ولكنني سأحاول تفادي هذا قدر المستطاع. فكرت أن أصوغ الفكرة في قصة قصيرة ولكن شعرت أن المقال أجدى في عرض وجهة النظر دون استتار وراء أساليب الوصف وجماليات اللغة، فالحقيقة مبكية للأسف.

 

بوغِتُّ صبيحة اليوم بقولة جاءت كهذه “مش هتبارك لفلانة”
“ليه خير”
“أصلها اتحجبت”

 

صمتُّ والابتسامة الخافتة على وجهي والدمع محبوس في مقلتي. أعلم المتحَدَث عنها جيدًا. مراهقة مصرية نشأت في أحد البيوت التي لا أعرف كيف أصفها. بيت من بيوت الطبقة فوق المتوسطة بشكلها الحالي في مصر. فتاة تكره المدرسة وتمكث طيلة الإجازة تشاهد المسلسلات التركية، تتزايد ضربات قلبها في لحظة ترقب من سيكون الفائز في مسابقة (زا فويس). تعرف فاطمة وهُيام ومهند أكثر مما تعرف عن فاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وعبد الله بن أبي قحافة.

لست بصدد هذا الحديث المتكرر عن ضرورة الالتفات إلى ثقافتنا وتاريخنا وتراثنا الضائع، ولا أنا المتسلط غير الواعي لما حدث من تجريف تدريجي منذ زمن أدى إلى تلك الحالة المتردية من السطحية والالتفات للزائف من الأشياء وعدم تقدير النفيس، والاهتمام برتوش الإسلام المتمثلة في الحجاب والصلاة وغض الطرف عن طبيعة الحياة التي لا تقر هذا المعتقد في شيء، مثل العيش لاكتناز الأموال ومشاهدة البرامج التي تعطي مفهومًا عن الحياة لا يقره الله ورسوله.

 

ولست أيضًا من هؤلاء الذين هم ذئاب في أثواب إنسانية، يريدون أن ينالوا من الدين بادعاء أن الحجاب ليس بالمهم وها هي الأفعال تثبت أن الأسر تحجب بناتها بحكم العادات والتقاليد الموروثة. فالبعض يدعي أن الحجاب ليس بالمهم، المهم حجاب القلب.

 

وفي هذه القضية سأحاول الالتزام بوسطية الإسلام، لا أنحاز إلى التفريط في أن الحجاب ليس مهمًا ولا الإفراط في كون الحجاب هو نهاية المراد من رب العباد. القضية تكمن في أن التربية السطحية أوصلت تلك الفتاة وأمثالها إلى ضحية، نعم، من أين لها أن تعلم أن ما هي معجبة به هو الزيف طالما نشأت على ذلك؟ المشكلة في مثل هذه التصرفات أن الأهل يريحون ضمائرهم بتلك الأعمال. مثلاً يعتقد رب الأسرة أنه وصل إلى قمة المراد من رب العباد حين يحجب ابنته البالغة دون الالتفات إلى قصة التربية منذ الصغر.

 

لم لا يسأل الناس أنفسهم بعض الأسئلة الملحة مثل: لماذا ظل الخطاب القرآني طوال الفترة المكية لا يتحدث عن قضايا مثل الصلاة والزكاة والصيام..إلخ؟ لماذا لم تتحجب النساء منذ أول البعثة؟ لماذا كانت السيدة خديجة أكمل نساء الأرض مع أنها لم تعش إلى أن تحول الإسلام إلى كيان ودولة على أرض الواقع؟

 

 

للأسف الكثير من الأسئلة والقليل من الإجابات. أليس للتربية أثرٌ في تقبل ما افترض الله بعد ذلك، أيمكن أن يولد الجنين بدون أن يمكث في رحم أمه تسعة أشهر، أيمكن للشجر أن ينبت الثمر بدون فترة طويلة من النمو و العناية؟!

إذا كان هذا كله لا يمكن فلماذا تطلب من فتاة نشأت بغير تربية حقيقة أن تفهم قضية الحجاب ويكون حجاب جسدها ترجمة لحجاب الروح والعقل مما لا يرضي الله عز وجل. أطُمست الفطرة لهذه الدرجة؟ لدرجة أن الأهل يعتقدون حقًا أنهم سائرون على طريق التربية الصحيحة بدون وجود القدوة في سلوكياتهم. تجد الأم مفتونة بالمسلسلات التركية وتحب (زا فويس) هي الأخرى. في حين أن الأب وظيفته الأساسية الإتيان بالمال وضمان مستوى معيشي كريم من سيارات جيدة وشاليه في إحدى القرى السياحية وشقة للبنت لضمان مستقبلها وبعض المصوغات والأموال فى البنك كي يؤمنها وبقية أعضاء الأسرة من غدر الزمان!

 

ولأن الله تعالى أبقى فينا نفخة إلهية، هذا السر الذي مهما حاولت أن توجد من المبررات لنفسك أنك على الطريق السليم، تجد صوتًا داخليًا يَخِزُكَ، يقول لك أنت لست على صواب، أنت تضحك على نفسك، فحتى أفجر الناس مثل فرعون كان ضميره يعمل فيه عمل الخنجر في القلب، لدرجة أنه تنبأ له بموته على يد أحد الأطفال حديثي الولادة من بني إسرائيل.

 

ولكي يُسكت رب الأسرة هذا الصوت داخله، يقول هذا وقت الحجاب، فتتحجب البنت بلا عقيدة حقيقية، لا تبالي ولا تعلم مقتضيات الستر ولا تفهم كلمات مثل العفة والفضيلة وما إلى ذلك من كلمات ذات معانٍ لا تقال باللسان ولكن تُغرس في القلب حتى تنمو مع الوقت بالرعاية والاهتمام. لا أتحدث هنا عن جبرها على ارتداء الحجاب، فالإنسان حتى يكون مجبورًا على فعل شيء ما لابد أن تكون له عقيدة أخرى غير التي يحاول الآخر فرضها عليه، ولكن هذا الجيل المتمثل في تلك الفتاة و الكثير من الأجيال السابقة واللاحقة لا عقيدة لديه في أي شيء اللهم إلا في بعض الأهواء الممزوجة بتدين اجتماعي.

 

ولهذا عندما دار في ذهن رب الأسرة أن وقت الحجاب جاء، دار فى خلد ابنته ما هو الفرق بين الويسكي والفودكا؟ وما الفارق بين أنواع السجائر المختلفة؟ هل القُبلة لها تأثير حلو المذاق؟ وماذا يحدث بعد القُبلة؟ هي كذلك لديها كثير من الأسئلة الملحة مما يُصدره إليها التلفاز والأصدقاء أصحاب نوع مماثل من التربية التي هي النموذج الطاغي في مجتمعنا والإعلانات والمسلسلات…إلخ.

 

لا شك أن الخير مازال قائمًا، وأن هناك أناسًا يدركون ما أقول ويحاولون بكل قوة أن يحجبوا بناتهم من الرذائل منذ الصغر، حتى يكون تحجب الجسد فى الكِبَر له دلالته في كونه يكسو قيمًا نبيلة ومشاعر رقيقة لإنسانة في مقتبل عمرها تعلم من أين الطريق وتعلم حكمة الله من الحجاب لا بلسانها ولكن بقلبها. وعلى النقيض، فتغطية الركام لن يضيف كثيرًا إلا ستر بعض الظاهر دون أن يكون داخله جوهر حقيقي، مثله مثل علبة الهدايا المغلفة تغليفًا جميلاً ولكنها لا تحوي شيئًا على أحسن الفروض أو تحوي شيئًا فاسدًا لا قدر الله.

 

ولهذا لم يستطع لساني قول مبروك، وحتى إن قلتها على سبيل المجاملة الزائفة في إحدى الأيام لن تكون إلا هواء أجوف مصدره اللسان لا القلب.

 

فنحن مسلمون نعم ولكننا اقتلعنا جذور العقيدة في نفوسنا، فأصبحت التكاليف الإلهية شاقة علينا وبالطبع ما إن تقتلع الجذور حتى تموت الشجرة وإن ظلت ظاهريًا موجودة، ولكنها كيان ميت. فأصبحت صورة الحمار الذي يحمل أسفارًا قريبة منا بشكل أو بآخر.

 

لم نعد نعي قيمة ما حملناه، فانتظرنا الفرصة كي نلقي بالذهب الخالص في أقرب مكان ونحمل أي شيء و إن كان قشًا لا قيمة له نظرًا لخفة وزنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد