذلان الله للظالمين والطواغيت ومن سار على نهجهم لا تحصى فهو القائل: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغته فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) الأنعام 44ـ45، فتأمل التعبير القرآني الرائع في أخذ الظالمين والإمهال لهم لحكمة يريدها الله وليبتلي المؤمنين ويقوي شوكتهم، لأن الله يؤخر النصر لحكمة يريدها، وللأستاذ سيد قطب مقولات رائعة ليس لي إلا أن أوردها نصًا في هذا المقال لتنظروا لتعبيراته الدقيقة الجميلة، إذ يقول:

(والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله.

قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعدُ نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا.

وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا لا تبذله هينا رخيصا في سبيل الله.

وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر، إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعده لله.

وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سندا إلا الله، ولا متوجَّها إلا إليه وحده في الضراء، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن الله به، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله.

وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئا من المشاعر التي تلابسه.

كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا ويذهب وحده هالكا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار.

وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارًا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه.

وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار، فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ولاستبقائه.

من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا).

نعم كما قال الاستاذ سيد قطب إن النصر قد يتأخر، لهذه الاسباب ولغيرها مما يعلمه الله تعالى، ولكن النصر قادم لا محالة وأن الفجر سيطلع حتما فالصراع حتمي والانتصار حتمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد