إن العالم اليوم يعيش حلقة جديدة من حلقات مسلسل الصراع الرأسمالي، ما بين بترول ونفط وموارد وأطماع للهيمنة الأمريكية والغربية بتواجد ونفوذ عسكري واقتصادي، خاصةً بالشرق الأوسط، وما بين صراع للقوتين العالميتين الأكبر منذ أمد بعيد، وهما: بالطبع روسيا الاتحادية، والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الاختلاف اليوم بأسلوب وشكل الصراع، فقد تغير عن سابقه من صراعات كثيرًا، ويظهر هذا في عدة محاور: أولها أن كل تلك الأطراف والقوى المتصارعة استفادت من التاريخ ومن تجاربها السابقة، فروسيا استفادت من تجربة الاتحاد السوفيتي سابقًا، وأثر ذلك في أسلوبها السياسي وتعاملاتها مع القوى الموازية ومع المصالح والتوازنات المتباينة.

كذلك استفادت الولايات المتحدة من احتلالها لدول كثيرة في عهد جورج بوش، كأفغانستان والعراق، ومن فترات مشابهة سابقة، والجدير بالذكر أن معظم تجارب الولايات المتحدة الفاشلة لتحقيق مصالحها أتت من رؤساء وحكومات تابعة للتيار الجمهوري اليميني، واليميني المتطرف، والذي أغلبه هم من اللوبي الصهيوني الأمريكي الذي يستغل جنسيات اليهود الأمريكان، ودستور وقوانين وفدرالية الدولة، لتسخير أمريكا وضمان لدعم المستمر لإسرائيل، وضمان أمنها وبقائها وتفوقها النوعي العسكري، فيسيطر على القرار الأمريكي برجال أعماله وتحكمه ببنوك وشركات، وغير ذلك مما يمثل أساس الاقتصاد الأمريكي إلى جانب استغلال اللوبي الثيوقراطي المسيحي واليهودي في ولايات الوسط والجنوب، الذي يعمل على تكوين تكتلات ثيوقراطية جمهورية الرأي والفكر سياسيًّا، وصهيونية العقيدة، رغم اختلاف الدين إلا أن الثيوقراطية هي العقيدة الجوهرية لهم، ويوحد تلك التكتلات أنها كتلة تصويتية للجمهوريين، وهم من يدعم ترامب مرشح الجمهوريين اليوم، إلا أن الديمقراطيين وتجربتهم الإيجابية لأمريكا ولمنطقة الشرق الأوسط نوعًا ما، ما بين تفضيل للسياسة على الحرب لتحقيق الأهداف، وما بين الجوهرية للنظرة.

بالأثر السلبي الناتج من دعم إسرائيل المستمر، وكيف أثر ذلك في نظرة القرار الأمريكي ومصالحه، وأثر الدعم المستمر لإسرائيل في مصالح الدولة والشعب الأمريكي؛ مما عمل ويعمل على تغيير السياسات والأساليب الأمريكية، وسيظهر ذلك بالفترة القادمة.

*الآن كما ذكرت سابقًا اختلفت صورة الصراع والأطراف المتصارعة، فاليوم دخلت أطراف جديدة ضمن معادلة صراع الهيمنة الرأسمالي، كإيران والصين وكوريا وتركيا نوعًا ما، فتلك القوى ما بين عسكرية واقتصادية، أصبح لها نفوذ سياسي ومصالح اقتصادية، وسمة الصراع الدائر هي الحرب العصرية، والتي تتلخص بأن تحقق انتصارك على عدوك دون أن تتكبد عناء مواجهته، بل تجعله هو يدمر نفسه بنفسه، وتعتمد كافة الأطراف المتصارعة اليوم على حسابات دقيقة لتحقيق مصالحها وأهدافها من جهة، ومن جهة أخرى استغلال التقدم العلمي والتكنولوجي، وتطور العلوم العسكرية، فالسلاح الأبرز اليوم هو الاستخبارات، وهي ما يدير الصراع بشكل شبه أساسي، ولذلك فحرب المعلومات أصبحت لب أو عصب الصراع، فقد تساوي معلومة تكلفة تسليح جيش كامل، وكمثال الفيروس الإسرائيلي فليم (الشعلة) ودوكو، وهي فيروسات معلوماتية تجسسية، أي أسلحة إلكترونية معلوماتية، والذي أرسله جيش الدفاع الإسرائيلي.

لأنظمة الاتصالات والتحكم العسكرية النووية الخاصة بالجيش الإيراني؛ مما اضطرهم لإعادة هيكلة تلك الأنظمة، بعد أن كشفه العملاق كاسبرسكاي الروسي، فكيف استطاع برنامج متناهي الصغر بحجمه ولكنه عبقري التصميم البرمجي بوظائفه من تصوير وإرسال وتدمير وخيالي بتكلفته المادية، فتلك هي الصورة الحية لحقيقة الصراع اليوم، والحروب فلم تعد قوة وعدد الجيوش هي الفيصل؛ مما جعل الصراع الأصعب والأسرع مع التطور العلمي والتكنولوجي المتزايد، الفترة القادمة، أو بالأحرى الأشهر القادمة ستشهد صراعات حاسمة موقعها هو عالمنا العربي، وأطرافها هي نفس الأطراف حتى وإن لم تبرز قوتها وتصارع بشكل مباشر وواضح.

*ولكن للأسف ولغرابة القدر نجده دائمًا يوجه تلك القوى بصراعاتها وأطماعها للشرق الأوسط والمنطقة العربية، خاصةً نجد لنا دائمًا نصيبًا من الحروب والدمار والخراب والدماء والألم، ولا نجد لنا أملًا في تقدم وتنمية ورخاء واستقرار أوطان، وسلام تدعمه القوة، أملًا في تكتلات عربية شرق أوسطية اقتصادية وعسكرية.

*إن المحاولة الوحيدة للوقوف ضد تلك القوى الانتهازية كانت بفترة الخمسينات، فزعماء وأبطال مثل فيديل كاسترو وجيفارا وتيتو وجمال عبد الناصر وغيرهم، حاولوا بناء قوى تكتلية قومية متباينة الهوية، ما بين شيوعية وقومية وحيادية إيجابية، ولكنها توحدت على النهوض، ومقاومة أطماع تلك القوى الانتهازية، والدفاع عن مواردها؛ مما كان يوحد تلك القوى والدول القليلة بصف أي دول تدافع عن مواردها وحقوقها إبان الهيمنة البريطانية قديمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد