وجه مستطيل وعينان واسعتان يعلوهما شعر أبيض وقامة شامخة وحنكة شديدة، يتفحص الأمور بدقة ويرصد الأحداث بعناية ويرى آفاقًا بعيدة، ويد طاهرة طالما مدت لمن استغاث بها، وقلب نقي، أحبه الله فأكرمه ونعمه بحب الناس. اعتدنا على رؤيته كوجهة مشرفة لبلدنا ودائرتنا.

أذكره حينما رفع على الأعناق بعد فوزه بمقعد البرلمان عام 2000م وقتها كنت طفلًا صغيرًا فرحًا بالمشهد لكني لم أكن على دراية بتداعياته وتحدياته وتكرر نفس السيناريو عام 2010م لكن لم تدم الفرحة طويلًا فقد حل المجلس عقب أحداث ثورة 25 يناير 2011م.

صلة وثيقة وقرابة شديدة تجمعني بنائب سجين لم يكن يعرفني حتى جالسته مرة وحيدة حينما كنت بالفرقة الثالثة بكلية الإعلام، لم يستغرق الحوار سوى بضع دقائق لكني رأيت شخصية وقورة يغلبها الهدوء وتحسست تواضعه ونقاءه والتمست انشغاله بهموم الناس.

لم يحالفني الحظ لرؤيته من جديد، فقد ألقي في غياهب السجن ظلمًا وبهتانًا، أسره قاضي الأرض في زنزانة ووضعه قاضي السماء في أفئدة الناس.

«يا بني الحاج مبروك دا المفروض يتعمله تمثال، الرجل دخل المجلس بالجلابية البيضة وطلع وهي بيضة متلوثتشي، هحكيلك إيه ولا إيه ولا إيه. بجد الرجل دا خسارة، وحرام اللي حصل فيه».

بتلك الكلمات الممتزجة بالحزن والحسرة حدثني أحد أبناء قريتي، وهو رجل أربعيني مشهود له بالاحترام وحسن السمعة، وقص لي حكايات كثيرة تشهد بنزاهة ذلك الرجل السجين وتؤكد كرم أصله ومثالية أخلاقه ومبادئه.

استغرق الحوار ما يقرب من ساعة، لكن هناك قصة استوقفتني وأود أن أقصها لنتعلم منها درسًا في التواضع وننبذ الغرور الواهي الذي ينتاب بعضنا.

يقول الرجل الأربعيني: «أنا كنت بشتغل في إدارة مرور دمنهور كاتب عمومي – وذكر لي أن الحاج مبروك هو من سعى له كي يحصل على تلك الوظيفة – وتابع: «في يوم من الأيام الحاج مبروك كان جاي إدارة المرور يخلص حاجة من هناك، وأمين الشرطة اللي واقف على البوابة مرضيش يدخله وقاله أركن على جنب، وأنا أول ما سمعت أمين الشرطة بيقول كده، قولتله حاسب إنت بتعمل إية دا عضو في مجلس الشعب، فلقيت الحاج مبروك كتم صوتي بيده وقالي كلمة عمري ما هنساها لو المنصب هيرفعني مش عايزه وقال للرجل اللي كان بيسوق به اركن على جنب زي أمين الشرطة ما قال».

أقسم لي ذلك الرجل الأربعيني أنه لن ينسى هذا الموقف طوال حياته، وأقسمت له ثانيًا أن ما قاله حفر في ذهني.

اعترفت لذلك الرجل أنني لم أكن أعرف من هو مبروك زعيتر، فرد عليّ قائلًا: «وما زلت لا تعرفه فهذه المواقف نقطة في بحره المليء بجوهريات مواقفه وفضليات أخلاقه وكرم مبادئه وحسن أصله».

يقول المثل: «لا تعرف قيمة شخص إلا عندما تفارقه». تأكدت من حقيقة ذلك المثل ومدى مطابقته للواقع، فكثيرًا ما جالست أشخاصًا بمختلف الأعمار ما بين صبية وشباب وشيوخ ودار بيني وبينهم حوار حول ما حدث للحاج مبروك زعيتر.

وتحسست الحزن الذي ينتاب هؤلاء الناس، والتمست الحسرة في حديثهم، ورأيت الأسى في أعينهم.

فك الله كرب هذا الأسير وجعل حبسه ظلمًا في ميزان حسناته يوم القيامة. نتمنى أن نراه بيننا في الوقت القريب. فمبروك زعيتر ما زال ساكنًا في قلوب كل من عرفوه، أو سمعوا عنه من بعيد ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد