«مبروك موت الحاج مرسي»، هذا ما سمعته بأذني حينما كان أحد أفراد الأمن يتحدث فرحًا مع زميله في إحدى محطات مترو الأنفاق.

رجل الأمن يشمت فرحًا في موت الرئيس الشهيد محمد مرسي الذي تُضرب به الأمثال في ثباته وصموده وشموخه.

ولا أدري كيف تغير الوجدان عند المصريين في السنوات الأخيرة إلى هذه الدرجة من الفظاعة والشماتة في الموت، وخاصة بعد تقسيم الشعب إلى شعبين ولكل شعب رب!

والأمر لم يتوقف على الشماتة، إنما وصل إلى تهديد عمرو أديب باعتقال الأمن لأسماء الذين سيتعاطفون مع وفاة مرسي، أما أحمد موسى فقد صرخ قائلًا وهو يعلق على وفاة مرسي: «إلى جهنم ويئس المصير»، وأخبر موسى بأنه دعا على مرسي بالموت قبيل وفاته بعدة أيام؛ (هل أحمد موسى مُجاب الدعوة أم كان يعلم من إحدى أجهزة المخابرات بأنهم سيقتلون مرسي بعد عدة الأيام تلك؟!).

وهل ما زال الشعب الأول يبغض الشعب الآخر بعد التردي الاقتصادي المروع والتفريط في جزيرتي تيران وصنافير والتفريط المخزي في غاز البحر الأبيض المتوسط لصالح قبرص والكيان الصهيوني وتهجير أهلنا في سيناء ومحو رفح من الخريطة لصالح صفقة القرن التي ستصفي القضية الفلسطينية غير انهيارنا في كل المجالات بعد انقلاب 2013؟

وما حال الشعب الأول بعد تغيير الدستور لصالح السيسي لكي يحكم إلى الأبد مع سحق سُلم الديمقراطية وطحنه؟!

وهل الشعب الأول ما برح مغيبًا في وعيه بعدما فهم الكثير من الهدف من تقسيم الشعب كما فعل كل الانقلابيين والديكتاتوريين والطغاة في بلادهم؟!

إن المصريين طوال تاريخهم يمتعون بطيبة القلب واستقبال الأجانب بحفاوة وحتى تمصيرهم؛ فمصر استقبلت نبي الله إبراهيم عليه السلام وزوجه سارة، واستقبلت إخوة يوسف عليه السلام وأبواه، وقال يوسف لإخوته «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، واستقبلت مصر نبي الله دانيال، ويوشع بن نون، وولد النبي موسى بن عمران وأخيه هارون بمصر، ونبي الله إدريس والمعروف في التوراة بإخنوخ، دعا إلى الله في مصر.

واستقبلنا ورحبنا بالجاليات اليونانية والأرمينية والعربية وغيرهم منذ القدم، وفر إلينا جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وكل الأحرار الذين فروا من بلادهم إلينا.

وحتى الفنانون الذين أرادوا أن يظهروا ويبرعوا ويشتهروا جاءوا إلينا مثل فريد الأطرش وصباح ووردة الجزائرية وليلى الجزائرية وإلياس مؤدب وفايزة أحمد ومحمد عبده وعتاب السعودية وعُليا التونيسية ولطيفة التونيسية أيضًا وغيرهم.

ومصر كانت المأوى والحضن الدافئ لإخوتنا العراقيين بعد غزو أمريكا واحتلالها لبغداد عام 2003، ومصر هي الحضن الدافئ لإخواننا السوريين بعد تهجيرهم بعد مجازر ومذابح بشار الجبان، وهي الحضن الدافئ لأهلنا اليمنيين بعد الحروب الأخيرة، وهي الحضن الدافئ منذ القدم لمن يأتي لنا للدراسة أو العمل أو الهجرة.

ولكن في السنوات الأخيرة، وجدنا المصريين قد تغير وجدانهم إلى الأسوأ وأمسوا وهم لا يطيقون بعضهم بعضًا؛ وبالتالي لا نتوقع أن يرحبوا بالأجانب، ووصلنا إلى مرحلة قتلهم؛ فهذا جوليو رجيني، الطالب الإيطالي، قتلته أجهزة الأمن المصري وصفَّتْ عائلة بأكملها قصاصًا لقتله بدون محاكمة، وذاك توميسلاف سالوبيك، المهندس الكرواتي، 31 عامًا، يختفي في ظروف غامضة حتى ظهر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وفيه يظهر وهو مذبوح، وذلك قبريال توت لام كيت، اللاجئ من جنوب السودان إلى أم الدنيا وهو أسرته منذ عام 2005، يقتله المصري عماد حمدي بحي عين شمس بالقاهرة بضربة بقضيب حديدي على رأسه؛ لأن الأخير يبغض السود ويكرههم من صميم قلبه، و وليام هندرسون، خبير البترول بشركة البترول الأمريكية، يُقتل بعد مهاجمة سيارته في الصحراء الغربية وو غيرهم الكثير والكثير…!

ووجدنا الكثير من حالات التقاتل العائلي وما يصاحبه من القتل المروع، ووجدنا الكثير ممن يقتلون أنفسهم انتحارًا تحت عجلات مترو الأنفاق بسبب الظروف الاقتصادية.

وذهلنا من المصريين الذين رقصوا وانتشوا من مذبحة رابعة وأخواتها، بالإضافة إلى هتافهم الصارخ «افرم يا سيسي»!

وحتى الإلحاد ازدادت أعداده شراسة بين المصريين والعرب بسبب إخفاقات ثورات الربيع العربي.

واللافتات السياسية لا يتحملها نظام السيسي؛ فقد فوجئنا بالأمس 24 يونيو 2019 بترحيل ثلاثة من الشباب الجزائريين من مشجعي مباريات كأس الأمم الأفريقية بسبب رفعهم للافتات سياسية!

والنظام الحاكم المصري انزعج بشدة من هتاف جماهير كرة القدم للاعب أبو تريكة! إن مصر الضاربة بحضارتها في القدم منذ أكثر من سبعة آلاف سنة تنزعج من هتاف جماهير الكرة لصالح لاعب رافض لبعض سياسات النظام الحاكم! إن مصرنا الحبيبة أعظم من ذلك بكثير يا قوم. لا تقزموا مصر أكثر من ذلك.

إن الوجدان المصري قد تغير كثيرًا إلى الأسوأ في السنوات الأخيرة، والعنف أضحى سيد المواقف كلها، وأمسى الجار لا يأمن بوائق جاره؛ فربما يكون من بصاصي الأمن، وما فتئ الابن يخاف من أبيه والأب يخاف من ابنه كما كنا في عصر الستينيات من القرن العشرين في زمن كتبة التقارير، وما برح الخوف يجوس في نفوس المصريين من القتل الممنهج الذي تقوم به أجهزة الأمن حينما تصفي الشباب المغيب قسريًا، والخوف قد تشعب في الأفئدة من الاعتقال التعسفي وخاصة أن السجون تُبنى أكثر من المستشفيات والمدارس وقاعات العلم؛ ومن الكوميديا السوداء أن اسم أحد السجون في مدينة الاسماعيلية هو سجن المستقبل!

إن الشرخ في الوجدان المصري قد ازداد فتقًا على فتق وخاصة منذ 3 يوليو (تموز) 2013 وحتى الآن، ويحتاج إلى الدراسة الفاحصة والرتق الجيد والعلاج الناجع على يد أصحاب الألباب من الخبراء والعلماء والمتخصصين من رجال الدين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس وأطباء الأمراض النفسية والعصبية.

إن دول العالم المتحضر أسست وزارة اسمها وزارة السعادة لنشر ثقافة وروح السعادة والرفاهية والحبور في نفوس شعوبها.

كفى بناءً للسجون يا قوم. أخرجوا المعتقلين من سجونكم. كفى تفريقًا للشعب المصري وتمزيقًا لنسيجه وتقطيعًا لأوصاله. أعيدوا تماسك الشعب المصري ولُّحْمتة ووحدتة كما كانت من قبل. ابنوا النفوس بكل خير؛ فبناء النفوس يعود على الأمة بالتقدم والحضارة والرفاهية والسعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات