التصحيح المعرفي .. العصف الذي يمنحك صورا عالية الجودة

كثيرًا ما تراءت لي صور متعددة ومعان مختلفة عن الأمانة التي كُلف الإنسان بحملها عن غيره من الكائنات والمخلوقات، فمسألة الأمانة مسألة واسعة فضفاضة، لأنها ببساطة تشرح وجودنا والقضية من خلقنا، إلا أن المعنى الأكثر قربًا للأمانة البشرية بالنسبة لي هي مسألة التحكم أو السيطرة على نفسك، أو بشكل ألطف «إدارة الذات».

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تم تهيئته وتهيئة أدوات له، بحيث يمكنه أن يختار من متعدد كلما أُتيح له الاختيار، وأن ينظر في المتعددات نظرة من يعرف خيرها وشرها والعائد وراءها وإلى مدى يمكن أن تكون متعدية الأثر. فهذا تكليف عليه حمل همه بشكل فردي ثم يحاسب على اختيارته في أصغر القضايا وأكبرها متى ما كانت هذه القضايا ذات وزن قيمي يجعل من كل عملية اختيار عملية جادة ومسؤولة.

قضية الأمانة والاختيار تطال السلوكيات الظاهرة والكلام وتطال أيضا تلك الاختيارات الساكنة التي لا يسمع عنها أحد، والتي يمكن أن تكون منتجة لمنظومة فكرية وردود أفعال وأشكال معينة من التعاطي مع الآخر والحياة.

إن كل هذه الاختيارات الساكنة تشكل في ديننا مجال المسؤولية الفردية الداخلية (أي التي تتم عملياتها داخل الذات) ومن أمثلتها: العزم والتصميم والنية والحسد وسوء الظن وكل الأصوات التي لا تُسمع خارج الذات -على الأقل- على المد القريب، وهذه هي التي نريد من خلال هذا المقال مقاربة لتصورها والتعامل معها باعتبارها عالما في غاية الأهمية والخطورة.

إنه عالم يصنع منظارا تختلف تفاصيل مناظره باختلاف الرائي، مما يجعل المنظار فريدا يحوي فرديتك وطريقتك الخاصة في التفكير والتفاعل مع ما تتلقى، إنها دعوة للعناية بهذا المنظار من تنظيف متعهد للعدسة، من عناية جادة لهذا الجهاز الذي يتلقى وينتج من حيث لا يدري، تفاصيل فارقة جدا.

إنها دعوة للحصول على صور عالية الجودة، التصحيح المعرفي نعني به عصف واع ويقظ للأفكار التلقائية أي التي الأفكار التي أنتجتها منظومتك الفكرية بمدة كافية، بحيث أصبحت صلبة ومتفاوتة الرسوخ عصف لا يريد الإلغاء ولا المقاومة بقدر ما يريد التحقق والتمحيص والمحافظة على ما يجدي من الأفكار ونبذ ما لا ينفع.

عندما تتعرض لأي مثير، فإن الأفكار التلقائية هي أول ما يخطر على بالك وقد تنتج هذه الأفكار مشاعر معينة والتي تنتج بدورها سلوكا كتحصيل حاصل، إذن فأول هذه العملية أن تفكك الأفكار التي تراودك ليست  مشاعرك، وليست أنت، وليست شيئا لا يمكنك الفكاك منه، بل المشاعر والسلوك ناتجين عن الفكرة التلقائية، قد تكون هذه العملية خاطفة وسريعة جدا لأنها عملية عقلية بحتة فتحسِب النواتج من ذاتك أو خارج قدرتك على إعادة النظر، إذن فالتفكيك هو رأس الخيط، قد لا تدرك أول الأمر أن موقفا من آلاف المواقف التي تكون جزءا منها يمكن أن تفككها، بحيث تبدأ بفهم كل جزء منها على حدة، سيكون هذا صعب الفهم لأنك تعيش يوميا هذه المواقف، لكنها كذلك ثم إن لك كامل الحق في أن تتحمل فقط تلك الأجزاء من الموقف التي تقع تحت مسؤوليتك لأنها هي وحدها مجال المسؤولية الفردية السالف ذكرها، فكك الموقف جيدا بالنسبة لمصدره ومادته.

أولًا: المثير: العنصر الذي أثارك في الموقف (تذكر أن ما حدث أمامك هو فقط ما حدث أمامك، وليس فكرته عنه إذا كانت فكرتك الأولية عنه سلبية فقد تنتج ما ليس صحيحا فلا تصدقها بسذاجة).

ثانيًا: العنصر الفوري بعد حصول المثير: وهو الأفكار التلقائية، راقب ما هي الفكرة الأولى التي تبادرت إلى ذهنك ،فالأسرع هي الأكثر تلقائية، اقبلها لا ترفضها، امنحها القبول الكافي للوجود والكيان لأن مجرد مقاومتها سيمنحها فرصة للكرة والتنغيص عليك، بعد قبولها عليك تحديد أصلها ونوعها والآلة التي أنتجتها إذا كنا نتحدث هنا عن التصحيح والعصف فنعني به الأفكار الخاطئة التي تصنع مشاعر وسلوكيات سلبية أنت في غنى عنها، إذن عليك أن تعرف أي الظروف صنعت هذه الفكرة التي تكونت مما حصل لي وتلقيته من العالم الخارجي؟

ما مدى صحة هذه الفكرة وعلميتها وموافقتها للموقف؟ ما مدى ترابط واتساق هذه الفكرة مع القول أو الفعل الذي حدث أمامي؟

فسرها جيدا، بعد قبولها امنح لنفسك فرصة دراستها جيدا حتى لا تندم من نتائجها إذا أطالت المكوث في عقلك، أخيرا طبعا المشاعر الناتجة والسلوك المتواتر عن الشعور، أهم شيء في هذا التفكيك هو الأفكار لأنها هي التي ترسم الحلقة، الفكرة الواعية التي صنعها العقل حال اليقظة هي أفضل الأفكار والتي هي من أجمل ثمار إدارة الذات، أما تلك التلقائية فهي نوع من مستويات التفكير اللاواعية التي تتكون أيضا من التمحورات كمستوى أكثر ترسخا وبعدها المعتقدات وهي الأكثر حفرا وملازمة لعملياتنا العقلية.

التلقائية قد تكون خطأ من أخطاء التفكير المعروفة كنظريات المعرفية المصنفة في علم النفس:

 قد تنتج عن المثير -تعميما- أو -موقفا حديا- بحيث لا تقبل إلا أحد قطبي الحكم: جيدا جدا أو سيء جدا، قد تعالج المثير -بتصفية عقلية- لا تعيطك إلا التفاصيل السلبية، قد تعمد إلى -تهويل- المثير جدا أو -تصغيره- جدا فتنتج فكرة مهولة أو مصغرة غير كافية، قد تحاول -التنبأ بأفكار غيرك- وليس في يدك وسائل ذلك فتنتج فكرة كرد فعل لا فعل له من الأساس، إلى آخر ذلك من النظريات المعرفية.

التمحورات هي تعلقات نفسية ونظرية بأفكار معينة أو احتياجات معينة يكون ذهنك أكثر سبقا لمعالجتها عن باقي الأفكار والاحتياجات، هذه التمحورات هي الأكثر رسوخا في النفس، تشكلت عبر تجارب الحياة أو الطفولة أو قد تكون وراثية المصدر، أما المعتقدات فما أكثر ما يكون سببها اكتساباتنا الموروثة غير الصحيحة وغير الناضجة لمفاهيم دينية ودنيوية.

إنها نوع من تلك البديهيات التي أخذناها من غير مراجعة أو استدلال صحيح، وهي الأكثر رسوخًا في النفس من التمحورات، لأن ما أنتجها متصل بمن يتكلم في الدين والشرع لا تشك كثيرًا في مصداقيته بسبب قلة علمك أو ورعك عن التفكير والبحث الشاك والمستدل للقضايا الدينية ومحاولة أخذها من المصادر العلمية والموثوقة.

فانظر كيف يكون عدم توثيقه لما تسمع وما تأخذ سببا في فساد التفكير وانحراف المشاعر والسلوك، مراجعة هذه المستويات اللاواعية ومحاولة استدعاء أخرى بديلة واعية تحل مكانها بحيث تنتج حلقة أخرى منافسة لها، بعد العصف عليك صنع حلقة أنت مطالب إزاءها بالتكرار والتفكير في تفعيلها كل مرة على نفس المثير، فيعصف بتلك الحلقة السلبية ويحضر لتمتين نمط تفكير جديد واع ويقظ لا يحمّل المثير أكثر مما يحتمل ويأخذه ويتفاعل معه على حقيقته لا غير، هذا طبعا بعد عمليات متكررة وبلبنات متتالية ترصها كل يوم.

إن الصور عالية الجودة تستحق كل هذا العناء من أجل التقاطها، إنها وضوح أكبر لما تتلقى، تريك التفاصيل الموجودة لا غير، تريك ما أنت مقبل على التفاعل معه والتفكير به والشعور به  لا غير، تنقح تلك الصور قليلة الجودة والمكلفة -أحيانا-، نمط حياة حتمي.

لطالما وقف العقل الواعي موقف الضعيف وقليل الحيلة أمام اللاواعي، يمكنك أن تعرف هذا بتعب البشر من برمجاتهم وغلبتهم أمام حاضر ومشاهد وتصورات لم يملكوا لها سببا وهزيمتهم في عملية «عيش حياة جديدة» كما يحلو للبعض أن يسميها. لكنني أعتقد أن العقل الواعي أقوى من اللاواعي قوته في أصله، في كون الوعي جالبًا ومصدرًا له.

الأفكار الباطنية والمتجذرة ضعيفة جدا رغم ما تبديه من قوة وصلابة ومقاومة مزعومة يطفئها الوعي ويجتث ركنها، إنها تتبخر في حضرته وتصبح سرابا لأنها في مادتها وهم باطنك المتجذر في أرض نفسك وعقلك – ذو التفرعات التي صنعت خارج الأرض حقلا شائكا من مشاعر وأفكار هشة ما لها من قرار – أضعف ألف مرة من بذرة وعي وحيدة تزرعها واثقا من نبتها ومستقبلها ،ستغدو أشجارًا عمرها حياتك. ربما حياة جديدة أجمل وأقوى كالتي تمنيت عشيها وفشلت أيام الوهم واللاوعي، لذلك أسقط على كل فكرة أو برمجة غير فعالة وغير منتجة لك في حياتك جالبة للمعاناة والتذمر مصباح وعيك وسترى اختفاءها تحت ضوئه.

إن الأخذ بأسباب التنقيح والاستدلال والشك في ما يراودك يغنيك عن الحقول الشائكة من المشاعر والسلوكيات التي تقدح في إدارتك لذاتك وفي أمانتك للمهمة البشرية التي حُملتها وكُلفت بها وتقصر بك عن مقام تكليفك وتشريفك.

وهذا كثير جدا وغال جدا يستحق كل هذا التدبير والمران والتبصر والتفكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وعي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد