سؤال كبيرٌ ومحيّر يشغل بال المجتمع، مداره الصراع والخلاف الواسع الذي تشهده المساجد ويتراوح بين طرفين؛ الإمام، وفئات من المصلّين، وأبرز فئات المصلّين المعنيّين بهذا الصراع أعضاء اللّجنة الدينية للمسجد، مما أفرز ظاهرة عدم استقرار الأئمة في وظائفهم بالمساجد التي يُعيّنون بها، حيث غالبا ما يتم إنهاء الخلاف بتغيير الإمام للمسجد طواعية، أو بتغييره بقرار من إدارة مديرية الشؤون الدينية، بعد بلوغ الأمر حالة من التعقيد يصبح فيها إيجاد حلٍّ وتحقيق التصالح مستحيلا أو بالكاد.

لماذا توجد هذه الخلافات في المساجد؟ ما هي أسبابها؟ ولماذا تشكّل هذه الظاهرة قاسمًا مشتركا في دُور العبادة بين المناطق المختلفة؟ ما هي نقطة المصلحة أو الخلاف التي تدور حولها هذه التصادمات؟… أسئلة كثيرة تجول في الخاطر، تطرح نفسها بإلحاح ويعسر إيجاد إجابة لها، بينما تفرض ظاهرة الخلافات وجودها كقانون حتميّ في جدلية الإمامة، في شقّها الدينيّ، وتُلقي بظلالٍ على بقايا رواسب في علاقتها بالشقّ السياسيّ.

رغم وظيفة المسجد الاجتماعية، وكونه امتدادًا طبيعيًا لثقافة المجتمع المسلم، حيث يكرّس القيم النبيلة والفاضلة التي تحلم بها الجماعة التي تؤدي فيه الصلاة وحتى تلك التي لا تؤدّي الصلاة، فإن هذا الفضاء التعبّدي الذي تحكمه قوانين الدولة ويخضع تأطيره لتنظيم مُحكم، بما في ذلك إطار قانون الجمعيات يعيش على وقع خلافات كبيرة، يقف الإمام فيها على فوهة بركان ويتحمّل القسط الأكبر من المسؤولية، فهو من الناحية القانونية المسؤول المباشر عن المسجد وما يجري فيه بحكم كونه موظفا لدى الدولة ينبغي له أن يسهر على سلامة إطار القانون الذي ينظم وظيفته ويبتعد بالمنبر عن نار الخلافات أيًّا كان نوعها، خاصّة الخلافات السياسية التي قد تحوّله إلى منصّة دعاية حزبية.

وظيفة الإمام حسّاسة وخطيرة في الوقت نفسه، من ناحية المهام الموكلة له، ومن ناحية الدور المحوريّ للمسجد في حياة المواطنين اليومية، فهو مرجع يعودون إليه، كما أن المسجد مكان عام مرتبط بمختلف شؤون المجتمع، وهو ما يعني بأنّ أدنى أو أكبر قضية يكون المسجد المكان الأهم لإثارتها، وهو ما يضاعف من متاعب القائمين عليه، بمن فيهم أعضاء اللجنة الدينية الذين ينخرطون بشكل رسميّ في تدبير شؤون هذه المؤسّسة، وبالتالي يقعون تحت طائلة القانون بشكل مباشر، رغم أن هذه اللّجان الدينية هي نفسها التي تتحوّل في أحيان كثيرة إلى رحى يخرج من حجارتها طحين الخلافات، وينتهي إمّا بالصلح الداخلي أو بحلّها، أو بتغيير إمام المسجد، حسب طبيعة الخلافات ونتائجها.

وإلى جانب هذه الحساسية يواجه الإمام مشكلة كبيرة أخرى، هي تصنيفه من طرف شريحة معتبرة؛ إمّا في صفّ السلطة، حيث تعتبره قارئ بيانات سياسية يحرص عبر منبر المسجد على استحضارها وتبرير الإخفاقات أو الإشادة بالإنجازات بطريقة أو بأخرى، وإمّا أن تعتبره قوّة تأثير، فتطمح إلى إقحامه في مشاريع فكرية تخدم مذهبها السياسي، وهو ما ليس في برنامجه ويجعله تحت المُساءلة إن خضع لها، أو تحت الضغط إن رفضها.

ما تشهده معظم المساجد من مشاكل، في حالات كثيرة لا يُفلتُ الإمام واللجنة الدينية أن يكون أحدهما أو كلاهما طرفا فيه، وإن بدا أن المشكل جانبيّ أو له صلة بموضوع آخر أو أشخاص آخرين، وفي الآونة الأخيرة، أصبح من دواعي الصراعات داخل المساجد مشكلة الخلافات المذهبية ووجهات نظر الفتاوى الجديدة أو موضع الخلاف بين الفقهاء، وقد يكون التنافس لأجل حلّ اللجنة الدينية القائمة وإعادة تشكيل لجنة دينية جديدة إحدى أسباب استفحال الخلاف وانسداد الوضع حتى مع إمام المسجد نفسه.

يصبح الإمام محطّ نظر المجتمع وقد يكون مستهدفا لطبيعة هذه الخلافات وتشعّبها، فيطّلع الرأي العام المحليّ وحتى الوطني على أصداء هذه الخلافات عبر ما تنقله وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بما يجعل من الموضوع قضية رأي عام وتصبح الحقيقة مطلوبة على رأس فتنة لإعادة الأمور إلى جادّة الصواب بعد أن التبست بتعدّد مصادر الخبر وزوايا رصده.

بعد انفتاح المجتمع على وسائط الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد قوانين الوظيفة العمومية المعروفة كافية لحماية الإمام من التعدّي على شخصيته، خاصّة في ظلّ المبالغة بالنظرة المثالية نحوه، وهي نظرة تجعله يدفع ثمنا باهضا وإن على مستوى الاعتبار الاجتماعي بسبب أتفه خطأ يمكن أن يصدر عنه، وهي النتيجة التي تضاعف من جهود فئات أخرى تجد مصلحتها في التشهير به عن طريق تلفيق اتهامات غير صحيحه له، أو باستغلال وقائع بسيطة وتحويل الاهتمام إلى زوايا حسّاسة فيها للنيل منه.

معاناة الإمام تعكس جزءًا من صعوبات أداء المهام، كما تعكس زاوية من زوايا كثيرة تتعلّق بالخلافات والتعدّي والتشهير في حقّ الأبرياء في مجالات كثيرة، عن طريق المغالطة ونشر المعلومات الكاذبة وفسح المجال لها لتلقى التداول الاجتماعي الواسع بما يجعل من احتواء الخلل أو تصحيح الخطأ بإظهار الحقيقة أمرا صعبا أو ربما تجاوزه الوقت، لذلك يبقى الاحتكام إلى الإطار القانوني لدى المؤسّسات الرسمية المخوّلة بهذا الأمر الأسلوب الأنجع لمعالجة المشكلات الطارئة، سواء بتبرئة طرف أو إثبات ما نُسب إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد