سواء عن حسن نية ربما، أو لغاية في نفس يعقوب، يتطابق الموقف في كلتا الحالتين من قرارات المجلس الوطني الأخير لحزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، بالرفض لقرارات اتخذت بالتصويت، وقاضية باندماجه في حزب حراك تونس الإرادة. لن ادخل في تفاصيل القرار، وتداعياته، لكني سأتحدث عن هذا الموقف الرافض، والذي يعبر عن فهم خاطئ لمشروع «المؤتمر من أجل الجمهورية»، والفلسفة العامة لفكرة حراك شعب المواطنين، ولسبب اندماج المؤتمر في حراك تونس الإرادة.

الغاية الأساسية لحزب المؤتمر الذي اختار سبيل المقاومة المدنية وسيلة لتحقيقها هي الجمهورية، كما يبين ذلك اسمه، وقد وردت في بيانه التأسيسي الصادر يوم الأربعاء 25 تموز (يوليو) 2001، الخطوط العريضة لبرنامجه السياسي تحت أربع عناوين رئيسة، وهي إرساء النظام الجمهوري، وإرساء الديمقراطية السياسية، وإرساء الديمقراطية الاجتماعية، وردّ الاعتبار للمواطنة والمواطن، بالإضافة إلى أهدافه الاقتصادية، والاجتماعية، وتصوره للسياسة الخارجية.

لا يمكن تخيل أن تغيب عن أي منخرط في مشروع «المؤتمر من أجل الجمهورية» هذه الأهداف، والغايات فالمنطق يفترض أن كل نشاط حزبي منذ التأسيس في 2001 إلى اليوم يصب في خانة الدفع، نحو تحقيقها على أرض الواقع، لكن قد يحدث أن ينغمس المحارب في المعركة، فلا يعي انتصاره، ولا أن المعركة قد انتهت، بهذا المنطق فقط يمكن تفهم الموقف الرافض، لكن كيف  لمناضل في الحزب إذن أن يعلم أن أهدافه قد تحققت، وأنه آن له أن يضع نصب عينيه أهدافًا جديدة؟
وحدها عملية التقييم هي التي تحدد مدى تحقق الأهداف من عدمه، فما الذي تحقق من بين الأهداف التي حددها المؤتمر من أجل الجمهورية في بيانه التأسيسي؟

الحقيقة أنه على أرض الواقع، لم يتم تحقيق شيء يذكر منذ 2001 إلى غاية اندلاع ثورة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، رغم ما قدم من نضالات. الانطلاقة الحقيقية في مسار بناء النظام الجمهوري، كانت انتخابات 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، كأول انتخابات نزيهة وشفافة تقام على أساس تعددية حزبية، حرية للرأي، والتنظيم، وهي من بين المبادئ والأهداف، التي تأسس على أساس تحقيقها حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية».

حجر الأساس في مسار بناء النظام الجمهوري الحقيقي هو دستور 27 كانون الثاني (يناير) 2014. أهمية هذا الدستور تكمن في كونه جاء نتاج توافق الطيف السياسي والمجتمعي التونسي من جهة، وأنه يعتبر بالنسبة لمناضل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية ـ خصوصًا ـ تتويجًا لعقود من مقاومة الدكتاتورية، إذ يحمل الدستور ضمن فصوله: الرؤية، والمبادئ، التي من أجلها ناضل الحزب منذ 2001، ولعل المقارنة، بين ما ورد في البيان التأسيسي للحزب، والفقرة التالية من توطئة الدستور، تبين روح المؤتمر المبثوثة في الدستور ومدى تحقق مبادئه وأهدافه.

«وتأسيسًا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية، السيادة فيها  للشعب عبر التداول السلمي على الحكم، بواسطة الانتخابات الحرة، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها، ويكون فيه حقُّ التنظّمِ القائمِ على التعددية، وحيادُ الإدارة، والحكمُ الرشيد هو أساسَ التنافس السياسي، وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات».

البعض مما ورد في الدستور الجديد بدأ بالتحقق على أرض الواقع، فتم التداول على السلطة في انتخابات تشريعية، ثم رئاسية، وانطلق العمل لأجل تركيز الهيئات الدستورية، وتمت ممارسة مراقبة دستورية القوانين، والعمل على إرساء اللامركزية كأساس للسلطة المحلية، عبر التحضير لانتخابات بلدية.

هذا المسار الجديد لم يعد فيه معنى لمقاومة الدكتاتورية، فالمرحلة اليوم هي مرحلة تثبيت للديمقراطية التي تبقى مهددة بالارتداد للدكتاتورية، ما لم يتم استكمال مسار بناء النظام الجمهوري. وعلى هذا الأساس قام حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بتقييم لمساهمته الماضية، ودوره المستقبلي في المشاركة في تحديد مستقبل تونس.

الظرفية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التونسية، والوضع الإقليمي المتغير، وخطر الرجوع عن الديمقراطية يستوجب وجود حزب اجتماعي ديمقراطي كبير يتحمل مسئولية الدفع نحو إنجاح التجربة الديمقراطية لتونس، ووضع الآليات الكفيلة بذلك، والإسهام مع بقية القوى الديمقراطية، والمجتمع المدني في التأسيس لمشروع حراك شعب المواطنين تونس 2065.

اندماج المؤتمر من أجل الجمهورية في حراك «تونس الإرادة» إذن ضرورة مرحلية لإنجاح مشروع وفكرة ورؤية لتونس مرت بمرحلة مقاومة الدكتاتورية لتدخل في مرحلة تثبيت الديمقراطية، والبناء مع أكبر طيف ممكن من التونسيين.

مرحلة تثبيت الديمقراطية مرحلة مهمة في تاريخ البلاد تزامنت مع صعوبات اقتصادية واجتماعية، ووضع سياسي متحول غير متكافئ بين أحزاب حاكمة، ومعارضة مشتتة، وضعيفة، وصعوبات أمنية تعيشها البلاد في وضع إقليمي وعالمي متوتر، يجعل من إنجاحها، لا مسئولية حزب المؤتمر من أجل الجمهورية فقط أو حزب حراك تونس الإرادة، وإنما مسئولية جماعية تستوجب خطة عمل، تساهم الأحزاب والمجتمع المدني في وضعها، وتلتزم بتطبيقها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد