النزاع على الحدود بين اليمن والسعودية ربما يعد من أطول وأهم النزاعات الحدودية العربية وأكثرها حدة وتعقيدا، وهو النزاع الذي جعل الجزء الجنوبي من جزيرة العرب يعانى من الانقسام وتشغله الصراعات ليصبح نهباً ومرتعاً للتخلف والفقر والجهل والمرض.

وبغض النظر عما تعلنه السعودية من حجج ودواع لتبرير عدوانها على اليمن الذى بدأته فجر يوم الخميس 26 مارس عام 2015م  ومازال مستمراً حتى الآن، فإننا نجزم بأن ذلك العدوان المستعر بكل أنواع القتل وباستخدام أعتى أنواع الأسلحة ضد اليمن، إنما هو من تداعيات ذلك النزاع على الحدود بين البلدين، ولم تكن عاصفة الحزم هى الحرب الأولى بين السعودية واليمن، ولم يكن ذلك الاعتداء السعودي على اليمن هو الأول ، فقد شهد التاريخ بين البلدين ومنذ تأسيس تلك المملكة فصولا من الحرب، ولكن تظل عاصفة الحزم والحرب الدائرة الأن على أرض اليمن هى الأكثر ضراوة والأشد عنفاً والأكثر تدميرا لليمن، كما أنه باستقراء تداعياتها يمكن القول بأن هذه المعركة ستغير من شكل المنطقة بكاملها؛ حيث من المنتظر أن تصل تلك التداعيات إلى الداخل السعودي، وأن تخرج تلك الحرب للعلن ما كان مخفيا من صراعات داخلية وخارجية قد تطيح بالحكم السعودى وتؤدى إلى انفراط عقد تلك المملكة.

فبعد احتلال عسير ونجران وغيرها من الأراضى اليمينة وإجبار اليمن على القبول باتفاقية الطائف عام 1934م، جرت سياسة المملكة باعتبار أن تلك المناطق من إرث المؤسس الأول لدولتهم الثالثة عبد العزيز آل سعود، كما أن اليمن بثقلها الحضاري و السكانى وبثرواتها الضخمة الكامنة ومقدراتها السابغة قد احتلت المرتبة الأولى فى جهد المملكة السعودية التأمري ونشاطات مخابراتها وأجهزتها الأمنية للسيطرة على ذلك البلد والتدخل فى شئونه وإضعافه من أجل ضمان تبعيته وعدم مطالبته بأراضيه المحتلة.

عسير منذ احتلالها هى درة السعودية حيث تشكل تقريبا ثلث المملكة، وقوة الحوثيين التى تعاظمت حتى وصلت إلى صنعاء ومابعدها، أفزعت السعوديين الذين أدركوا أن الأراضى اليمينة المحتلة ستصبح قيد الطلب حال وصول هؤلاء للسلطة، فانبرت السعودية تجمع قدها وقديدها لتشن حربها على اليمن دافعها الأول الحفاظ على ما تحت أيديها من أراض اكتسبتها بقوة الأمر الواقع وبتخطيط ومساعدة الاستعمار البريطانى.

وعسير هى تلك المنطقة الجغرافية التى يحدها الحجاز شمالاً ونجد شرقاً والبحر الأحمر غرباً ويحدها من الجنوب محافظة صعدة اليمنية، وقبل نشأة الإمارة الإدريسية كانت عسير جزء من اليمن تابعة لحكام صنعاء، أقر بذلك العثمانيون حال تواجدهم الأول في اليمن عام 1539م حين انشأوا إيالة اليمن[1] وبقيت عسير يمنية بعد خروج العثمانيين سنة 1635م ، ثم دانت البلاد كلها بعد ذلك للأئمة الزيديين الذين ازدهر حكمهم فى عهد الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم الذي تولى سنة 1644م، فبلغ نفوذه لحج وعدن والبيضاء ويافع وحضرموت وتهامة وبلاد المخلاف السليمانى[2] .

وفى عام 1815م انهزم النجديون على يد الجيش المصري فى موقعة “بسل” فولوا مدبرين إلى عسير وألتجأ قائدهم طامى بن شعيب للشريف حمود حاكم عسير من قبل إمام صنعاء فقام بتسليمه إلى محمد على باشا الذى أرسله إلى أستانبول حيث أعدم هناك، وفور انتهاء العمليات الحربية فى نجد قام محمد على باشا بتوجيه قواته إلى شمال اليمن بقيادة خليل باشا بمهمة هدفها القضاء على فلول النجديين فى عسير، فاستولى على صبيا[3] وقلعتها واستسلمت له البلاد الواقعة من أبي عريش شمالاً إلى زبيد فى الجنوب. وبعد أن استقرت الأمور لخليل باشا أرسل إلى الإمام فى صنعاء بطلب إيفاد مندوبين عنه للتفاوض لتسليم عسير وكافة البلاد اليمنية تحت يده إلى الإمام، وبعد أن تسلم الإمام اليمنى ما فتحه خليل باشا من البلاد اليمنية فى عسير ومناطقها انتهت مهمته فى بلاد اليمن وعاد إلى الحجاز.

ثم قامت الحملة المصرية بإنشاء إدارة لها فى الحديدة عام 1836م فى وجود حكم الأئمة فى صنعاء وظلت عسير خاضعة للحكم اليمنى بإدارة مصرية وولاء عثمانى حتى اضطر محمد علي إلى الانسحاب من اليمن عام 1840م، فسلم مركز إدارته فى الحديدة إلى الشريف الحسين بن على بن حيدر ليتولى زمام الأمور فى تهامة وبلاد المخلاف السليمانى تابعا لحكام صنعاء وباسم الخلافة العثمانية.

وعندما عاد العثمانيون إلى اليمن مرة أخرى في العام 1849م فإنهم بدؤوا بالسيطرة على تهامة وعسير وبقية المخلاف السليمانى حتى استطاعوا السيطرة على صنعاء سنة 1872م وأعلنوا اليمن ولاية عثمانية حتى خروجهم منها بعد هزيمتهم فى الحرب العالمية الأولى عام 1918م واستقلال اليمن الشمالى كأول دولة عربية مستقله وأول دولة عربية تنضم لعصبة الأمم باسم المملكة المتوكلية اليمنية تحت حكم مؤسسها الإمام يحيى بن محمد حميد الدين.

وفى النظام الإدارى العثمانى كانت عسير تابعة لليمن حيث أطلق عليها سنجق العزيزية اليمنية[4] وقد وجدنا هذا ثابتا فى أرشيف المراسلات المحفوظ بقصر عابدين بالقاهرة نسوق منها للتدليل حين أرسل الوالى المصرى تهنئة إلى “محمد باشا بن عائض قائمقام سنجق العزيزية اليمانية …”[5].

وعندما رفع محمد بن عائض عصا التمرد أرسل إليه إسماعيل باشا محذراً “إنكم إذا كنتم قد تخطيتم إلى محل خارج سنجق العزيزية اليمانية …”[6]

و باستدعاء الحق التاريخى وما له من قوة فى الاستنداد يدفع بها صاحب الحق فى وجه الطامع المغتصب نجد أن السعودية لم يكن لها أية حقوق تاريخية فى أراضى خارج نطاق إمارتهم المحدودة داخل نجد، بل إن هذا الحق يصبح معرضاً للطعن بتتبع ما للآخرين من حقوق تاريخية فى تلك الأراضى وهى ثابتة لليمن دون غيرها ، فاليمن لم يكن لينازعه أحد فى حقه الثابت فى عسير حتى بداية القرن العشرين، فـ (عسير)  ـ ومناطقها التى بلغت فى أحيان كثيرة حتى القنفذة قرب مكه فى بلاد الحجاز ـ كانت تاريخياُ تابعة لحكام اليمن، وظلت عسير إداريا تعامل فى ظل وجود الحكم العثمانى والحكم المصرى كجزء من اليمن.

ثم تأسست الإمارة  الادريسية فى العام 1909م  ولم يكن الوجود السعودى فى طوره الثالث نافذاً فى المنطقة حتى نشوب الحرب العالمية الأولى فى عام 1914م ، وحين تحرك الإمام مطالبا بما له من حق تاريخى فى عسير رافضاً الاعتراف بحكم الأدارسة تدخلت بريطانيا لترعى عقد معاهدة بين الإدريسى وابن سعود عرفت بمعاهدة “دارين” تمت بحضور مندوب عنها هو النقيب ويليام هنري شكسبير وكان ذلك بالعام 1915م ، ليكون ذلك أول تواجد فعلي للسعوديين بمساعدة بريطانيا فى عسير دون السلطة والتى ظلت فى يد الأدارسة ينازعهم عليها إمام صنعاء بموجب الحق التاريخى.

المقال التالي حول دور بريطانيا والأدارسة فى نزع الحق التاريخى لليمن فى عسير وتسليمها للسعودية.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) والإيالة هى التقسيم الإدارى العثمانى الأعلى فى سلم التقسيمات الإدارية الذى كان معتمداً لدى العثمانيين بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر وتم استبداله بالولاية فيما بعد .
(2) المخلاف السليمانى هو الاسم الذى اطلق على عسير وكافة البلاد اليمنية شمال صعدة وحتى حدود الحجاز
(3) عاصمة إقليم عسير
(4) سنجق: الوحدة الادارية فى النظام العثمانى التى تلى الولاية حيث تقسم البلدنان الى ولايات والولاية الى سناجق.
(5) دفتر 22 عابدين متفرقات من اسماعيل باشا الى محمد باشا عائض امير عسير وثيقة بدون رقم – يناير 1866م
(6) دفتر 24 عابدين ص 106 ، وثيقة بدون رقم 7 محرم 1284 هـ .
عرض التعليقات