كان الزرفي يمثل الضوء الذي في نهاية النفق، بالنسبة للكثيرين من أبناء الشعب العراقي، والذين عقدوا الأمل عليه لإعادة الوضع إلى جادة الصواب، وهذا الأمل لم يأت إلا بعد الرفض والتهديد والعلاقات المشدودة مع تيارات محور المقاومة السياسية هنا، فالجميع يرى بأن هذه التيارات السبب الأول لانزلاق البلد إلى الأسوء دومًا، وتحويله إلى مكب أزمات داخلية وخارجية، وهذا عن تجربة وليس عن دراسة.

قبل ذلك كان يتردد اسم مصطفى الكاظمي في الأزقة السياسية على لسان من يبحثون عن خروج من أزمة المظاهرات، وكان نوع من الحل بالنسبة للمتظاهرين من جهة وبعض الكتل السياسية التي أعلنت تأييدها لمطالب الشعب من جهة أخرى، لكنه دائمًا ما كان يجابه بالرفض من قبل كتل المحور، معللة ذلك تارةً بامتلاكه علاقات واسعة مع الولايات المتحدة ودول أوربية، وتارة أخرى باتهامه بالمشاركة في حياكة مؤامرة كبيرة على العراق مع دول خليجية وغربية، ثم اتهم مؤخرًا بصلته باغتيال المهندس وسليماني!

ولينفي ذلك،  حضر مجلس عزاء سلياني والمهندس في إيران، وهذا موثق بصورة تداولتها المواقع وأجرى لقاءات مع بعض المسؤولين لتأكيد نفيه، وبعدها انقطع ذكره وتوارى بعيدًا عن الترشيح، حتى ترشيحه بديلاً عن الزرفي وتعلمون بقية القصة.

وهذا ما يجعلنا أمام احتمالات مفتوحة للقادم في هذه المهمة العصيبة؛ تبدأ من أن الحكومة الحالية والتي تصرف الأعمال، هي الأفضل بالنسبة لهم ولن يجدوا خيراً منها مهما حاولوا، خصوصًا وأن محاولاتهم العديدة لإبقائها باءت جميعها بالفشل، لذلك تسرب الشك والريبة لدى أغلب العراقيين والذين كان يتوسمون بالكاظمي بصيص الأمل أيام التظاهر، شك واضح في تعليقاتهم وآرائهم السياسية في مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، ولا يحتاج لعرافة لكشفه. رفض ثم تكليف، وبإجماع سياسي لم يحظ به من سبقه، شيءٌ يدعوهم للقلق من العودة إلى المربع الأول، وانقلاب على المطالب الشرعية التي خرجت من أجلها مئات الألوف من المتظاهرين السلميين، والتي حاولت السلطات منعها بشتى الطرق، سواءً باستخدامها القوة المفرطة حين، عن طريق خراطيش المياه والرصاص الحي والقنابل الصوتية والدخانية، وحين آخر القتل المتعمد بالقنص والتي تؤكد الحكومة على عدم درايتها به بينما تصر المراصد الحقوقية على تستر الحكومة واشتراك أطراف منها بالواقعة، الأمر الذي أفقد حكومة عبدالمهدي شرعيتها من خلال دعوة المرجعية الدينية والكتل السياسية لسحب الثقة عنها.

الخوف من تكرار السيناريوهات القديمة وإعادة المشهد بممثلين جدد، ليس في ذلك فقط، فالمماطلة واللف والدوران لتحقيق أغراضهم السياسية، كانت وما زالت الصفات الملازمة للقائمين على النظام السياسي في البلاد، إضافة إلى أن عملية تكليف الكاظمي التي جاءت بعد مخاض عسير، وانسحاب مرشحين اثنين هما علاوي والزرفي لا تعبر عن نوايا سليمة، وإرادة حقيقية لتعديل مسار العملية السياسية، وتحقيق المطالب الحقة التي رفعها المتظاهرون لأسباب عدة:

أولاً: رفض تكليف الزرفي من قبل كتل المحور، رغم من أن هذا الرفض مخالف لإرادة المتظاهرين، ولو كانت هناك جدية حقيقية لتعديل الحمل المائل لتوافقت جميع الكتل على تمريره وإنهاء جدلية ستأخذ منا وقتًا لإعادة الدولة إلى سكتها الواعدة، وترك جميع الخلافات جانبًا.

ثانيًا: كان مرور محمد توفيق علاوي في مجلس النواب قاب قوسين أو أدنى، لولا إصرار الكتل السنية والكردية وبعض الكتل الشيعية على حصتها من الكابينة الوزارية، بالرغم من وجود أسماء شيعية وسنية وكردية في الكابينة، شُهد لها بالنزاهة والخبرة لكن ما كان يعيبها إنها لا تنتمي إلى تلك الكتل، وهذه معضلة كبيرة تواجه جميع المكلفين، كيف سيتجاوزها الكاظمي؟

ثالثًا: لا تكلف أي شخصية لرئاسة الوزراء إلا بعد التأكد من إيمانه بضرورة إخراج القوات الأجنبية من جهة والولاء لعناصر المقاومة والحشد الشعبي من جهة أخرى، وهذا ما يعيده حزب الله جناح العراق قبل كل تكليف، وهذه نقطة صعبة تضع العراق في تقاطع العلاقات مع دول إقليمية وغربية، لا يمكن أن نتطلع إلى مصالح مشتركة تعكس واقعًا جيدًا في الداخل، في ظل الإصرار عليها. كيف سيتعامل معها الكاظمي؟

رابعًا: إجماع الفرقاء على تكليف الكاظمي، موضوع بذاته، موطن استغراب وخوف في الآن نفسه، وهذا الخوف نابع من تجارب سابقة، حصل وإن حدث فيها الإجماع، لكنها أثبتت فشلها، وأخذت البلاد إلى انحدار مستمر واستنزاف هائل لثرواته وتراجع عام على جميع المستويات والأصعدة، (فمع كل إجماع لهم، فشل للعراق)، هل يستطيع الكاظمي كسر هذه النقطة والتي باتت قاعدة مستوحاة من حقيقتهم؟

والأسباب التي تدفعنا للقلق من تكليف الكاظمي كثيرة ولن تنقطع! وإن كان بيانه الأول جاء متناغمًا وقريبًا من تطلعات واشنطن في العراق، بحصر السلاح والسيطرة على الميليشات، وفرض السيادة العراقية بمنع التدخل الإيراني في شؤون العراق الداخلية، وهذا ما نجده في كل تصريحات وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، وهذا ما يبدأ به جميع المكلفين وينتهي بنا المطاف بالمزيد من الانفلات للجماعات المسلحة، لكن يبقى تكليف الكاظمي اللغز الذي يثير التساؤلات وعلامات الاستغراب والتعجب! من تَحول؟ الكاظمي أم كتل المحور؟ تجرع كأس من السم ام ضمانات حقيقية للحفاظ على وضعهم؟

والأهم حل وطني للعبور أم خطة لشراء الوقت؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد