كيف يدرك الإنسان ذاته والعالم؟ كيف يبني معرفته؟ وكيف يحافظ على وحدة الذات وبقائها في الزمن؟

شكلت هذه التساؤلات مدخلًا للفيلسوف التجريبي جون لوك (1632-1704) في كتابه “مقالة في الفهم البشري” لاعتماد مفهوم الهوية الشخصية لكل شخص عاقل وقادر على التفكير والتأمل، وذلك عن طريق المشاعر التي تتشكل لديه عن أفعاله دون حصول أي تغير في ذاته، وتصبح المسؤولية القانونية حاضرة عن طريق الوعي.

وبهذا المعنى يُـفسَر الشعور كأساس لهوية الشخص وماهيته التي لا تقبل الانفصال عن فكره، وكلما تعقَل الشخص ما يصدر عنه من أفعال، كلما كانت استجابته أكثر إيجابية لتحديات الوجود، لأنه يصبح حينها أعمق وعيًا بماهية شعوره الذي يتحكم بتشكيل ملامح هويته الشخصية.

وتجد الهوية الشخصية امتدادها الأوسع في إطار أنثروبولوجي يُسمى بـ”الهوية الثقافية”، والتي ترتكز على مجموعة من المكونات التي تحدد بمجملها انتماء الفرد وتعكس قناعاته الفكرية وتؤطر ولاءه الوطني، وغالبًا ما تبذل الدول جهودًا كبيرة في الحفاظ على الملامح العامة للهوية الوطنية، من خلال اعتماد سياسات تعليمية وأنشطة ثقافية وأنظمة اجتماعية لغرض حمايتها من التلاشي.

ولكن عصرنا الرقمي أوجد واقعًا جديدًا تنامى فيه ما يُسمى بـ”الهوية الفردية العالمية”، والذي جعل من ثقافة حياة العولمة– بأسلوبها ومظاهرها– هي الثقافة السائدة في جميع أنحاء العالم، فالهوية في الأصل ظاهرة اجتماعية تتأسس على تنمية الشعور بالاختلاف مع الهويات الأخرى، وكل نظام قيم ذي هوية محددة المعالم يشكل في نفس الوقت هيكل نظام الحكم الذي ينظم أمور المجتمع، ويحدد قواعد السلم والحرب مع الآخر المختلف.

الوعي بالذات أو سؤال الهوية لدى الغرب مر بأزمات متعددة، تمخض في النهاية عن ولادة وعي نقدي بالذات نتيجة صدمات متكررة، كان أبرزها الصدمات “الارتجاجية” الثلاثة التي تحدث عنها سيجموند فرويد (1856 – 1939): الصدمة الكوسمولوجية (علم الفضاء) مع اكتشافات كوبرنيكوس الفلكية، والصدمة البيولوجية مع أبحاث تشارلز داروين في علم الأحياء، والصدمة السيكولوجية مع تقريرات فرويد عن مركزية اللاشعور والعقل الباطن في توجيه السلوك البشري.

ومنذ ذلك الحين تعرض الوعي الغربي لصراع حاد مع ذاته – نتيجة مغامرته الأبستمولوجية التاريخية– من أجل إعادة النظر في منطلقاته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وجرت محاولات لإعادة تركيب الإنسان واستثمار طاقاته واكتشاف مواهبه الدفينة، بالتوازي مع رفض الشوفينية والمبالغة في التاريخانية وهذيان جنون العظمة! مما أثمر في نهاية المطاف عن إيجاد معايير موضوعية ذات أبعاد إنسانية غير أسطورية في تحديد معاني الهوية ووعي أكثر موضوعية بالأنا والآخر.

غالبًا ما يرتبط سؤال الهوية فلسفيًّا بإشكالية الأنا والآخر، فالهوية تحدد معالم الذات التي لا تستطيع إدراك وجودها إلا في مقابل الآخر المختلف عنها، وتميز من خلال المقارنة معه خصائصها الإيجابية والسلبية، فنحن لا ندرك ذواتنا إلا عن طريق مبدأ المغايرة والاختلاف أو ما يسمى بـ”انفتاح العقل على الوجود”، والشعور بالهوية هي إحدى أشكال الوعي بالذات الذي لا يتحقق إلا في مواجهة الآخر الذي يكشف لنا أبعاد شخصيتنا، ويجعلنا ندرك ذواتنا بشكل أعمق.

ليست الهوية ظاهرة متصلبة أو ثابتة بل تتطور استجابة للمتغيرات التي تؤثر في النظام السياسي والاقتصادي، وفي تاريخ بني إسرائيل حدث انزياح لمعنى الهوية من مفهوم القبيلة إلى مفهوم الشعب، عندما اتحدت قبائل بني إسرائيل تحت قيادة زعيم تاريخي لتستوطن الأرض الموعودة، فالشعوب تنشأ من التمدن والتحضر وتنطبع بطابع البيئة الجغرافية بقدر ما تنطبع بطابع اللغة الواحدة؛ مما يؤدي في النهاية إلى نمو الثقافة المشتركة.

وبهذا المعنى يمكن أن نقول إن الهوية نتيجة طبيعية للثقافة السائدة لمجتمع ما عبر أجيال عديدة وليس العكس، فالهوية لا تخلق الثقافة وليس لها أساس مطلق، بل تتشكل الهويات في إطار الثقافات، والثقافات – أيًّا كانت– تتسم بخصائص إنسانية تجعلها قابلة للانتقال من جيل إلى جيل وقابلة – أيضًا– للتغيير والتطوير، بل وتجاوز مرتكزاتها السابقة. وهنا ينبغي التمييز بين ثقافة المجتمع كحالة تراكمية للتجارب والخبرات المعرفية الإنسانية، وبين ثقافة المجتمع في حقبة زمنية معينة ذات خصائص محددة “فالحالة التراكمية هي نقل ثقافة مرحلة لاحقة عن ثقافة مرحلة سابقة بجدلية ترفض السلبي وتبني على الإيجابي وتضيف شيئًا جديدًا إليهما”.

الالتباس الحاصل في مفهوم الهوية العربية في عصرنا جاء نتيجة وضعية ثقافية تكونت تاريخيًّا بشكل متدرج، وبلغت أوجها في الإمبراطورية الإسلامية التي كان العرب يمثلون – كعرق – جزءًا منها، فقد كان ينضوي تحت لواء تلك الإمبراطورية أطياف متعددة من الأعراق والشعوب، تكون من تفاعلها واحتكاكها وتعايشها ثقافة مشتركة نجحت في صناعة هوية جامعة لكل تلك الأطياف.

تعالت تلك الهوية على العامل العرقي والديني والإثني حيث أسهم عامل اللغة (اللسان العربي) في انصهار تلك العوامل حتى تشكلت منها ثقافة عربية واحدة، توزعت حصص تكوينها على جميع الأعراق والإثنيات؛ مما ساعد على إيجاد هوية ثقافية غنية، تأسست على أبعاد موضوعية ومنطلقات إنسانية تحفظ لجميع تلك الأطياف خصوصيتها، وتشعرها بالإنتماء إليها لأنها ساهمت في صناعتها دون قسر إو إجبار.

ونظرية الانتماء الواحد – الشائعة بين علماء الاجتماع– والتي تفترض انتماء كل شخص إلى جماعة واحدة؛ أصبحت رافدًا رئيسيًّا لتكريس العنف “الهوياتي” لأنها تتجاهل كل الإنتماءات والولاءات والميول والاتجاهات التي تنتظم الفرد، وتقوم باختزاله في هوية حصرية واحدة. فنحن جميعًا كأفراد مرتبطون بهويات متعددة في سياقاتنا المختلفة على صعيد حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتساهم مجموعة من العوامل – مختلفة المصادر والتأثير– في تكوين بصمات الهوية التي نحملها، والإصرار على جانب واحد فقط للهوية الإنسانية يؤدي إلى احتقان، قد يتفجر في النهاية عن عنف لا حدود له.

يقول عالم الاقتصاد الهندي أمارتيا كومار سن في كتابه (الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي) ما نصه: “إن وهم هوية مفردة انعزالية أكثر إثارة للشقاق من عالم متسع من التصنيفات المتعددة والمتنوعة التي تسم العالم الذي نعيش فيه بالفعل، والضعف الذي يكمن في صورة هوية منفردة لا اختيار فيها هو الإفقار الهائل لقوة وقدرة تفكيرنا الاجتماعي والسياسي، إن وهم المصير المقدور ينتزع منا ثمنًا باهظًا”، ويقول في موضع آخر: “ليس التاريخ والنشأة هما الوسيلة الوحيدة لرؤية أنفسنا والجماعات التي ننتمي إليها”، وقديمًا حذر الشاعر الإنجليزي جون دون (1572 – 1631) من أوهام الهوية الواحدة بمقولته الشهيرة “لا يوجد إنسان يمثل جزيرة مستقلة بنفسها”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد