مقدّمة في العماء والبلاء واختلاط الأسماء

قال ابن حزم الأندلسي: “الأصل في كل بلاءٍ، وعماء وتخليط وفساد؛ اختلاط الأسماء، ووقوع اسم واحد على معان كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم وهو يريد أحد المعاني التي تحته فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر فيقع البلاء والإشكال”.

في اعتقادي أنّ واحدة من مؤسسات الأزمة في مختلف المجالات هي الخلط المفاهيمي وعمومية إطلاق المعنى، وذلك على حدّ سواء في الحياة العامة أو حتى في مجالات البحث العلمي، فمثلاً نجد الخلط الضمني في المعنى بين مفهوم الصفقة والخيانة، أو بين التجريم والتحريم، أو بين مفهومَي الفتوى والحكم، وغيرهم من الأمثلة، وفي اعتقادي أن تلك الأزمة هي نتاجٌ عن حالة السيولة في المعنى، وعدم تجريد ضبط الدال والمدلول في اللغة، والمنبني أساساً على عدم القدرة على إدراك أصل تكوّن المعاني الدالة، فالمفاهيم كما يخبرنا فوكو (1) لها عمقها الأركيولوجي، ولذا فمن الأهمية بمكان إدراك أن الكلمة الدالة في العموم تتخذ معناها وفقاً للظرف المقولة فيه، وتتطور بتطوره التاريخي، وللبعد الجغرافي أيضاً دوره، فعلى سبيل المثال كلمة “شاطر” أصبحت في العامية المصرية كلمة دالة على معنى الذكاء، أو الفطنة والنباهة، أو المهارة، ولكن في المقابل نجد أنّ الأصل في معنى الكلمة مختلف، إذ أنّ العرب كانوا يستخدمون لفظة الشاطر للإشارة إلى من “أعيا أهله خبثاً” (2) أو كما وردت في معجم لسان العرب لابن منظور: “قول النّاس فلانٌ شاطر، معناه أنّه أخذ في نحوٍ غير الاستواء، ولذلك قيل له شاطر لأنّه تباعد عن الاستواء”، وفي مقابل المقابل نجد أنّها وردت في مجمل مصطلحات الصوفية على أنّ معناها يشير إلى “السّابق إلى الله”.. فالشاهد أنّ الارتحال الزمكاني للكلمة يؤدي لتطور دلالتها.. ولا تؤخذ الأمور على عواهنها.

الهيمنة على المفهوم.. صراع السيطرة والتكريس

بالنظر إلى العلاقة الجدلية بين الحراك السياسي والحراك المجتمعي، نستطيع فهم أدوات السيطرة من قبل السلطة على المجال العام (3) واحدة من تلك الأدوات التكريس لمفاهيم مؤسسة لخطاب تهيمن السلطة على مفاصله، وتعمل على تقديمة للأفراد باعتباره الأوحد الأمثل، حتى يبتلعه الأفراد ويصبح فاعلاً بما يؤسس لتضخم المجال السياسي على حساب غيره من المجالات. وهنا يبرز دور المثقف التقليدي (بمفهوم جرامشي) (4) حيث يمثل المثقف التقليدي احتكار السلطة للمعرفة. إنّه القادر على صك المصطلحات غير ذات المعنى الواضح والمحدد، شديدة العمومية والإطلاق، والتي تحتمل العديد من التأويلات والتفسيرات تجتمع جميعها في يد الأقوى من حيث احتكاره لآلة العنف المشرعنة.

المثقف الرسمي أو التقليدي –بتعبير جرامشي- يلعب دور المحلل في العلاقة بين السلطة وبين المواطن المسلوبة منه حقوقه السياسية، عبر استراتيجية هيمنة ذكرناها سابقاً (5 ) ؛ تتلخص في هيمنة السلطة على المجال السياسي ثم خلق حالة من التكلس فيه عبر إضعاف القوة الأصيلة للمجتمع المدني، بإنتاج حالة من عدم استقرار الحقوق الاجتماعية للأفراد في المجتمع، والتطاول على الحقوق الإنسانية الأولية على رأسها حرمة الجسد.

الشاهد أنّ حالة القمع التي تفرضها السلطة تحتاج لمجموعة من المفاهيم التي يجب تكريسها في المجتمع كمبررات، تلك المفاهيم في حقيقتها خاوية، يصدق فيها قول الشاعر:

“كلامك يا هذا كفارغ بندقٍ ..  خليّ من المعنى ولكن يقرقع”

ويعتمد المثقف الرسمي في إنتاج هذه المصطلحات والمفاهيم على حالة الارتباك المتوفرة لدى جمهور الخطاب الجاهز للمسكنات دون تمحيص، ناهيك عن سلطة المعرفة التي يقدّم نفسه –بمساعدة الظروف- باعتباره المحتكر الأوحد لها (6).

هيبة الدولة و الأمن القومي .. كثيرٌ من الهراء، كثيرٌ من القمع

تطل علينا بين الحين والآخر موجة من الاستخدام المفرط لمفاهيم على شاكلة “هيبة الدولة” أو “الأمن القومي” تشترك جميعها في أنها تشير إلى أمور غير محددة على الإطلاق، ولكنّها في نفس الوقت تُقدّم على أنّها مفاهيم عميقة وتشير إلى أمور أخرى عميقة تنبع من عقل عميق ومفكّر، مطلع على خبايا الأمور. ومثل هذه المفاهيم يُعتمد في ترسيخها على عدة وسائل من ضمنها صوت المثقف/سلطة المعرفة، وأيضاً وبشكل أساسي آلية “أنا ومن بعدي الطوفان”؛ حيث تقدّم السلطة نفسها باعتبارها الصمام الأوحد للأمن والأمان، وحالة الاستقرار المتوهّمة، وهنا تعمد السلطة لتوكيل تلك المهمة لذراعها الأمني المتمثل بشكل أساسي في المؤسسة الشرطية، لتصبح بذلك المسؤولة عن الحفاظ على هيبة مؤسسات الدولة بحفاظها على الأمن القومي.

يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة برينستون الأمريكية “ديفيد بالدوين” أنّ مفهوم الأمن مفهوم مراوغ تدخل فيه اعتبارات عديدة، وبصرف النّظر عن مدى مشروعية تلك الاعتبارات، أو كما يقول الدكتور أسامة القفاش –الأستاذ الجامعي وعضو الهيئة الاستشارية لمركز دراسات الخطاب- : “إشكالية تعريف الأمن تعريفاً فلسفياً تكمن في أنّ المفهوم يخضع أساساً لوظيفة الأمن في ذهنية المنتج للتعريف” (7).
بناءً عليه نصل إلى أنّ مفهوم الأمن في حد ذاته مفهوم غير محدد، ويحتمل أكثر من معنى، فيمكن القول أنّه مفهوم نسبي لحدّ بعيد، ذاتيّ بشكلٍ كبير، يعتمد أساساً على ما يتوقعه منتجه من أن يحققه المنوط بوظيفة تحقيق الأمن.

إشكالية تحقيق المصلحة الذاتية مرتبطة إذاَ بمفهوم الأمن، لذلك في اعتقادي أنّه لا مجال للوصول لتعريف موضوعي  للأمن، وفي إطلاق الأمر –بهذا الشكل- على عانه بالنسبة لما يمثل الذراع المسلح للدولة -أي المؤسسة الشرطية- ما يؤدي لفتح الباب على مصراعيه –أولاً- لإعطاء الصلاحية المطلقة للمؤسسة الشرطية بالتضخم والبطش، والممارسة القمعية، و –ثانياً- تبرير تلك الممارسات، مع عدم وضع حدّ رقابي لها على أي مستوى.

بهذا الشّكل تكرّس السلطة للخطاب الأمني القمعي، وتعتمد على نظرية سلطة المعرفة في محاولات لحظية لاحتواء أي شكل من أشكال التنفيس عن الكبت بشكل غاضب، وهو ما ينتج محاولات خلق مجالات موازية تشكل مساحات بديلة للتنفيس، تتشكل فيها مجموعات تتسم بحنقها على المجتمع والخطابات التي يتبنّاها والتي تعزز من سيطرة خطاب السلطة الشمولي. وقد يحدث أن تتقاطع في شكل صدامي تلك المجالات الموازية بالخطابات غير المتبلورة التي تتبناها مجموعاتها مع المجال العام المسيطر عليه بشكل أحادي من قبل السلطة، خصوصاً في حال الانتقال الظرفي التاريخي من خطاب لخطاب آخر، وذلك حتى يتبلور الوعي في أجلى صوره متمثلاً في ما يعرف بلحظة التنوير (8)، وهي لحظة التحرر من براثن الخطاب السائد الذي تعمد السلطة للسيطرة عليه وتطعيمه بمجموعة من المفاهيم التي تكرس له.

ردّ الأمور لنصابها.. الوعي بتحديد المفهوم

في اعتقادي أنّ واحدة من نتائج سقوط الخطاب الأمني هو إعادة توزيع مراكز القوى وخريطة الهيمنة، إذ يعود للمجتمع المدني دوره الأصيل في تحديد شكل المجال السياسي، بل المعرفيّ أيضاً؛ فاحتكار الدولة الأمنية لسلطة المعرفة سينتهي لتتوزع في مجال مفتوح وتشاركي، وذلك بعد حالة صراع ما بعد سقوط الخطاب، أو حالة إرهاصات الخطاب الجديد.

وأعتقد أن إدراك هذا النموذج لهذه الحالة سيؤدي بالتحركات الجذرية -المنطلقة من لحظة الوعي/التنوير- في صراعها لبناء خطاب جديد بنّاء إلى إعاد الاعتبار لأهمية ضبط دور المعرفة بضبط المفاهيم المؤسسة للخطاب الجديد، وقبلها الوعي بإشكاليات المفاهيم التي انبنى عليها الخطاب الزائل، ومؤسساته، وعلى رأسها الجهاز الأمني.

نموذج للنص الكاشف

وهذه محاولة لرصد وتحليل ما نعتقد أنّه نموذج للنص الكاشف، الناقد لأبرز وأهم إشكاليات واحدة من الأجهزة الرئيسية المؤسسة والحامية للخطاب الأمني الذي ساد في مصر على مدار عقود وهو الجهاز الأمني، وأرى أنّ من الأنسب تصنيفه باعتباره نصّ شعبوي، وهو أغنية ألتراس أهلاوي “يا غراب ومعشش”

في السادس من سبتمبر 2011 وحين كان النادي الأهلي يخوض مباراته مع نادي كيما أسوان في استاد القاهرة ضمن مباريات كأس مصر، قام مشجعو النادي الأهلي بترديد هذه الكلمات :

“كان دايماً فاشل في الثانوية .. يادوب جاب 50%
بالرشوة خلاص الباشا اتعلم .. وخد شهاده بـ100 كلية
يا غراب ومعشش جوا بيتنا .. بتدمر ليه متعة حياتنا
مش هنمشي على مزاجك.. ارحمنا من طلة جنابك
لفق لفق في القضية .. هي دي عادة الداخلية
ممسوك مكتوبلي إرهابي دولي .. ماسك شمروخ وبغني أهلي”

ردد مشجعو النادي الأهلي الأغنية في اسبهلال واضحٍ من أفراد الشرطة، تحوّل لغضب، وعنفٍ شديد موجّه من أفراد الشرطة نحو المشجعين، أدى إلى وفاة أحد المشجعين وإصابة أكثر من 130 آخر، ثمّ انتقلت المعركة بين المشجعين وقوات الأمن، إلى خارج الإستاد، واستمرت المواجهات لصباح اليوم التالي!

أكاد أجزم أن ما بين أيدينا هو نصٌّ من أكثر النصوص الشعبوية وضوحاً وتحديداً ودقّة وإفادة، إذ أنّ كلمات هذه الأغنية تلقي الضوء -مع سلاستها- على مكونّات جهاز الشرطة في مصر، من أوّل خطوة، إلى آخر نتيجة، بدايةً من فشل الجهاز من أوّل خطوة حيث الشخصية محدودة القدرات التي تنتسب (بمجموع يدل على مدى محدودية القدرات العقلية) إلى أكاديميّة الشرطة بالرّشوة، وهي النقطة التي تؤكد على عدم أهميّة أية اختبارات تفرضها الأكاديمية للقبول بها سواء بدنية أو معرفية …إلخ، والتي تشير أيضاً على بداية مشوار الفساد حيث رهن القبول هو الرشوة، ومن ثمّ في “خلاص الباشا اتعلّم” التحوّل من كونه مجرّد “فاشل في الثانوية .. يادوب جاب مجموع50%” إلى “باشا” والعلاقة غير المنطقية بين شخصيتين متضادتين في العقلية الجمعية؛ شخصية الفاشل، وشخصية “الباشا” مما يعبّر عن أساس مغلوط وغير صحيح في تكوين جهاز الشرطة كاملاً، بالإضافة إلى أنّ “بالرشوة خلاص الباشا اتعلم” تعبّر عن رؤية واعية وناضجة عند منتج هذا الخطاب حين يربط بين السّمو والارتقاء الاجتماعي في وقتنا الراهن وبين الفساد الممثل في “الرشوة”، بالإضافة إلى السخرية في هذا التعبير، حيث تكتمل الكلمات بـ “وخد شهادة بـ100 كليّة” ومع الربط بينها وبين “فاشل في الثانوية” و “يادوب جاب 50%” فكأنّما هذه الباشوية أو هذه المكانة الاجتماعية، مزيّفة، لا أساس لها سوى الفساد/الرشوة، إلى جانب السخرية أساساً من أنّه يلقب بـ “الباشا”.

نتيجة الجهاز الفاشل بفشل أفراده المكونين له، ثم فساده بفسادهم، ثم سطوته بسطوتهم بناء على تعبير “باشا” يتحول الجهاز إلى “غراب ومعشش جوا بيتنا”، في إشارة إلى تضخّمه المفرط، فتدخّله في كافة مناحي حياة المواطن المصري.
تضخّمه وفساده، وفشله بالضرورة جعل تدخله “جوا بيتنا” مدمراً، لكنّ عهد السكوت قد ولّا، إذاً فــ “مش هنمشي على مزاجك”، وهي إشارة إلى تهاوي الخطاب الأمني، وسيطرته وسطوته على العقل الجمعي، الذي لفظه، ولم يعد يقبله، كما لن يقبل إعادة إنتاجه بأي صورةٍ كانت، إذاً فــ “ارحمنا من طلة جنابك”، وعودة إلى السخرية في “جنابك”.

استكمالاً لتوصيف الفساد، والفشل، تنتقل الكلمات إلى “لفق لفق في القضية”، حيث أنّ التلفيق ليس مجرد فساد مهني، إنّه أيضاً فشل في أداء المهمة بالطريقة الصحيحة، لذلك فالتلفيق أسهل.
“هي دي عادة الداخلية” استكمالاً للتأكيد على ما استخدمته الكلمات السابقة من توصيف، بالإضافة إلى أنّها إشارة إلى أنّه لا مجال لأي محاولة تعامل إصلاحي مع هذا الجهاز حيث إنّها “عادة”، أي الفشل، والفساد… إلخ.

في العبارات الأخيرة: “ممسوك مكتوبلي إرهابي دولي .. ماسك شمروخ وبغني أهلي”، انتقال من توصيف للشرطة كأفراد وكيان (توصيفاً يبدو موضوعياً إلى حدٍّ كبير، بالإضافة إلى كونه عمومي أيضاً إلى حد كبير) إلى شرحٍ وإيضاحٍ لمشكلة ذاتية، وخاصة، وهي شكل العلاقة بين الألتراس، والشرطة، حيث الصراع الذي يبدو لا نهاية له، وهو أيضاً قديم، حيث الأفعال “ممسوك”، “مكتوبلي”، اسما مفعول مستخدمان في اللهجة المحكية، يشيران إلى الماضي مع الاستمرارية. “ماسك”، “بغني” فعلان في المضارع يعبّران عن تجدد واستمرارية الفعل المقاوم من قبل الألتراس، فعلى الرغم من أنّ التهمة “إرهابي دولي” فسيستمر الشّغف وممارسته في: “ماسك شمروخ وبغني أهلي”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) كتاب أركيولوجية المعرفة، ميشيل فوكو
(2) القاموس المحيط، الفيروز آبادي
(3) المجتمع المدني ومعارك الهيمنة.. انطلاقاً من المعرفة باعتبارها قوة،ورقة بحثية، محمد العتر
(4) كتاب كراسات السجن، أنطونيو جرامشي
(5) المصدر الثالث
(6) كتاب الخطاب الانتحاري، أسامة القفاش
(7) كتاب الداخلية ومحاولة إحياء الموتى، مجموعة مؤلفين: أسامة القفاش، محمد العتر، محمد بلال، عبد الله كمال السعيد
(8) المصدر السادس
عرض التعليقات