مع بداية الحرب الباردة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وسباق التسلح الحامي الذي طغى على المشهد السياسي في العالم بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، والتحدي العلني والتصريحات النارية التي تطلق بين حين وآخر، واحتمالية المواجهة النووية، وشبح الحرب النووية التي كانت تخيم على العالم في تلك الفترة.

كانت السياسة الأمريكية سياسة واضحة المعالم وذات مواقف ثابتة مهما تغير الحاكم، سواء كان جمهوريًا أو ديمقراطيًا. لكن كل شيء تغير بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1991.

أصبح العالم يرضخ تحت سيطرة القطب الواحد، ولم يعد بمقدور أية دولة أن تتحدى الإدارة الأمريكية مهما كانت قوتها العسكرية، أو الاقتصادية، وهو ما جعل أمريكا تنفرد بحكم العالم، وتحدد من العدو ومن الصديق، وحددت محور الشر المتمثل في العراق، وكوريا الشمالية، وإيران.

السياسة الأمريكية الخارجية كانت ثابتة في طريقة التعامل مع هذه الدول حتى أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.

من هنا بدأ التخبط الواضح في السياسة الخارجية الأمريكية، فالجمهوري كانت له سياسة مختلفة ومضادة لسياسة الديمقراطي، وهذا انعكس على أفعال أمريكا في العالم بصورة عامة، والشرق الأوسط بصورة خاصة، بعد احتلال العراق عام 2003.

ولم يكن بمقدور أحد قراءة أو تحليل السياسة الأمريكية حسب المفهوم السياسي الواضح، فكل رئيس كان يتعامل مع الوضع الدولي حسب سياسة حزبه.

جورج بوش الابن كان واضحًا منذ أحداث سبتمبر 2001، وهو من حدد محور الشر، وكان يتعامل مع الدول الأخرى حسب مفهوم، إما أن تكون معي، وإما أنت عدو لي، واستمر بهذه السياسة، واحتل أفغانستان والعراق، وعمد إلى تدمير تلك الدول حتى خروجه من البيت الأبيض، وقدوم السيد باراك أوباما الديمقراطي، الذي انتهج سياسة مختلفة كليًا، واعتبر الحرب على العراق خطأ جسيمًا، يجب تصحيحه، وسحب القوات الأمريكية من العراق عام 2011، رغم الوضع الأمني غير المستقر في البلد مع بداية ظهور المليشيات المسلحة وتعاظم سطوتها وقوتها العسكرية.

واعتبر ذلك الانسحاب نصرًا له ساعده في الفوز بفترة رئاسية ثانية استهلها بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران ورفع مجموعة كبيرة من العقوبات التي مفروضة عليها.

هذه السياسة هي التي ساعدت إيران على بسط نفوذها في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، على الرغم من أنها كانت من ضمن محور الشر الذي أعلن عنه بوش الابن.

ومع وصول ترامب للبيت الأبيض تغيرت السياسة الأمريكية بشكل كلي تجاه إيران، والعراق، وكوريا الشمالية، حيث استخدم لغة أخرى في التعامل مع تلك الدول.

تصريحات نارية هنا وهناك دفعت كوريا فجأة ومن دون سابق إنذار إلى إعلانها التخلي عن برنامجها النووي، والدخول في مفاوضات مع كوريا الجنوبية لتطبيع العلاقات، وانتهت بلقاء تاريخي بين ترامب وكيم جون أون ليتفرغ بعدها ترامب للملف الإيراني الذي بدأ يتعاظم مع تطوير إيران برنامجها النووي والبالستي.

أولى الخطوات التي اتخذها ترامب هي الانسحاب من الاتفاق النووي، وإعادة العقوبات الأمريكية على إيران، ومحاولة تحجيم الدور الإيراني في الشرق الأوسط، تعامل مع المملكة العربية السعودية بشكل مختلف مبني على الابتزاز المادي والعسكري، وفرض سياسة جديدة ضد الصين، وتعامل مع العراق على أنها دولة محتلة من قبل إيران يجب تحريرها. حتى تمكن من اغتيال قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني في بغداد.

كل ما فعله ترامب ضد إيران عمل جو بايدن الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية على تغييره. عاد للاتفاق النووي ورفع بعض العقوبات الممكن رفعها عن إيران وتعامل مع المليشيات العراقية على أنها السلطة الحاكمة في العراق؛ مما زاد من قوتها وجرأتها على ضرب مقرات القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي، والأمر ما زال مفتوحًا لجميع الاحتمالات.

هذا التغيير الواضح في السياسة الأمريكية بين الجمهوري والديمقراطي ألقى بظلاله على الوضع في الشرق الأوسط والعالم، وأصبح من الضروري لأمريكا أن تكون لها سياسة واضحة كدولة عظمى لا تتغير بتغير الرؤساء والأحزاب الماسكة للسلطة ومصدر القرار.

أمريكا بدأت تخسر حلفاءها وأموالها بسبب السياسة غير الواضحة، وشخصية أمريكا كدولة عظمى بدأت تترنح في نظر الكثيرين، وعلى الشعب الأمريكي أن يدرك أن هذا التخبط هو من أهم الأسباب التي ستؤدي بالنتيجة إلى انهيار أمريكا عاجلًا أو آجلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد