مجموعة من التناقضات تخفيها الآلة الإعلامية الغربية التي يديرها النظام العالمي، وتبرز أوروبا والغرب في صورة مثالية، رغم جبروتها وعنصريتها التي تبدو ظاهرة حتى في أصوات مشجعي كرة القدم. هذا الواقع الذي استهوى قلوب المهاجرين، وأبواق الغرب ومخالبه في بلادنا هو ما استدعاني للكتابة. هذه السلسلة من الكتابات التي نبدأها تحت عنوان لا بد من صناعة وعي، هو لقطع الطريق أمام أي شكل من أشكال التغريب، وفتح باب للاستعمار الجديد، الذي يقوده النظام العالمي بصورته الليبرالية المشوهة التي لا تحترم سيادة الشعوب، ولا تراعي حقوقهم، وتحافظ على ثرواتهم أمام جشع الرأسمالية، وبدواعي الهيمنة الثقافية والتفرقة السياسية كما يقول فوكاياما. لذلك نحن أبناء أفريقيا والوطن العربي وكل دول العالم الثالث من نقود هذا الوعي دون الذوبان في الغرب، أو الوقوع في شرك المؤامرات التي تحاك ضد دولنا النامية بغرض إضعافنا وتفكيكنا.

هذه المؤامرات كانت تأخذ أشكالًا متعددة، والآن بدا واضحًا للعيان من خلال توسع الأطماع الغربية للسيطرة على مواردنا، ومن خلال المسوغات التي يبرر بها مثقفوها هذا النوع الجديد من الاستعمار.

حقائق لا بد منها

لا شك أن أوروبا والغرب نهضت ووصلت الثريا، ونحن ما زلنا نقتتل! نعم أوروبا والغرب تعافت، ولكننا ما زلنا نموت بأمراض العصور الوسطى. هذه النهضة المتسارعة والتطور التكنولوجي والتسابق نحو امتلاك القوة العسكرية والاقتصادية ما صنعه هو مواردنا، نعم مواردنا.

لا تنس وأنت في غمرة انبهارك ببرج إيفل، وتستمتع بأخذ السيلفي، تذكر أن أجدادنا الرقيق هم من بنوا إيفل ورووا أساسه بدمائهم. ولا تنس في كل عطلة أسبوع وأنت ذاهب إلى السيرك في روما، أن هذه القلاع كان يستمتع فيها الأوروبيون باقتتال أجدادنا! دماؤهم تسيل وهم يستمدون لذتهم من هذا الاقتتال الوحشي بالأسلحة الفتاكة بكل سادية! متى بدأنا نستعيد أنفسنا؟ هل نسينا قلعة العبيد في جزيرة غوري؟ هل نسينا إبادة الهنود الحمر؟ هل انمحت عن ذاكرتنا حالة الاسترقاق والعبودية المتوحشة في أمريكا؟ أم لم يعد مارتن لوثر كينغ مناضلًا ومنقذًا؟

أعود وأقول لا بد من صناعة وعي. ما تصنعه الآلة الإعلامية لتصوير الغرب في صورة مثالية ما هو إلا مواصلة لحالة الاسترقاق والاستعمار بما يخطط له النظام العالمي، ما هي إلا حلقات متتابعة من مسلسل الخداع والاستغفال. ما زال الغرب متمسكًا بمقولاته الفلسفية وتبريراته الاستعمارية: «المساواة الأخلاقية، والتفرقة السياسية والثقافية، احترام للأفراد واحتقار طرق حياتهم، رفض العنصرية، وتقبل الهيمنة الثقافية».

في الوقت الذي تستمع أوروبا بتمريرات بوغبا المسلم هناك يضيق على زينب المحجبة. وفي الوقت الذي يبذل مبابي جهده لصناعة مجد لفرنسا هناك في الإليزيه قانون لا يسمح له بحكم فرنسا، ولا يستطيع المحاولة. فمشهد كأس العالم وتهيئة البيئة للأفارقة وإبداعهم الكروي، مثله مثل السيرك في المشهد السابق. ما زال الغرب في تناقضاته، انظر إلى حال اللاجئين في أوربا كلها.

لكننا انطباعيون لمجرد استقبالنا بمعطف، أو معاملتنا بلطف، ننسى ما الدوافع وراء هذا العمل الإنساني؟ وهنا يكمن الخطر، وهذا ما خطط له الليبراليون الجدد. لذلك لا بد من وعي، ولا بد لنا من صناعة نهضتنا بأنفسنا بعيدًا عن أيدي الغرب الملوثة، ومخططاته الماكرة، وأفكاره الشيطانية.

معًا من أجل المحافظة على ثروات أفريقيا حتى لا نقع في ما وقع فيه أجدادنا. كل ما يحدث حولنا من مأساة ومعاناة تصنعه أيادٍ غربية: تشظي الصومال وصراعات القرن الأفريقي، وموت قرن وحرب الجنوب، واغتيال زيناوي بدم بارد، وحتى حادثة اغتيال مدير سد النهضة، ثروات أفريقيا تحتاج لوعي شعوبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد