كنت أستمع من فترة لأغنية (والله ما عايز)  لفرقة كايروكي، وكانت كلماتها كالآتي:

(والله ما عايز غير بيت في بنت الصبح بتفرد ضفايرها

وعيال بتقوم من النوم بتجري عليا من غير حتى ما تفتح عينيها

والله ما عايز غير كباية شاي وبوسه حب ورضا من الحال

وجرايد اخبارها عال وابتسامات الناس في الشارع ترجع تاني زي زمان

والله ما عايز بعد الشغل غير إني أروح تعبان من الحر وبتطوح

والقى حبيبة قلبي بتضحك ولا طراوه بيت بتاخذني بترد الروح

هم الدنيا في لحظة يروح ولا عيال بيجروا عليا ويحضنوا فيا

وياخذوا الشنطة يقلبوا فيها وياخذوا الحاجة الحلوة ويجروا

وبعد الظهر اقرأ الجورنال وحبيبتي أجمل شئ في

الدنيا واقفة تكويلي القمصان وتبصلي وانا تعبان

والله ما عايز غير حضنك واتغطى وانام)[1].

بالطبع إنها من إحدى الأغاني المفضلة لي وتتحدث عن أحد البشر الذي لا يحتاج غير البساطة والقناعة بأقل الأشياء ويرى فيها ما هو جميل، ولكنها أثارت فضولي هل نريد تلك الحياة؟ هل لا نريد سوى أن تكون حياتنا أكثر مثالية وهدوء، لا نأخذ مخاطرة في أعمال جديدة، لا نشعر بالأدرينالين، لا نشعر بالفشل ولو ليوم؟

هل يمكن أن تكون القناعة عدوا أساسيا للإصرار الذي يعتبر هو وقود النجاح؟ الإصرار الذي جعل الإنسان يستطيع أن يطير على الأرض متحديا جاذبيتها! الإصرار الذي جعل الإنسان يغوص في أعماق البحار! الإصرار الذي جعلنا نطفو على القمر!

هل إذا جاءنا مرض القناعة – إذا كانت مرضا –  ستكون نهاية الإصرار؟

أعتقد ذلك عندما تأتينا القناعة سنرضى بأقل القليل لمجرد أننا لا نريد أن نرهق أنفسنا في شيء جديد، وذلك ما يجعلني أتذكر مقولة لوائل الفخراني في أحد لقاءاته المصورة قائلا: (بأنه مريض قولون، وإذا شعر في يوم بأن القولون هادئ لا يتعبه – وذلك معناه أنه لا يتعب في عمله – حينها فقط يترك العمل؛ لأنه يريد دائما أن يرهق نفسه في العمل دوما يبحث عن الأفضل).

هذا تفكير أحد هؤلاء الذين يبحثون دائما عن الأفضل، فعندما يشعر مجرد الشعور بأن القناعة تقترب منه يبدأ في البحث عن ما هو يثير الأدرينالين في جسده يريد أن يشعر بالأفضل، لا يهرب من الهم، بل يمتطيه كفرس بري يحاول أن يكون فارسه.

فالقناعة تجعل العقل البشري يتوقف عن التفكير في الغد لا يفكر سوى في اليوم وراحة اليوم، لا يريد المخاطرة، ولا يريد البحث عن الأفضل مجرد الرضا بالحال.

وهذا ما يجعل الكثير منا لا يرضى بأي عمل، فإذا تناسبت ظروفه لجعله فقط يستطيع أن يعيش، حتى إن كان على نفقة الآخرين، فذلك سيجعله يتوقف عن البحث عن أية وظيفة، ويلقي بهمه على الآخرين ويكون لديه قناعة تامة بأنه مظلوم، ويقتنع بالفكرة التي تتطور ويمكن أن يسوء الأمر ليتحول لأحد هؤلاء الذين يسيرون في الشوارع طمعا في صدقة؛ لأنه اعتاد على أن يعيش الحياة على نفقة الغير، وكانت البداية القناعة فقط، والقناعة تتحول تدريجيا لنوع من أنواع التساهل في كل الأمور، وأخذ ما هو أيسر لنا حتى إن كان التسول ونسيان كل ما هو يتعلق بالكرامة والحب، وتنطلق مشاعر أخرى كالبخل والأنانية.

لا أعلم إذا كنت أحارب القناعة فعلا أو أظلمها، ولكن هناك فرق كبير بالرضا بالذات والبحث عن الأفضل، أو القناعة بما أنت فيه، ولا تحاول أن تحسن من ظروفك.

ويمكن أن نقول مثال لاثنين فقدا أطرافهما، أحدهما رضي بذلك، وبدأ يعيش على نفقة الدولة والتعويضات، أما الآخر فأخذ النفقة والتعويضات وحارب نفسه، وأصبح بطلا في إحدى الرياضات ليكون رمزا لمحاربة القناعة.

ذلك يدل على أن هناك نوعين من القناعة، أحدهما القناعة السلبية التي تجعلك ترضا بحالك، ولا تفكر في التحسين، ودائما تقول (أحسن من غيرنا)، أما القناعة الإيجابية، فهي التي تجعلك ترضى بحالك، وتؤمن بأنك أحسن من حال غيرك، ولكن مع ذلك تستطيع أن تكون أفضل من ذلك.

الرضا بالحال يحفز بداخالنا هرمونات الكسل والهروب من الواقع ولا يجعلنا نجازف، ارض بحالك بالطبع، ولكن لابد أن تحارب، ولا تكن ضعيفا، ولا تكن كسولا، وقسم وقتك، وحدد أولوياتك؛ حتى تستطيع أن تحقق كل ذلك في آن واحد.

القناعة في الغالب تقف حائلا بيننا وبين تحقيق أهدافنا، فلابد من التسلح بالإصرار على النجاح، ولا ترضى بنفسك حتى إذا وصلت للقمة، فلابد أن تحارب أكثر وتثابر أكثر.

وأحب أن أختم ذاك المقال بمقولة الراحل د. إبراهيم الفقي رحمه الله: (أنت هنا اليوم بسبب قرار أمس، وستكون غدا بسبب قرار اليوم).

 

[1] ملحوظة: تم اقتطاع الكلمات من فقرات فإنها غير مرتبة وتم حذف بعض فقرات في الأغنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد