عندما يُذكر فتح القسطنطينية، يظن الكثير أن فتحها تمّ في يوم أو اثنين، إلا أنّ فتحها في الحقيقة دام تقريبًا 50 يومًا من الحصار والقتال.

كان محمد الفاتح شخصية عبقرية فذة منذ الصغر، وكان منذ صغره يطمح أن ينطبق عليه الحديث النبوي: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».

عبقرية محمد الفاتح أدهشت القادة الصليبيين، بالرغم من صغر سنه، فقام بالتخطيط والترتيب لفتح القسطنطينية بشكل عجيب، وقام بدايةً بما يلي:

تجنيد ربع مليون مجاهد مسلم.

بناء قلعة على مضيق البسفور، وتجهيز المدافع فيها لمنع أيّة سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من أجل الدعم.

تجهيز أسطول قوي من 400 سفينة.

عقد معاهدات مع الأعداء الآخرين للتفرغ للقسطنطينية.

تصنيع مدافع ضخمة جدًا لقصف الأسوار العالية.

بدأ الحصار وانطلق القتال فاستبسل العثمانيون في القتال، واستبسل البيزنطيون في الدّفاع، وحاولت بعض السفن العثمانية اقتحام القرن الذهبي، إلا أنّ السفن البيزنطية المتمركِزة عند مدخَل الخليج استطاعت صدّ السفن الإسلامية.

 الفكرة العبقرية 1

وبعد أيام ومحاولات عدة، استعصَى على العثمانيِين اختراق المدينة، لا برًّا، ولا بحرًا، فَخطَرَت بباله فِكرة عبقرية وهي نقل السفن برًا عبر ثلاثة أميال، من مرسى «بيشكطاش» إلى «القرن الذهبي».

فتمكّن العثمانيون ليلًا من سحب أكثر من 70 سفينة على أخشابٍ مدهونة بالزيت، وأنزلت في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو.

وعندما استيقظ البيزنطيون أصابتهم دهشة كُبرى، فما كان أحدٌ ليستطيع تصديق ما تمّ، ولقد عبَّر المؤرخ «يلماز أرنتونا» بدهشةٍ عن ذلك بقوله: «ما رأينا ولا سمعنا من قبل بمثل هذا الشيء الخارق، محمد الفاتح يحوِّل الأرض إلى بحار، وتعبر سفنه فوق قمم الجبال بدلًا عن الأمواج، لقد فاق محمد الفاتح بهذا العمل الإسكندر الأكبر».

وبوُجُود السُّفن الإسلامية في القرنِ الذهبي، سَقَطَت الرُّوح المعنوية للبيزنطيين، واختّل الدفاع عن الأسوار الأخرى، وفي نفس الوقت تمّ نقلُ المدافع الضخمة الى الهضاب، واستمر في دكّ الأسوار وقصف السفن البيزنطية، وضاعف العثمانيون هجوماتهم باستخدام السلالم محاولين تسلُّق الأسوار، ولكن دون جدوى.

ولم يكتف السلطان محمد الفاتح بهذا، فقد كان يفاجئ عدوه طيلة شهر بأساليب جديدة وطرقٍ مبتكرة غير معروفة للعدو.

 الفكرة العبقرية 2

وفي المراحِل المتقدّمة من الحصار لجأ العثمانيُون إلى طريقة عجيبة في محاولة دخُولِ المدينة، حيث عملوا على حفر أنفاقٍ تحتَ الأرض من مناطِق مختلفة إلى داخِل المدينة، وسمع سكانها ضرباتٍ شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من المدينة بالتَّدريج، فاكتشف الإمبراطور الأمر، ففاجأ الروم العثمانيون بألسنة النيران، والنَّفط المحترق والمواد المُلتهبة، فاختنق كثيرٌ منهم واحترق قسمٌ آخر، وعاد الناجون أدراجهم من حيث أتوا.

وبالرغم من ذلك، كان لهذا العمل آثار إيجابية، فأصبح الروم البيزنطيون يتخيَّلون أنّ الأرض تتحرك تحت أقدامهم، وأنها ستنشقُّ في أية لحظة ويخرج منها العثمانيون ويملأون المدينة، حتى لكأنهم «سكارى وما هم بسكارى».

 الفكرة العبقرية 3

لجأ العثمانيون إلى أسلوبٍ جديد في محاولة الاقتحام، وذلك بأن صَنَعُوا قلعة خَشَبية ضَخمَة شامِخة تتكون من ثلاثة طوابق وأعلى من الأسوار، وقد غطّيت بالدروع والجلود المبلَّلة بالماء لتمنع عنها النيران، وملئت القلعة بالجنودِ في جميعِ الطوابق، وقد كان أصحاب الطابق العلوي من الرماة يقذِفون كل من يطلّ من الأسوار، فدبّ الرعب في قلوب المدافعين عن المدينة، فالتصقت القلعة بالأسوار وبدأ القتال وظنّ الإمبراطور قسطنطين أنّ الهزيمة حلت، إلا أن جنوده كثَّفوا إطلاق النار من الرعب، فتمكنت النيران من القلعة وسقطت على الأسوار وقتلت من فيها من الجنود.

ثم زاد الحصار وقوي واشتد حتى أرهق من بداخل المدينة من البيزنطيين.

 الفكرة العبقرية 4

ومن أعجبِ ما قام به السّلطان محمد الفاتح، هو طريقة تحفيز جنوده، فأوقد ذات مساء نارًا كثيفة حول معسكرِهم وتعالت صيحاتهُم بالتهليل والتكبير، حتى خيِّل للروم أنَّ النار قد اندَلعت في معسكر العثمانيين، فإذا بهِم يكتشفون أنَّ العثمانيين يحتفلون بالنّصر مقدّمًا؛ مما أوقع الرُّعب في قلوب الروم.

وكان السلطان يخطب في جموع جنوده ويثير فيهم الحمية والحماس والثواب الجزيل من الله ورفع راية الإسلام، وكان علماء المسلمين وشيوخهم يتجوَّلون بين الجنود، ويقرأون على المجاهدين آيات من سورة الأنفال، ويذكِّرونهم بفضلِ الشهادة في سبيلِ الله، فهاجت نفوس العثمانيين للقتال، وتطلَّعت أرواحهم للموتِ في سبيل الله.

 الفكرة العبقرية 5

كان الهُجُوم النهائي متزامنًا برًا وبحرًا في وقتٍ واحد حسب خطَّة دقيقة، وكان موزَّعًا على كثير من المناطق، ولكن فكرته العبقرية هنا هي التركيز على منطقة واحدة تدعى «وادي ليكوس» والضغط عليها، فبعد أن أنهِكَت الكتيبة الأولى التي أبلت بلاءً لا مثيل له، وكان السلطان الفاتح قد أعدَّ فرقة أخرى، سحب الأولى ووجّه الثانية، وكان المدافعون البيزنطيين قد أصابهُم الإعياء، وبعد قتالٍ عنيف قرب الأسوار، أمر السلطان جنوده بأخذ قسطٍ من الراحة بعد أن أرهقوا المدافعين أكثر، وأصدر أمرًا لقسم ثالثٍ بالهجوم على الأسوار من نفسِ المنطقة، وفُوجئ المدافعون بتلك الموجدة الجديدة، وهكذا كان القتال مفتوحًا في أكثر من جبهةٍ واحدة في وقت واحد.

وبالتركيز على منطقة واحدة وإعيائها، ختم الهجوم بقسم أخير من شجعان الإنكشارية، يقودهم السُّلطان شخصيا، فتمكنت فرقة منهم من تسلق الأسوار والتمهيد لدخول المدينة عند «طوب قابى» ورفعوا الأعلام العثمانية، وبهذا انهارت عزيمة البيزنطيين ودبّ اليأس في قلوبهم، وتمكّن العثمانيون من اقتحام الأسوار في ناحية أخرى من المدينة في «باب درنة»، ورفعت الأعلام العثمانية أيضًا، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة، وبعد انتشار خبر مقتل الإمبراطور قسطنطين، خارت قوى المدافعين البيزنطيين تمامًا، وهكذا تمكَّن المُسلمون من الاستيلاء على المدينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد