يتفق كثير من الباحثين على أن السمات المميزة لأي مجموعة يغلب عليها التعصب الفكري تتلخص في ارتكاز العقل الجمعي لتلك المجموعة (قبيلة، طائفة، أقلية، تجمعات إثنية أو أيديولوجية… إلخ) على مفاهيم انغلاقية تتعلق بالأنا والآخر، وتداول مفردات تكرس أوهامًا بالتميز والأفضلية على الآخرين. كما أن التصور الذهني للعالم ليس قائمًا على حقائق موضوعية بل على خيالات عاطفية، ولا يتم التعامل مع الأفكار بوصفها ذات جدوى وإنما بمدى قربها أو بعدها من الهوى الوجداني؛ ولذا يـُعتبر الانغلاق الفكري (التعصب) انتحارًا ثقافيًا بامتياز في عالم تتقلص حدوده بشكل ملحوظ، حتى غدا التعايش بين أصحاب الثقافات المختلفة – بل والمتضادة – أمرًا لا مفر منه.

لا تبدو عبارة “التسامح الديني” غريبة على التراث الإنساني للشعوب المسلمة. فمنذ العهد الأموي والمسيحيون يحتفلون بأعيادهم في المدن العربية وهم يرفعون الصُلبان ويلبسون أزياءهم الكهنوتية. ولم يقتصر العباسيون على مجرد الاحترام في معاملة أهل الكتاب بل فوضوا إليهم بعض المسؤوليات وقلدوهم أرفع المناصب، فالخلفاء لم يتوقفوا كثيرًا عند الخلفيات الإثنية والدينية فيمن يولونهم شؤون الدولة بل كانوا يثقون فيمن تتوافر لديهم الجدارة والأهلية.

يُحكى أن هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة اليهودي حنا بن ماسويه، وكان سلمويه بن بنان (نصراني) طبيب المعتصم ولما مات جزع عليه المعتصم وأمر بأن يدفن بالبخور والشموع على طريقة ديانته، وكان بختيشوع بن جبرائيل طبيب المتوكل وصاحب الحظوة لديه. وكانت الحلقات العلمية تجمع أطياف العلماء من مختلف المذاهب والملل، وكانت للخليفة المأمون حلقة علمية يجتمع فيها علماء الديانات وكان يقول لهم: ابحثوا ما شئتم من العلم من غير أن يستدل كل واحد منكم بكتابه الديني، كيلا تثور المشاكل الطائفية.

تعتبر فلسفة التسامح من المفاهيم الأساسية في الفكر السياسي المعاصر، وتتحدد بذرتها الأولى في الجهود الفكرية التي بذلها اثنان من كبار مفكري عصر النهضة. أحدهما هو المفكر التجريبي الإنجليزي جون لوك (1632 – 1704)، والآخر هو المفكر الفرنسي فرانسوا ماري الشهير بفولتير (1694 – 1778). حيث كتب الاثنان كتابين يحملان نفس العنوان تقريبًا (رسالة في التسامح)، وقبل صدور هذين الكتابين لم تظهر أية محاولة جادة لوضع نظرية متكاملة حول التسامح الديني في أوروبا، وكانت بولندا هي الاستثناء الوحيد عندما أصدرت قانونًا للتسامح الديني عام 1573، قدمت من خلاله نموذجًا فريدًا للتسامح المذهبي وتعدد الأديان وعدم التمييز العرقي، ولذا كانت بولندا الملاذ الآمن بالنسبة للهراطقة – وهم المنشقون عن عقيدة ما – وما يقرب من 80% من يهود أوروبا ممَّنْ لجؤوا إليها هربًا من الاضطهاد الديني في بلدانهم.
نشر جون لوك رسالته في التسامح في مارس عام 1689، حيث أشاد بحرية الضمير كحق أساسي لكل إنسان، ودعا إلى فهم الدين اعتمادًا على العقل بما يسمح بتأسيس مفهوم للتسامح الديني يستلزم ألا تدين الدولة بدين معين، واقترح في كتابه الآخر (رسالتين في الحكم) مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة الذي شكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية، وقد أثمرت الجهود الفكرية لمنظري فلسفة التسامح في القرن السابع عشر عن اعتماد قانون التسامح البريطاني عام 1689، الذي ساهم في تحقيق الاستقرار السياسي في الجزر البريطانية، كما نجحت محاولات الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون لإدراج نظريات جون لوك الخاصة بالتسامح في دستور الولايات المتحدة الأمريكية.

وكتب فولتير رسالته في التسامح عام 1763 دفاعًا عن قضية جان كالاس (تاجر ينتمي إلى الأقلية البروتستانتية في فرنسا في ذلك الوقت)، والذي تم إعدامه من أجل قضية مفبركة اتُهم فيها زورًا بأنه المسؤول عن مقتل ابنه؛ لأنه أراد أن يتحول إلى مذهب الأغلبية الكاثوليكية، وتبين بعد ذلك أن الرجل قُـتل مظلومًا بفعل التجييش الطائفي المتعاظم في المجتمع الفرنسي. استغل فولتير الحادثة في إبراز مساوئ الطائفية التي مزقت أوصال المجتمع، تلك الطائفية التي تسببت بحدوث مذابح عظيمة في فرنسا، أشهرها في كتب التاريخ مجزرة وقعت في أغسطس عام 1572 وسميت “سان بارتيليمي” راح ضحيتها – خلال ثلاثة أيام فقط – أكثر من خمسة آلاف شخص!

تشكل العلاقة بين الدين والدولة نقطة خلاف رئيسية على النطاق العالمي في مجال تعزيز التعددية الثقافية، والمعايير الدولية لا تستلزم فصل الدين عن الدولة، ولا تشترط التقيد بنموذج محدد للمجتمع يقضي بإبعاد الدين عن شؤون الحياة العامة، ولكنها تشدد على عدم ممارسة الدولة أي نوع من التمييز تجاه غير المنتمين إلى دين الدولة الرسمي. وبالرغم من ذلك فإن “العلاقة الحيادية بين الدين والدولة أوفر حظًا من غيرها في تأمين حماية تامة لحريات الفرد الدينية”، لأنه من المشكوك به أن تضمن الدولة معاملة الأديان الأخرى أو أديان الأقليات على حد سواء مع الدين الرسمي للدولة، حينما يتم تكريس دين واحد فقط كعنصر مكون للهوية الوطنية.

غالبًا ما يعتبر رفض مجتمع ما لمبدأ حرية الاعتقاد والضمير دلالة لافتة على غياب مفهوم التسامح والتعددية من الأفق الثقافي لذلك المجتمع، وغالبًا ما ينظر أفراده بريبة إلى القيم التي تنتمي إلى منظومة ثقافية تختلف عن ثقافته السائدة. ولهذا السبب تنتشر الممارسات القمعية على الصعيد الرسمي في صورة حظر تداول الكتب والمجلات المخالفة ورفض التعددية السياسية والزج بالمثقفين في السجون، وتظهر مجموعات داخل المجتمع تسعى إلى فرض أفكارها بالقوة عن طريق الإرهاب الفكري والجسدي، حيث تكون المحصلة النهائية ازدهار السلوكيات التي تحرض على العنف، وتروج للأفكار العدائية المبنية على أساس عنصري أو طائفي بغيض.

لقد غدا التسامح الديني مطلبًا ملحًا في السنوات الأخيرة، نظرًا لانتشار النزاعات المأساوية الناتجة عن فقدان ثقافة التسامح وما يتصل بذلك من اضطهاد ديني وتعصب عرقي وكراهية فئات محددة من الناس، وفي العصر الحاضر اتخذت هذه الانتهاكات أشكالاً مختلفة في مناطق عديدة حول العالم مثل: قمع مختلف العقائد في الصين، والتطهير العرقي في البوسنة وكوسوفو، والتوتر المذهبي في أيرلندا الشمالية، والشقاق الديني في أفريقيا خصوصًا في نيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتأثير الاختلافات الثقافية في النزاع المستمر بين الهند وباكستان، فضلاً عن المذابح الطائفية في بورما والعراق وسوريا، وتزايد أعداد المتطرفين المسلمين؛ الذي تسبب في تعاظم مشاعر العداء تجاه الإسلام في أوروبا وأمريكا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد