قال تعالى: «…ومِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون».

جاء الدين واضحًا بتعاليمه الربانية في مسألة الزواج بوصفه رباطًا مقدسًا، قوامه المودة والرحمة والسكن، لكن في وقتنا الحالي تغيرت مفاهيمه فأصبح عبارة عن صفقة تجارية، وأصبح الزواج كغيره من التعاملات الربحية، قائمًا على الحاجات الشخصية دون التفكير في الأبعاد والأهداف، وسبل التأسيس الصحيح للبيت السعيد، لكل طرف غاية في نفسه يسعى إليها ضاربًا عرض الحائط بكل القوانين السماوية وحتى الوضعية منها، فأصبح الرجل يقدم على بناء علاقة غير متكافئة أو العكس، فتارة ترتبط المرأة لأنها وصلت لسن حرج فاختارت الاقتران بمن لا يناسبها كي تلحق بقطار الأمومة قبل فوات الأوان، ورجل فتنته امرأة سيئة الخلق فضمها لحياته من أجل المتعة متجاهلًا ميوعتها ورعونتها لأن هناك ما يشفع لها، وغيرها من الأمثلة كثير!

ونظرًا إلى الانفتاح السلبي على العالم جرّ كثيرًا من الأسر إلى التساهل وتجاهل الحكم الشّرعيّ في بناء العلاقات الشرعية بحجة التحضر، ما دامت من ضرورات الواقع والمستجدات، فأصبحوا يختلقون المبرّرات والأعذار الواهية للالتفاف على حرمتها الواضحة بالنّقل والعقل، لقلّة علمهم بالشّرع وبأصوله ومقاصده، وإلاّ كيف لهذه العلاقات التي ما عادت تفاصيلها ونهاياتها تخفى على أحد، كيف لها أن تكون مباحة، والله جلّ وعلا يقول: «فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا».

فإذا كان اللّين في القول محرّمًا، فكيف بالمحادثات الطّويلة؟ وكيف بالاسترسال في النّظر؟ وكيف بالخلوة التي قال فيها نبينا الكريم – صلّى الله عليه وآله وسلّم – في شأنها: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشّيطان ثالثهما»؟ ثمّ هل يشكّ عاقل في أنّ هذه العلاقات التي تقام قبل الزّواج، هي من الطّرق التي ذلّلها الشّيطان لإيقاع شباب المسلمين في الفاحشة الآثمة، ومعلوم أنّ الله – جلّ وعلا – لم يحرّم الزّنا فحسب، وإنّما حرّم كلّ ما يؤدّي إليه، فقال جلّ شأنه: «وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا».

كما أن نظرة المجتمع غير المنطقية التي تبني حياتها على أعراف وتقاليد بالية أن المرأة فقط للزواج والإنجاب، عليها أن تقبل بأي كان حتى ولو بالخيانة، معللين ذلك أن الشرع أباح أربعة، مع العلم أن الشرع بريء من تأويلاتهم الجاهلة للدين، واشترط العدل لكونه ميزة لا يتصف بها إلا من تشبع بعلوم الدين الفقهية، وكان رجلًا بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني الشهامة والصدق.

أحيانًا تجد من فاتها القطار كما يقال، مع العلم أن الزواج قسمة ونصيب، ناصحات أمينات لها من صديقاتها أو حتى الأمهات، للمرأة التي بلغت سنًّا معينة، أن تقبل بأي شخص يتقدم لها، فما يهم هو أن تحظى بالذرية، خيرًا من أن تبقى وحيدة طوال عمرها. ألا يعد عدم الإنجاب أفضل من إضافة ضحية جديدة للظروف؟ ثم كيف ستكون الحالة النفسية لتلك الثمرة التي نمت عن طريق ذاك الزواج؟ مع العلم أن ما بني على مصلحة فهو زائل، وما بني على حسن نية فهو دائم، ولننظر إلى تاريخ الآباء والأجداد الذين نجحت علاقاتهم وفتحوا بيوتًا تحفها ورود الفرح والسعادة والخير الكثير، كان زواجهم ناجحًا لأنهم أسسوه على الشرع، أما الزواج الحالي فبني على الحب المتنوع للنفس الطماعة والمتقلبة التي تريد امرأة بمواصفات محددة، والرجل بمنصب، فتجدهن يرتمين في أحضان المتزوجين والسكارى والمرضى، وحتى المجانين من أجل الظفر بلقب متزوج أو متزوجة. ماذا عن اللواتي يحكمن بالإعدام على أنفسهن من خلال الارتباط بالمنحرفين والشواذ والمدمنين؟

ترى الرجال والنساء في كل واد يهيمون يفعلون ما لا يعقلون، تحت اسم الحب المزيف، فيكشف لهم الواقع أن الحب الذي جمعهم ما هو إلا نزوة عابرة وطيشًا، حتى وإن كانوا راشدين، فتكون آثارها جانبية ولها تبعات تدفع المرأة ثمنها غاليًا على الأغلب، والواقع يشهد لنا بهذا، من مشاكل ناتجة عن هذه العلاقات المرضية التي لا تستند لا إلى قانون شرعي ولا مدنيِ.

هل الزواج في وقتنا الحالي وجد فقط من أجل المتعة ولا شيء غير المتعة؟ هل جمال المرأة وحده كافٍ ليشفع لها لدرجة تجاهل سوء أخلاقها؟ وهل منصب الرجل ومكانته تشفع له تجاهل سوء أخلاقه؟ إن طريقة تفكير الناس اختلفت كثيرًا مؤخرًا، فبعدما كان شرط القبول بالرجل دينه وخلقه، وبعدما كانت الزوجة الصالحة مقصد كل باحث عن التعفف، أصبحت المصلحة سيدة كل موقف.

أصبح الارتباط غير الشرعي بالطرف الآخر سواء كان بالخيانة الزوجية، أو إقامة علاقات خارج إطار الزواج، أمرًا عاديًّا، رغم تجريم القانون له، إلا أنه يبقى قانونًا ذكوريًّا يحمي الرجل أكثر مما يحمي المرأة، مع العلم أن الاثنين مذنبان، فمثلًا نجد أن الخيانة الزوجية، سواء من طرف الزوج أو الزوجة، فعل مستقبح يرفضه الدين والعرف والقانون والناس، تجده أحيانًا أمرًا عاديًّا يؤيده البعض باسم الحرية الفردية، والمضحك المبكي أن بعض الأزواج، رجلًا كان أم امرأة، يقولون وبلهجتنا «خاصني نوع واش أنا ناكل العدس كل نهار». الشرع حلل التعدد وبشروط، لماذا تعقِّدُون الأمور؟ فالخيانة جرم لا يغتفر ويعد زنا، والله دعانا إلى العفة والتحصن، فما بال هؤلاء القوم يقرؤون ولا يفقهون.

والخيانة من قبل الزوجة أو الخطيئة من طرف المرأة أشد وأشنع في نظر الناس والعرف. في حين أن المجتمع يتساهل مع الرجل في هذا الأمر، إلا أنه لا يغفر للمرأة خيانتها، رغم أن العقوبة في الإسلام واحدة، بصرف النظر إن كان مرتكب الخيانة الزوجية رجلًا أم امرأة.

عمومًا، عندما يلغي الطرفان عقلهما كثيرًا دون أن يفكرا في أن النهاية لا بد وأن تحمل معها كارثة، تبدأ بخراب بيت وتشويه أسرة وتنتهي غالبًا بقطع الرقاب وإراقة الدماء.

لا أحد يعذر الخائنين، شعورهما العميق بضعف كلاهما يجعلهما – دون إدراك منهما – يقعان في الخطيئة، الرجل يريد أن يثبت رجولته من خلال تعدد الفتيات الراغبات في الاقتراب منه، وهي تريد أن تتزوج، فيقعا في الممنوع.

لماذا العلاقات خارج إطار الزواج (الزنا) في القانون الوضعي تعد من موجبات الحرية وهو لا يعد جريمة إلا إذا اقترن بعنف؟ فليس كل وطء محرم أو مواقعة زنا، ولا عقاب على المواقعة إذا كان الرضا موجودًا، فيتعارض القانون الوضعي مع القانون الإلهي وشريعة الرحمن التي نحكم بها منذ 1441 سنة.

هل تعلم أخي الكريم أن الزنا فعل مشين يهدم كل العلاقات الاسرية، وينشئ أطفالًا غير شرعيين لا ذنب لهم؟ والقوانين الوضعية تساهلت في هذا الأمر فأصبح الحرام حلالًا تحت اسم العلاقات الرضائية والحرية الفردية، فانهارت القيم والمبادئ التي تبني مجتمعًا متماسكًا له قوانينه الشرعية والمدنية بحكم هذه الحرية التي تمس الآخر.

فمثلًا القانون المغربي في فصله 490 من القانون الجنائي، يعاقب على العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء خارج الزواج بالحبس من شهر إلى سنة، بينما يعاقب الفصل 491 مرتكبي جريمة الخيانة الزوجية بالحبس من سنة إلى سنتين، شريطة وجود شكوى من الزوج أو الزوجة المجني عليها، في وقت يمكّن الفصل 492 من إسقاط المتابعة في الخيانة الزوجية إذا تنازل أحد الزوجين عن شكايته، بينما لا يستفيد الطرف الآخر المشارك في الخيانة من هذا التنازل لكن الفصل الأخير يعفي الجاني في حالة تنازل المشتكي عليه من السجن. وهو فصل يجب النظر فيه، ومعاقبة الجناة بالتساوي، حتى وإن وجد تنازل من المشتكي.

آن الأوان لنوقف هذا الانحدار والانزلاق المجتمعي الكارثي نحو الهاوية، فالتّساهل في أمر هذه العلاقات المحرّمة شرعًا دفع الكثير من الشّباب إلى العدول عن فكرة الزّواج العفيف، واستبدال الفاحشة الآثمة به، والتي أصبحت الطّريق إليها معبّدة باسم التّعارف، وأصبح العفاف يتّجه ليكون موضة قديمة لا تلقى أيّ اهتمام بين كثير من بنات المسلمين.

إنّ على الآباء وأولياء الأمور أن يتّقوا الله في بناتهم ويوقفوا هذا الانحدار الخطير نحو الهاوية، وعلى بنات المسلمين أن يتّقين الله في دينهنّ ويلزمن العفاف والإباء، ويرفضن هذه الطّرق الملتوية، ويكون شعار الواحدة منهنّ: «من أراد الحلال فليأتِ البيت من بابه». وعلى شباب المسلمين من جهتهم أن يتّقوا الله في بنات المسلمين، ويكونوا رجالًا بحقّ، لا يرتضي الواحد منهم لأيّ مسلمة أخرى ما لا يرتضيه لأخته ولا بنته في المستقبل..«إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (النّور، 19– 21).

ومشكلة الجنس واختلال نظامه لا يمكن معالجته إلا من حيث أتى الخلل إلى نفوس أبناء هذا المجتمع، الذي ينبغي أن يتمثل بأسمى مبادئ الأخلاق والنزاهة، ويتحلى بأبهى حلي الفضيلة والآداب، فلا بد من الرجوع إلى المكارم، والعودة إلى السبيل الموصل للعزة والكرامة، السبيل الذي سلكه أمجاد هذه الأمة وسادتها ومفكروها في بناء مجتمع سليم ومتكامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد