ولئن حالت المشاهد الحميمية، والحبكة الدرامية الجريئة، دون أن تغامر شاشة خليجية ببث مسلسل صراع العروش، يتفاعل الخليجيون اليوم مع جزء غير يسير من أحداث المسلسل في برنامج هو الأكبر بين برامج تلفزيون الواقع.

في 17 أبريل (نيسان) 2011 بدأت قناة HBO الأمريكية بث أولى حلقات الموسم الأول من مسلسل صراع العروش Game of Thrones. المسلسل من تأليف ديفيد بينيوف ودانيال وايز، وهو اقتباس لرواية صراع العروش من سلسلة روايات: (أغنية من ثلج ونار) لمؤلفها جورج مارتن.

تجري أحداث المسلسل في قارّتين خياليتين هما ويستروس وإيسوس، حيث تتصارع 7 عائلات للسيطرة على عرش 7 ممالك. ويتطرق المسلسل الذي أنصح بمشاهدته (بعيدًا عن الأطفال) إلى فضاءات صراع مركزية، تتمثل في المراتب الاجتماعية، والدين، والحروب الأهلية، والجنس، والجريمة وعقابها، والولاء والعدالة[i].

المسلسل الذي تمتد حلقاته لمواسم عدة لا يقدم نهايات منتظرة/متوقعة، بل غالبًاًما يخيب توقعات المشاهدين. يغادر مواسم وحلقات صراع العروش البطل تلو الآخر؛ إذ تتحول أطماع كل عائلة/ مملكة إلى خسارات متتالية، وانكسارات مرّة. يعلمنا، أن مظاهر القوة والأنفة والشرف قد تتحول إلى ما هو نقيض ذلك.

يقدم الموقف الإماراتي – على الأقل – تفسيره لأزمة حصار قطر وصراع العروش في الخليج، باعتبارها معركة يراد لها أن تكون حاسمة بين الإسلام السياسي الذي تمثله قطر، والحلول العلمانية التي يقدمها تحالف الإمارات والسعودية والبحرين ومصر. في الجانب الآخر، تعتقد قطر أن حصارها هو امتداد للثورة المضادة على ربيع الشعوب العربية الطامحة إلى العدالة والديمقراطية والحرية، وأن ما تتعرض له هو انتقام لمواقفها الداعمة لهذا الربيع المغدور.

الممالك السبعة في مسلسل صراع العروش، والتي تعصف بها الفتن الداخلية، وأطماع التوسع لكل عائلة ومملكة، تلتهمها تدريجيًا الأخطار الشمالية التي تأتي من قارة (إيسوس). وهو ما يحول هذه الحروب بين الممالك إلى مجرد استنزاف عبثي لمواردها. وإمكانياتها.

في النسخة الخليجية تبدو الصورة أوضح، خصوصًا وأن دول الخليج تمتلك عبر صناديقها السيادية وأذرعها الاستثمارية أكثر من 3 تريليون دولار. تتآكل هذه الثروة الكبيرة منذ العام 2011 في أكثر من مصب، أهمها ما تنفقه دول الخليج على صراعاتها وحروبها بالوكالة في سوريا واليمن وليبيا والعراق، فضلًا عن ما تفقه في صراعاتها الناعمة في كل من مصر وتونس. يضاف لكل هذه الخسائر، ما خلفه ويخلفه حصار قطر على الدوحة وعواصم دول الحصار من خسائر.

ومن الأفكار الرئيسة لمؤلف هذه الرائعة التلفزيونية هو تمثيله للفوضى – على لسان لورد بايلش – لا باعتبارها حفرة تسقط فيها الممالك دون دراية، بل باعتبارها سُلَّمًا يصعده الكثيرون بإرادتهم، ليكتشفوا – متأخرين – أن سقطات سُلّم الفوضى لا تكسر وحسب، بل تنهي كل شيء. كما أن تبرير الدول/الممالك الدخول إلى الحرب/الفوضى – في كثير من الأحيان – لا يختلف عما يبرر به شاب يافع هجره لحبيبته حين يقول: لا خيار لدي، ثم يغادر حبيبته إلى أخرى بمحض اختياره!

في صراع الممالك الخليجية، تظهر الوجوه الصاعدة حديثًا إلى سلم الحكم في واجهة الأزمة في ذات السياق. أمير جديد في قطر يرث إمارة صغيرة بيد طويلة في أغلب زوايا المعمورة، ولي عهد جديد في السعودية يتحكم بالدولة الأهم والأكبر والأكثر تأثيرًا ورمزية في العالمين العربي والإسلامي، وأخيرًا؛ ولي عهد في أبوظبي يطمح الى حكم الدولة التي تمتلك ثاني أكبر صندوق سيادي في العالم (ما يزيد عن 800 مليار دولار).

كانت قوى الإعتدال والحكمة في كل عائلة نبيلة من العائلات السبع في مسلسل صراع العروش تدق ناقوس الخطر في أغلب الحروب، ينصحون، ويحذرون. قبالة ذلك، ولأن هؤلاء النبلاء كثيرًا ما يتم إسكاتهم أو تصفيتهم، الواحد تلو الآخر، توضح لنا أحداث هذا المسلسل كيف تصعد إلى مصاف النخب والصفوف الأولى في الدول قوائم عدة من السفلة والمأجورين والمجرمين. فالحرب كما يقال؛ لا تحتاج لأكثر من حكيم واحد!

يستطيع المتتبع لصراع ممالك الخليج وإماراتها أن يرى بوضوح مآلات المكنة الإعلامية في دول الخليج وما وصلت اليه يومياتها من انحدار ووضاعة. خطابات غير مسؤولة، لا تليق بشخصيات عامة تتقلد مناصب رسمية في بلدانها. خطابات أسست لرواج خطاب جديد بين دول الخليج، خطاب لم يعهده الخليجيون سابقًا.

الانتصارات التي تحققها كل عائلة/ مملكة/ دولة من الممالك كانت دائمًا وأبدًا انتصارات مؤقتة، وذاكرة الملوك ومستشاريهم المتخمة بتجارب الحروب التاريخية الطويلة لم تكن كافية ليدرك أي منهم أن قرار إنهاء الفوضى والتحكم في نهاياتها لا يشبه البتة قرار البدء فيها. حنكتهم لم تلتفت إلى أن العمليات العسكرية التي أُريد لها أن تكون محدودة؛ لم تعد كذلك.

المثير للقلق والتضامن – السلبي على أي حال – في كل هذه الفوضى التي لا تنتهي في صراع العروش بنسختيه الأصلية والخليجية على حد سواء، هو أنها لا تترك لأحد خيارات معقولة. غالباً ما يكون مقياس التردد عن الدخول في أوج هذه الفوضى والانفعال بها وفيها مقياسًا أقرن[ii]، مقياس يجعل مصائر الناس كمصير كتلك اليهودية التي أمرها النازيون أن تختار أحد طفليها؛ لأنهم قرروا أن يقتلوا الآخر، تلك اليهودية لم تدر بالطبع ماذا يجب أن تفعل، ومن تختار!


[ii]

القياس الأقرن هو قياس ذو حدّين أو ذو قضيّتين، ولكنهما يخلصان إلى نتيجة واحد. ويترجم منير البعلبكي كلمة Dilemma بمعنى القياس الأقرن: برهان ذو حدين (أو قرنين) يـُكرِه الخصمَ على اختيار واحد من بديلـَيْن كليهما في غير مصلحته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد