يعتبر من أصعب الملفات التي شهدتها المنطقة، وخاصة أن هنالك دولًا تعتقد أن حياتها تتوقف على هذا الشريان العظيم، ولها الحق في هذا؛ لأنها نمت وترعرعت منذ آلاف السنين، وشهدت حضاراتها حراكًا على ضفافه، وتكونت الممالك تلو الممالك، ويظل الخالق هو من يهب هؤلاء البشر نصيبهم من هذه المياه، وعندما خلق الله البشر كانوا يتعايشون لفترة على ضفاف نهر النيل، دون أن يخاف أحد من نصيب أحد من المياه.

 

قضية مياه النيل ما بين الأمس واليوم تصاعدت بفضل هيمنة بعض الدول على هذه المياه بفضل سطوتها والقوة التي وهبتها لها الدول الاستعمارية، فكانت الاتفاقات التي قصمت ظهر البعير في تلك الفترات ما بين اتفاقية 1902 التي قيدت الإمبراطور منليك الثاني، والذي كان هدفه الأول والأخير هو تأمين حدود دولته من الاستعمار الذي كان يتربص بإثيوبيا، وبهذه الاتفاقية التي جعلته بعيدًا عن أن يفكر في إقامة أي مشروع على النيل في تلك الفترة، وهي تلك الفترات التي كان المستعمر الإيطالي يتوسع ويحاول الهيمنة على القارة الإفريقية، وبدأ من شرقها.

 

واتفاقات الأعوام 1929 و1959 كانت بريطانيا هي من تتحكم بتلك الدول، وتناست أن هنالك دولًا لها حق، وستطالب به في يوم من الأيام عقب نيل استقلالها، وقامت بريطانيا بتوقيع اتفاقية أصبحت وصمة عار في تاريخ البشرية، وهدفها هو تأمين المياه لمستعمراتها في السودان ومصر، وكان النيل لا يهم إلا دولًا بعينها، دون الأخرى، واتفاقية 1959 كانت قد وضعت لفترة 30 عامًا، وهي الفترة المقرر أن تعاد أو تجدد  أو أن تصادق عقب إكمالها لـ30 عامًا، وصادف في العام 1989 ظهور ثورة الإنقاذ الوطني في السودان، وتنوسي هذا الملف، وتلك الاتفاقية مع التغيرات السياسية التي طرأت في المنطقة.

 

ظلت هذه الاتفاقات عبئًا على تلك الدول، وتكبل طموح أغلب هذه الدول من المساس بمياه النيل في ظل وجود حكومات كانت تنهال عليها بالوعيد والتهديد، فانتهت عهود، وتوالت الحكومات، وجاءت فترة الصحوة عقب اتفاقية (عنتبي) التي أدت لظهور عهد جديد من المطالب، عدة دول نهضت من ثباتها العميق؛ لتطالب بالحق المهضوم من دول تعتقد أن لها حقًا تاريخيًا في المياه لا يجب المساس به أبدًا.

 

ومع هذه النهضة، ظهرت بعض التحركات التي بدأت بمفهوم الصراع على المياه في ظل زيادة الطلب على الماء في المنطقة، فصارت الحياة تواجه المصاعب والتحديات، نسبة لمطالب بعض الشعوب التي تنادي بأخذ حقها من مياه النيل، حقها الذي تناسته بعض الدول التي كانت لها قوى وحراك سياسي قوي في المنطقة.

 

ما بين اليوم والأمس تغيرت خارطة المنطقة التنموية، فصارت الحقوق متساوية، فالكل يحاول الإسراع بعجلة التنمية من أجل خدمة شعوبه، أهمية المياه تكمن خلال المراحل القادمة مع تزايد عدد سكان الدول.

 

المفاوضات التي كان يجب أن تكون بمشاركة جميع دول المنبع في التقسيم العادل لمياه النيل تناساها الجميع، وصارت الآن القضية هي فقط إنشاء سد النهضة الإثيوبي الكبير، وصارت مفاضات ثلاثية بين دول ثلاث من دول النيل، وحول مشروع واحد. التخوفات من أنه قد يصيب دولة واحدة بأضرار، ويقف ضد مصالحها المائية، ولكن الجميع تناسى أن هنالك مشروعات قادمة في فروع وروافد أخرى من نهر النيل عقب مشروع سد النهضة الإثيوبية الكبير الذي أصبح مسار جدل بين دول دون الأخرى.

 

فبدلًا عن أن تتحد تلك الدول من أجل الاستفادة بصورة عادلة، وتخلق كيانات تساعدها على تطوير شعوبها، وتعمل على الحفاظ على الشريان العظيم، لجأت إلى تحالفات من أجل محاربة بعضها البعض، وصار النيل فراقًا، وليس تحالفًا.

 المفاوضات التي مضت، وحتى الآن، لم نجد واحدة منها تم ذكرها بأنها ناجحة، بل كانت في مجملها عبارة عن شد وجذب حول المطالب والحقوق، لم تتحدث أية وسيلة عما حققه أي منها، سوى اتفاقية المبادئ التي تفاءل بها الجميع في بادئ الأمر، وأصبحت الآن غير مجدية حسب البعض.

 

ما بين هذا وذاك تظل المياه ملكًا للجميع، ويمكن الاستفادة منها بصورة عادلة، بدون ترهيب أو تخويف أو المناداة بأحقية أحد دون الآخر، ويطرح الآن العديد من التساؤلات حول ما هو الحل؟ وكيف يمكن أن تكون مياه النيل حلقة وصل، وليس نقطة خلاف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد