يلتبس على كثير من المسلمين، التفريق بين أمرين مختلفين اختلافًا كبيرًا، ويخلطون بينهما خلطًا عجيبًا وغريبًا، ويظنون بالله الظنون،«يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ» {1}. لا يفرق هؤلاء المساكين، بين عبادة فرضها الله عز وجل، وأمر بها، وألزم بها المسلمين جميعًا، وهي محبة الرسول، صلى الله عليه وسلم، محبة فائقة، بحيث تكون بأكثر مما يحب المرء نفسه، كما روى أنس بن مالك في الحديث الصحيح «لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتى يكونَ اللهُ ورسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهُما، وحتى يُقذَفَ في النَّارِ أحَبَّ إليه مِن أنْ يَعودَ في الكُفرِ، بعدَ إذ نجَّاه اللهُ منه، ولا يُؤمِنُ أحدُكُم حتى أكونَ أحَبَّ إليه مِن وَلَدِه، ووالِدِه والنَّاسِ أجمَعينَ»{2}.

واتباعه، وطاعته، والثناء عليه، وبين عبادة لم يأمر بها الله ولا رسوله، وإنما أمر بها شياطين الإنس والجن! مثلما لا يفرق ضعاف العقول، بين التبر والتراب، وبين الثرى والثريا!

فبالنسبة للأمر الأول:

لا أحد من المسلمين الصادقين المخلصين على وجه البسيطة، إلا ويحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حبًّا جمًّا، ويفديه بنفسه وماله وولده، ولا أحد يعترض، أو يستنكر الثناء عليه، ومديحه، وتعظيمه، وتكريمه غاية الإكرام، ووصفه بأحسن الأوصاف، التي وصفه بها الله تعالى، على أن لا تجعله ندًّا لله، وإنما تبقيه في حدود العبودية لله، وأنه لا يملك لنفسه، ولا لأحد من البشرية، نفعًا ولا ضرًّا، كما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة «قالَ رَسولُ اللهِ، صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، حِينَ أُنْزِلَ عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} {3}. يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شيئًا، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شيئًا، يا عَبَّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ، لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شيئًا، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسولِ اللهِ، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شيئًا، يا فاطِمَةُ بنْتَ رَسولِ اللهِ، سَلِينِي بما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شيئًا» {4}.

ولا أحد يعترض ويمانع من الاحتفاء بميلاده بشكل مطلق كما ورد في التوراة والإنجيل والقرآن، بدون تحديد يوم معين لولادته، والفرح والسرور لميلاده، واستعادة ذكر المشاهد الثابتة والصادقة التي حصلت يوم ميلاده، والصلاة والسلام عليه كما أمر الله تعالى:«إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا» {5}.

ولا أحد من المسلمين يتجرأ على إنكار وجحود، أن ميلاده كان خيرًا عظيمًا للبشرية كلها، وكان سببًا لهدايتها، وإخراجها من الظلمات إلى النور، وكان رحمة من الله لها، كما ذكر الله تعالى:«وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةً لِّلۡعَٰلَمِينَ» {6}.

فمحبة الرسول، صلى الله عليه وسلم، واحترامه، وتقديره، وذكر فضائله، والإشادة بأخلاقه الرفيعة، وصفاته الجليلة، وسيرته العطرة، وبأنه هو الكامل المكمل، وهو الشفيع المشفع، والدعوة إلى التأسي به، والسير على نهجه، واتباع أوامره، فرض عين إلزامي على كل مسلم، لا شك في ذلك ولا ريب، ولا مهرب ولا مفر، من طاعته، لأن طاعته، هي طاعة لله تعالى، ومعصيته، هي معصية لله عز وجل كما قال:«قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» {7}. «مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًا» {8}.

فهذا الأمر الأول مفروغ منه، ولا جدال فيه، ومتفق عليه بين جميع المسلمين قاطبة، من يوم بعثته وإلى يومنا هذا، وحتى يوم القيامة.

وأما الأمر الثاني:

وهو الاحتفال بمولده في تاريخ معين مزور، مكذوب، حدده الفلكيون والمنجمون والمشعوذون الضالون الأفاكون! مما يجعل ضعاف العقول – حتى ولو كان يُطلق على بعضهم ألقابًا فخمة مثل شيوخ الإسلام – أن القيام بالأمر الثاني، هو مظهر ودليل وبرهان على تحقيق الأمر الأول! ولكن العكس هو الصحيح.

فهذا التفكير، فيه نشاز كبير، وسوء فهم لمعنى العبادة، ولمعنى مقتضياتها، ولكيفية أدائها، وسوء فهم لكيفية احترام الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتقديره وتبجيله!

فالعبادة هي التي يأمر بها الله تعالى، ويحدد الطريقة الواجب أداؤها، وهي مقيدة بحدود حددها الله تعالى، وليست متروكة على هوى الناس ومزاجهم، فيظنون أنه: لا مانع، ولا حرج من إحداث عبادة جديدة، يتقربون بها زلفى إلى الله تعالى، ويزيدون في حصول الأجر! كما ظن الرجال الثلاثة الذين أحدثوا عبادة جديدة! بأن يقوم أحدهم الليل ولا ينام أبدًا، والآخر يصوم ولا يفطر أبدًا، والثالث لا يتزوج النساء أبدًا! فاستنكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، هذه العبادات المحدثة، وقال قولته المشهورة: إني أقوم الليل وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.

ويلتبس على كثير من الناس – وخاصة ضعاف العقول – ما يطلقون عليه اسم قاعدة فقهية «أن الأصل الإباحة» فيطبقونها على العبادات، لتبرير أي عبادة يحدثونها! وهذا فهم سقيم، وتفكير مريض!

لأن الأصل في العبادات، هو الاتباع، والتقيد الكامل والمطلق بما حدده الله ورسوله، من عبادات دون زيادة ولا نقصان، وليس الإباحة – كما يزعمون – فلا يصح، ولا يجوز، بل يحرم، أن يأتي فريق من الناس، فيجعل عدد الصلوات ستًّا أو أربعًا بدلًا من خمس، أو يزيد عدد ركعات الفجر فيجعلها ثلاثًا، بحجة أن الأصل الإباحة!

فهذه القاعدة، لا تنطبق على العبادات بكافة أشكالها، وإنما تنطبق فقط على الأمور المعيشية، الحياتية اليومية، من أكل وشرب ولباس، وعمران وتصنيع وابتكار، وإبداع في الأمور التي تفيد الناس، فهذه مباحة مطلقًا، ما لم يرد نص من القرآن أو السنة يحرمها.

لذلك لا يجوز في العقل السليم، استنكار ركوب الطائرة، أو بناء الأبراج الشاهقة، أو إحداث أي شيء ينفع به الناس، ولا تحتاج إلى تبريرها، إطلاق كلمة بدعة حسنة، لأن هذا المصطلح أصلًا غير موجود في الإسلام، ومستنكر، ومستهجن، ومرفوض!

وإنما المبرر الوحيد هو قوله تعالى:«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّه» {9}. «يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ» {10}.

أما العبادات فليست مباحة على الإطلاق، وإنما هي مقيدة بحدود الله كما قال:«تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ» {11}. فمثلًا صيام أول يوم عيد الفطر، وأربعة أيام عيد الأضحى، وصلاة النفل عند شروق الشمس وعند غروبها محرم، فلا يجوز لأي مسلم أن ينتهك حرمتها بذريعة التقرب إلى الله! فهذه عبادة محرمة ومرفوضة، بل فيها معصية كبيرة لله تعالى.

وعلى النسق نفسه، فتاريخ المولد أمر غيبي، لا يعلمه إلا الله وحده، فحتى الرسول، صلى الله عليه وسلم، لا يعلم شيئًا عن مولده، إلا أنه ولد يوم الاثنين فقط، بدون أن يعلم تاريخ الولادة، ولا اسم الشهر، ولا اسم السنة، التي ولد فيها فهذه ثلاثة عناصر من تاريخ الميلاد مفقودة ومجهولة!

فكيف يتجرأ عبد صالح مؤمن، يخشى الله ويتقيه، أن يزعم حدوث أمر جلل، وعظيم الشأن، ومهم جدًّا، ألا وهو ولادة خير البشرية وسيدها طرًّا، وخاتم النبيين جميعًا، في تاريخ محدد لم يذكره الله ولا رسوله ولا صحابته؟! ويزيد الطين بلة أن يدعو إلى إحداث عبادة جديدة، لم يأمر بها الله ولا رسوله، وهو الاحتفال بالمولد خصيصًا في هذا التاريخ المزيف!

ويلتبس على الناس أيضًا، أن الله عز وجل قد ذكر في التوراة والإنجيل البشارة فيهما بقدومه صلى الله عليه وسلم، وذكر الإرهاصات الكثيرة قبل ولادته، كما قال تعالى:«وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ» {12}.

وذكر أن اليهود في يثرب كانوا يهددون ويتوعدون العرب، ويتفاخرون عليهم، بأنه سيأتي رسول من العرب، وسيؤمنون به، ويتغلبون عليهم ويقهرونهم، كما قال عز وجل:«وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٌ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ» {13}. ولكنه لم يذكر فيهما تاريخًا محددًا، ومعينًا لولادته!

فهل نسي الله تعالى أن يذكر تاريخ ولادته، بشكل محدد ودقيق، في التوراة والإنجيل والقرآن، بحيث لا يشوبه شك، ولا ارتياب، ولا ظنون، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سبحانه وتعالى عما يصفون «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» {14}.

فالالتباس الحاصل مع الذين يحتفلون بمولد خير الأنام، مرة في العام في يوم مكذوب، أنهم يظنون إنما يتقربون إلى الله زلفى، بهذا الاحتفال الاستعراضي، ولكن الحقيقة الصارخة، أنهم إنما هم يعصون الله؛ لأنهم يخالفون أوامر رسوله الذي ينهى عن إحداث أي أمر جديد في الدين، ويتعدون حدود الله، وينشؤون عبادة جديدة، لم يشرعها الله تعالى! «وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا» {15}.

فالأصل الصحيح في العبادة والتقرب إلى الله، هو التقيد بحدوده، والاحتفاء بشخص الرسول الكريم الأعظم، صلى الله عليه وسلم، وبما يشتمل عليه من أخلاق عالية، وسلوك كريم مستقيم، واتباع رسالته، والثناء عليه، وتمجيده وتعظيمه، والصلاة والسلام عليه، في كل لحظة، وفي كل يوم مع أذكار الصباح والمساء، آناء الليل وأطراف النهار، وليس في ساعة من نهار، في يوم مولده المكذوب!

والاعتقاد الجازم، بأنه جاء بالحق بشيرًا ونذيرًا وهاديًا إلى طريق الله الحق، وأنه حريص على المؤمنين رؤوف رحيم بهم، ووجوب الإيمان به، واتباع نهجه، وتطبيق شرع الله الذي جاء به كما قال تعالى:«لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٌ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ» {16}.

«يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ» {17}.

ويلتبس على كثير من المسلمين أيضًا، أنهم يظنون، أن النهي عن هذا الاحتفال الاستعراضي المزيف هو: تشدد وتزمت وتطرف، وجفاء واستخفاف بمقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم!

وهذا خطأ شنيع وفاحش، لا يقوله إلا ذو الأحلام الضعيفة، التي تشبه أحلام العصافير، ويظنون أن الدين مثل البلاستيك، يمكن تشكيله بالطريقة التي يريدونها، بينما الذين ينهون عنه، إنما يريدون أن يتبعوا الهدي الرباني الذي قرر بشكل قاطع، وحاسم، أن الدين كامل، لا يحتاج إلى أي إضافة، ويريدون المحافظة عليه بكماله، وصفائه، ونقاوته، وطهارته دون أي تلويث ببدع بشرية ضالة.

فالدين ليس ألعوبة بيد البشر، يلعبون بها كما يشاؤون، وليس سلعة للمزايدة عليها في أسواق البازار، وإنما هو دين الله الصلب المتين، الذي لا يقبل التغيير ولا التشكيل ولا التبديل، ولا الإضافة ولو بمقدار قطمير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد