في مصر، قبل الاحتلال الفرنسي للبلاد، وبينما كانت مصر تتبع ظاهريًّا الحكم العثماني، وفعليًّا المماليك، الذين أفسدوا البلاد والعباد، وفرضوا الضرائب، وزادوا من معاناة الناس، وخاصة في فترة حكم إبراهيم بك ومراد بك، الذي وصفه الجبرتي بقوله «إنه كان من الأسباب في خراب الإقليم المصري؛ بما تجدد منه ومن مماليكه وأتباعه من الجور والقصور، ومسامحته لهم، فلعل الهم يزول بزواله».

ورغم كل هذا الظلم والجور الذي كان في هذه الفترة، لم تذكر لنا مقررات وزارة التربية والتعليم المصرية أي تحرك شعبي ضدهم، وهنا وجب علينا أن نذكر صورة من إحدى صور الاعتراض على هذا الحكم؛ فقد روي أن أمراء المماليك اعتدوا على بعض أهالي مدينة بلبيس؛ فذهب وفد من الأهالي إلى الشيخ عبد الله الشرقاوي، شيخ الأزهر آنذاك، وقدموا شكواهم إليه ليرفع عنهم الظلم والبطش الذي ألم بهم. غضب الشرقاوي وتوجه إلى الأزهر، وجمع المشايخ، وأغلقوا أبواب الجامع الأزهر، وأمروا الناس بترك الأسواق والمتاجر. واحتشدت الجموع الغاضبة من الشعب؛ فأرسل إبراهيم بك شيخ البلد ليسألهم عن أمرهم؛ فقالوا نريد أن نرفع الظلم والجور، وإقامة الشرع، وإبطال الحوادث والمكوسات (الضرائب). وهنا خشي إبراهيم بك من الثورة؛ فأرسل إلى علماء الأزهر يبرئ نفسه ويلقي التهمة على كاهل مراد بك، الذي كان يراسله في الوقت نفسه، ليضطر مراد بك أن يستسلم ويرد ما اغتصبه من الأهالي.

وبعد دخول نابليون بجيشه مصر، واجهته ثورة عارمة في كل القرى والنجوع، وبأبسط الأدوات، وكان للأزهر والعلماء الدور البارز في إشعال ثورة القاهرة الأولى والثانية، واستمر هذا الوعي والروح العالية للشعب المصري بقيادة الزعيم عمر مكرم ومشايخ الأزهر لفترة ما بعد الاحتلال، عندما ثار المصريون على الحاكم العثماني خورشيد باشا، وهي حادثة من الحوادث القليلة التي تحدث أن يثور الناس على والي الدولة العثمانية، ويستجيب السلطان لهم، حتى مع بداية حكم محمد علي وأثناء حملة فريزر، قائد الحملة الإنجليزية الأولى على مصر، كان للشعب الدور الأكبر في إفشال الحملة، ورد القوات الإنجليزية من حيث أتت.

لكن الغريب أنه بعد ما يقرب من ٧٠ عامًا، وأثناء الحملة الإنجليزية الثانية على مصر، لم نجد هذه الروح، ولم نجد هذا الشعب، وبعد هزيمة أحمد عرابي قائد الجيش المصري، لم نجد مقاومة تذكر من الشعب، ودخل الإنجليز القاهرة بسهولة، واستمرت هذه الحالة من السكون وعدم المقاومة لأكثر من ١٠ سنوات من الاحتلال البريطاني، حتى ظهرت بدايات المقاومة مع ظهور الزعيم مصطفى كامل، وإنشائه الحزب الوطني.

فما الذي حول هذا الشعب من هذه القوة والوعي إلى الاستكانة والذل؟! وهل كان للحملة الفرنسية ومحمد علي دور في هذا !؟وهل كانوا فعلًا رواد الحداثة المصرية؟!

في الحقيقة أنا أري سبب هذا الأمر في جزأين رئيسيين:

– الأزهر الشريف

الشعب المصري، كما يقال، هو شعب متدين بطبعه، وهذه الجملة حقيقة، ومعناها أنه يتقبل الدين ويحبه، وهو أرض خصبة له، ورغم وصف هذا الوقت لحالة البؤس والتخلف التي كانت عليها مصر، فإن قوة العقيدة لدى المصريين، وطريقة الإدارة في الدولة الاسلامية كانت تؤمن للناس بشكل كبير معنى الحرية في العبادة، والنقد، والاعتراض، والتملك، حتى في وصف طريقة كلام المصريين حينها، ستجد هذه الروح، وهذه الروح الإسلامية ستتمثل في رجال الأزهر وقوتهم في زعامة أي ثورة، ولذلك دائمًا عندما يحكم أي طاغية مصر، يسعى إلى تهميش الأزهر ورجاله، وهو واقع نعيشه اليوم.

– الحملة الفرنسية ومحمد علي

ربما نسمع كثيرًا من العلمانيين العرب عن الحملة الفرنسية أنها حملة تنويرية، نقلت مصر من الظلمات إلى النور، رغم قتلها أكثر من سُبع الشعب المصري، وأن محمد علي هو منشئ الدولة المصرية الحديثة، والحقيقة أن محمد علي كان متأثرًا بالفرنسيين وتقدمهم، واستخدمهم في إنشاء الجيش والتنظيمات الحديثة للدولة، وأرسل البعثات العلمية إلى هناك، التي أنتجت لنا أجيالَ مسخٍ تقلد الغرب، وتنسلخ عن ثقافتها، ولم تنشئ حضارة، ومحمد علي وهو ينشئ دولته الحديثة، كانت توافق هواه الديكتاتوري الاستبدادي في التحكم في كل شيء، في التعليم، والأراضي، والكلام، حتى يتحكم في الأنفاس التي يتنفسها الناس، فخلق مجتمعًا مقهورًا مهزومًا، تعود الذل والانكسار، وهذه العادة اتبعها من خلفوه، وفي واقعنا اليوم، يفعلها السيسي ومن قبله عبد الناصر، وهذه الحالة تستمر في الشعب مدة كبيرة حتى يسترد الشعب وعيه المفقود، أو تخرج أجيال أخرى تعيد البعث من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات