راهنت حكومة الإصلاحيين، بقيادة روحاني، على إبرام اتفاق نووي مع الغرب، والولايات المتحدة. الأمر الذي يفتح الأفق على الاقتصاد الإيراني بعد سني الحصار. وكما أشار مقال سابق إلى حجم العقود الموقعة مع إيران، بعد فك الحصار عنها إذ من المتوقع أن تبلغ إيران ذروة الإنتاج النفطي في عام 2020. ومنذ رفع العقوبات المفروضة على إيران، زاد إنتاجها من النفط الخام بأكثر من مليون برميل في اليوم، وفقًا لتقارير طومسون رويترز لأبحاث النفط. فإنتاج يناير (كانون الثاني) 2018، بلغ 3.82 مليون برميل في اليوم. وبلغ حجم صادرات النفط الخام أكثر من مليوني برميل في اليوم على مدار العامين الماضيين، مما يعني أن صادراتها قد تضاعفت أكثر من مرة. كل هذا النشاط في قطاع الطاقة كان جيدًا بالنسبة لخزانة إيران. في عام 2017، والتي حققت حوالي 50 مليار دولار من نفطها. ومن المرجح أن يبلغ هذا الرقم 60 مليار دولار هذا العام.

الخسائر المتوقعة للشركات العالمية في إيران

ومن المتوقع أن تخسر الشركات الأوروبية صفقات في مجال صناعة السيارات ومبيعاتها، ومجال صناعة الطيران والتمويل المصرفي، والتي قد تفوق 60 مليار دولار، بالإضافة إلى عقود تحديث البنى التحتية، وتطوير الغاز، في حال استجابت الحكومات الأوروبية لرغبة الولايات المتحدة بنقض الاتفاق. كما أن البنوك الأوربية ستخسر 25 مليار دولار خُصِصت لتمويل خطط تطوير صناعة النفط والغاز المتقادمة، والتي وقعت مع إيران خلال العامين الماضيين فقط.

وبشيء من التفصيل، يمكن إجمال الشركات التي سوف تتأثر بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي، فحسب تقارير وكالات الأنباء، فإن شركة بوينغ في ديسمبر (كانون الأول) 2016، أعلنت اتفاقًا لبيع 80 طائرة لشركة الخطوط الجوية الإيرانية بقيمة 16.6 مليار دولار. وكما كانت قد أعلنت كذلك صفقة في أبريل (نيسان) 2017 لبيع 30 طائرة من طراز «بوينغ 737 ماكس» بقيمة 3 مليارات دولار لشركة طيران «آسمان»، مع حقوق شراء 30 أخرى،كما أفادت «بوينغ». وكانت قد أعلنت شركة صناعة الطيران الأوروبية «إيرباص» عقود بيع 100 طائرة في المجمل مع إيران، في صفقة تقدّر قيمتها بنحو 10 مليارات دولار. وكانت قد حصلت فروع «جنرال إلكتريك» خارج الولايات المتحدة، منذ 2017 على عقود فاقت قيمتها مجموعها عشرات ملايين الدولارات، لمعدات مشاريع إنتاج الغاز، ومصانع الغاز والمواد البتروكيماوية، وفق سندات مالية بتاريخ 1 مايو (أيار). أما شركة النفط الفرنسية العملاقة «توتال»، فتواجه خطر خسارة عقد بقيمة 5 ملايين دولار للمساعدة في تطوير حقل غاز «بارس» الجنوبي، بعد التحرك الأمريكي، وإن قلل باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة توتال من حجم الخسائر، التي سستكبدها الشركة. كما أن شركة «فولكسفاغن» كانت قد استأنفت في 2017 بيع السيارات في إيران للمرة الأولى منذ 17 عامًا، لكنها قد تضطر الآن للاختيار بين إيران والولايات المتحدة، ثاني أكبر سوق لبيع السيارات في العالم، وحيث لديها وجود قوي. كما سيتعين على كل من شركتي طيران «بريتيش إيرويز» و«لوفتهانزا» الاختيار بين الإبقاء على رحلاتهما المستأنفة إلى طهران، أو المحافظة على رحلاتهما الدولية إلى الولايات المتحدة. وتواجه سلسلة فنادق «أكور» الفرنسية و«ميليا هوتيلز إنترناشونال» الإسبانية الخيار نفسه.

مطالب بومبيو السياسية

وعليه، فمن الواضح أن الآثار الاقتصادية كبيرة جدًا على الشركات الأوروبية والأمريكية معًا. مما يعني أن السياسات الأمريكية حيال إيران ليست في السياق الاقتصادي، على خلاف حلفائها في السعودية والإمارات. ويبدو ذلك واضحًا في المطالب الاثني عشر، التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إذ إن أربع نقاط منها فقط تتعلق بالاتفاق النووي، بينما البقية تخص السياسات الخارجية الإيرانية. إذ تطالب الولايات المتحدة إيران، بوقف نشر الصواريخ الباليستية، والتطوير اللاحق للصواريخ القادرة على حمل الأسلحة النووية. وإخلاء سبيل كل المحتجزين من الولايات المتحدة والدول الحليفة والشريكة لها، الذين تم توقيفهم بناء على اتهامات «مفبركة» أو فقدوا في أراضي إيران. والتعامل باحترام مع الحكومة العراقية، وعدم عرقلة حل التشكيلات «الشيعية» المسلحة ونزع سلاحها. وسحب جميع القوات، التي تخضع للقيادة الإيرانية، من سوريا. ووقف تقديم الدعم لـ«التنظيمات الإرهابية» الناشطة في الشرق الأوسط، بما في ذلك حزب الله اللبناني، وحركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي. ووقف الدعم العسكري للحوثيين في اليمن، ولحركة طالبان و«للإرهابيين» الآخرين في أفغانستان، وعدم «إيواء» مسلحي القاعدة. وقف «دعم الإرهاب»، بواسطة قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. التخلي عن لغة التهديد في التعامل مع دول مجاورة لها، كثير منها حلفاء للولايات المتحدة. بما في ذلك الكف عن التهديدات بالقضاء على «إسرائيل»، والهجمات الصاروخية على السعودية والإمارات. والتخلي عن تهديد عمليات النقل البحرية الدولية. أخيرًا وقف الهجمات السيبرانية؛ إذ تتهم الولايات المتحدة إيران وروسيا بشن هجمات إلكترونية تخص شبكات رسمية أمريكية.

وبناءً على المطالب، يتضح أن الولايات المتحدة تطالب بتقليم أظافر إيران في المنطقة، والحؤول دون تحولها إلى لاعب استراتيجي في الشرق الأوسط. مع رغبة أمريكية واضحة، في دعم حلفائها الاستراتيجيين «إسرائيل، وبحد أدنى السعودية»، ليكونوا مؤهلين في لعب دور أكبر في رسم سياسات الشرق الأوسط والعالم العربي. ويبدو الطموح الأمريكي منطقيًّا، في حال استجابت إيران للمطالب الأمريكية، ولكنها لن تفعل. الأمر الذي سيفضي إلى نتائج عكسية تمامًا.

صدى العاصفة الأمريكية

فالانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الاتفاق النووي سيعزز موقف الجناح المحافظ للطبقة الحاكمة في إيران، الذين طالما حذروا من عواقب السياسات «السلمية»، التي ينتهجها الإصلاحيون بقيادة روحاني. وبالتالي ستحظى السياسات الراديكالية لدى المحافظين بمشروعية في السياق الداخلي الإيراني، والذي سيترتب عليه سلوكيات تصعيدية ضد المحور الأمريكي السعودي الإسرائيلي. فيعزز الاستقطابات الدينية على الصعيد الشرق أوسطي.

كما سيضيف خطوة أخرى على طريق تبلور قطب أوروبي قائم بذاته، وبمعزل عن الولايات المتحدة، أي سيساهم في توسيع الشقة بين القارتين، ويدفع قدمًا نحو عالم متعدد الأقطاب على الصعيد الدولي. ومن اللافت في هذا السياق تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بحضور الرئيس الفرنسي ماكرون، بأنه «انتهى الزمن الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحمينا بكل سهولة، ويجب على أوروبا أن تأخذ مصيرها بيدها، وفي ذلك تكمن مهمتنا في المستقبل»[1]، والتي سوف تتضرر بلادها بشكل كبير في حال انسحابها، وحسب وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الذي أعرب عن استعداد بلاده للتفاوض والحوار والقتال للحفاظ على مصالح ألمانيا عند الضرورة. وسواها من التصريحات التي أدلى بها القادة الأوربيون تعليقًا على الانسحاب الأمريكي.

كما أن نكث الاتفاقية، بالإضافة إلى نتائجها الاقتصادية المباشرة على الاتحاد الأوروبي، سيخلي السوق الإيرانية للشركات الصينية، التي تتحين الفرصة لغزو الأسواق الإيرانية، التي تفتحها على الشرق بكل سهولة. ولا سيما أن إيران كانت قد طورت آلية عبر 17 عامًا من الحصار، للتعامل مع آثاره، بل وتجاوزه في بعض المجالات. بالإضافة إلى إدراك القادة الأوربيين أن الاتفاق يوفر رقابة جيدة على نشاطات إيران النووية، وعدمه لا يعني إلا توفير الذريعة الكافية للجانب الإيراني للسير قدمًا نحو تصنيع سلاحه النووي الخاص، وتسجيل إخفاق جديد للسياسات الخارجية الأمريكية حيال إيران.

إن أي سيناريو عسكري محتمل، قد تستخدمه الولايات المتحدة ضد إيران، سيكون مصيره الفشل الذريع، بل كارثة تحل على حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. فـ«إسرائيل» تمتلك السلاح النووي بطبيعة الحال، وستعمل السعودية لتحقيق توازن رعب ضد إيران، بامتلاكها رؤوس نووية بمساعدة أمريكية، مما يعني أن اندلاع أي حرب ستكون وبالًا على العالم بأسره، وبناء على هزيمة السعودية المحتوم، لا يستبعد أن تقع المعدات النووية في أيدي التنظيمات الإرهابية، التي تعد السعودية البيئة الأمثل لنموها وتشكلها، وحينها، لا يمكن إلا أن نتصور سوى السيناريوهات الأكثر دموية على الإطلاق.


[1] رويترز، الأخبار «السبت،12 أيار/مايو، 2018»، «al-akhbar.com»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد