تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لمبادئ التعاون الثقافي الدولي المعتمدة من قبل منظمة اليونسكو على أن “الثقافة تتخذ أشكالاً متنوعة عبر المكان والزمان، ويتجلى هذا التنوع في أصالة وتعدد الهويات المميزة للمجموعات والمجتمعات التي تتألف منها الإنسانية، والتنوع الثقافي – بوصفه مصدرًا للتبادل والتجديد والإبداع – هو ضروري للجنس البشري ضرورة التنوع البيولوجي للكائنات الحية”، كما حددت المادة الثانية من الإعلان الهدف من تعزيز التعددية الثقافية بقولها “ضمان التفاعل المنسجم والرغبة في العيش معا كأفراد ومجموعات ذوي هويات ثقافية متعددة ومتنوعة ودينامية، فالسياسات التي تشجع على دمج ومشاركة كل المواطنين تضمن التلاحم الاجتماعي وحيوية المجتمع المدني والسلام “.

جدير بالذكر تأكيد عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس (1908 – 2009) على أن التنوع الثقافي والتنوع البيولوجي ظاهرتان مترابطتان عضويًا، لأن مشكلة التنوع الثقافي على الصعيد الإنساني إنما تعبر عن مشكلة العلاقات بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى، ولا فائدة من ادعاء حل هذه المشكلة على الصعيد الأول بدون أن يجري العمل على حلها على الصعيد الآخر، ويصدق ذلك أيضًا على واقع أن الاحترام الذي نسعى إلى حث كل إنسان على التحلي به إزاء الثقافات المختلفة عن ثقافته، ليس سوى شكل خاص للاحترام الذي ينبغي أن يُكنه لجميع أشكال الحياة الأخرى.

وتعتبر التعددية الثقافية مصدرًا مهمًا للإبداع حيث تنص المادة السابعة من الإعلان على “أن كل إبداع ينهل من منابع التقاليد الثقافية ولكنه يزدهر بالاتصال مع الثقافات الأخرى”، وفي هذا الصدد يقول المفكر الإيراني داريوش شايغان: “علينا أن نعترف بأن قبول التنوع الثقافي لا يعني أننا نتعامل مع ثقافات }مستقلة{ لا تندرج في واقع الترابط الذي يجمعنا في صلات تشكل قوام حضارة تسودها العولمة، مشكلة التنوع الثقافي تتمثل في التمكن من التحليق عبر هذه الصدوع وإيجاد ارتباطات جديدة بين المكونات، بحيث لا يعود معها تقاطع الظلال في المرايا المتقابلة مصدرًا للشلل، وإنما مصدرٌ للخلق والإبداع”.

يؤكد الدكتور جورج قرم في كتابه (المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين) أن الاحتكاك بواقع الحضارة الأوروبية المعاصرة أثار أزمات كبرى في مفهوم الهوية لدى المجتمعات غير الأوروبية، فعلى سبيل المثال أصبح لكلمة “تغربن” أو “التغريب” في الأدب الروسي دلالة شبه ميتافيزيقية خصوصًا في روايات الكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881) التي كان يصور فيها الإنسان الروسي المتعلق بالقيم التراثية والتقاليد الاجتماعية وكأنه أصبح إنسانًا باليًا بالمقارنة مع تطور الجار الأوروبي في ذلك الوقت!

ولقد انقسمت الإنتلجنسيا الروسية (طبقة المثقفين) على امتداد القرن التاسع عشر إلى “أنصار السلافية” المحافظين على الهوية التاريخية للمجتمع الروسي وخصوصيته الحضارية، وبين “التغريبيين” المناصرين للثقافة الغربية ولتحديث المؤسسات الروسية على النمط الأوروبي في ظل حكم القياصرة، التوتر الثقافي الروسي أنتج نموذجًا لـ”قلق الهوية” تكرر في أجزاء أخرى من العالم كالهند واليابان والصين والعالم العربي، وتحول ذلك التوتر إلى اضطرابات سياسية تطورت بشكل مؤسف إلى تمزيق نسيج المجتمع الواحد.

فالإرهاب ضرب روسيا طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم تنل الهند استقلالها سنة 1947 إلا بعد انفصال الباكستان وبنغلاديش بمسوغات الهوية الدينية، وانخرطت دول البلقان في حرب إثنية دموية بعد انهيار يوغسلافيا، واستجابت اليابان لأهوائها القومية فدخلت في صراع مع أضعف جيرانها، وتخلصت الصين الشيوعية من معاهداتها مع الغرب ودخلت في صراع مع أمريكا، الأمر الذي أدى إلى نشوب الحرب الأهلية الكورية التي انتهت بتقسيمها إلى دولتين، فضلاً عن حروب الإبادة العرقية في كمبوديا وغيرها من الأوطان التي أصيبت بقلق الهوية.

وفي العالم العربي؛ أدى تجاهل أصحاب الأيديولوجيات القومية للواقع التعددي في المجتمعات العربية إلى انفجار مشكلة الأقليات العرقية، وتسبب الإيغال في تقوية الشعور بالانتماء القومي إلى نشوء كراهية “عنصرية” تجاه تلك الأقليات، وتحولت مكاسب الحداثة العربية على صعيد التسامح الديني إلى خسائر نتيجة تصاعد التعصب القومي، يقول الدكتور جورج طرابيشي: “ثمة منظرون قوميون ذهبوا إلى إنكار واقعة الأقليات إلى حد اعتبارها من صنع الاستعمار، فالأقليات لا ماهية لها في ذاتها، بل هي في أحسن الأحوال مجرد رواسب تاريخية”!

وعندما يقلب الباحث بصره في إشكالية الهوية في المجتمعات العربية المعاصرة؛ لا يلبث أن يدرك أن أزمة الثقافة العربية قد انعكست بشكل حاد على الأفكار والرؤى التي تتشكل من خلالها أطروحات المنظرين لمفهوم الهوية العربية، وإجمالا يمكن ملاحظة تيارين أساسيين يشتملان على أغلب تلك الأطروحات وهما: تيار قطري ذو نزعة قومية إقليمية، وتيار أممي ذو نزعة عالمية شمولية.

يتشكل مفهوم الهوية لدى التيارات القطرية (القومية والليبرالية) مرتكزًا على معطيات مادية وواقعية يأتي على رأسها نظرية الارتباط بوطن ذي حدود جغرافية معينة، يسكنه أفرادٌ لهم تقاليد اجتماعية متوارثة وقيم ثقافية مشتركة، تقوده سلطة مركزية ذات هيكل تنظمي محدد، تدافع عن حدوده وتحمي مصالحه وتدير موارده، وتنخرط في مشاريع تنموية متاحة لجميع من يحمل البطاقة القطرية (وثيقة المواطنة) التي تمثل بذاتها الهوية الجامعة لجميع أفراد ذلك الكيان الجغرافي.

بينما يرتكز مفهوم الهوية لدى التيارات الأممية (الدينية والشيوعية) على معطيات مثالية في صورة إرث تاريخي وحضاري عريق، يحاكي تجربة الإمبراطورية الإسلامية بآخر مظاهرها التي تمثلت في السلطنة العثمانية، أو في صورة أيديولوجيا شمولية تحاكي الفلسفات الماركسية بآخر مظاهرها التي تمثلت في الاتحاد السوفيتي، فالتاريخ هو الملهم والموجه لدى الأممي الإسلامي في عملية بناء الهوية الحضارية في مقابل “المناهج الاشتراكية” التي ترشد الأممي الأيديولوجي لمواجهة الرأسمالية كمحدد للهوية الذاتية؛ وكلاهما أسير لأوهام “اليوطوبيا”، ويغض النظر عن حقائق الواقع على الأرض، ويتخذ من “حتمية الصراع” آلية لتفسير عقيدة المعارضة والهدم التي تتسم بها التيارات الأممية.

ومن أجل رؤية موضوعية لتفكيك معضلة الهوية العربية المعاصرة؛ يشدد كثير من الباحثين على أهمية الانطلاق من واقع التعددية داخل الفكر العربي لأن الهوية موضوعيًا هي “عبارة عن مركز قوة تجذب كل العوامل الثقافية باتجاه مركزيتها وتضعها في خدمتها”، وذلك عن طريق تحديد مركز الجذب الحضاري تاريخيا، وتوظيف التنوع الثقافي المخزون في ذاكرة الشعوب الناطقة باللغة العربية بأسلوب يساهم في خدمة المصالح القومية وأهدافها الاقتصادية والتنموية، وبمثل هذه الحلول تصبح التعددية عامل انسجام لا عامل تفتيت، ووسيلة مُثلى لصناعة وعي إنساني حديث في فضاء الثقافة العربية المعاصرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد