قرأت في إحدى الصحف القومية أن أمير دولة الكويت – حفظه الله – سيعامل معاملة المصريين بقرار جمهوري؛ استنادًا لمادة في الدستور.

الخبر للوهلة الأولى دار في ذهنى أنه سينام ثلثي حياته بدون عشاء، وسيصبح مدينًا لطوب الأرض ومائها، وأن حياته ستمر من أسوأ لأسوأ، ولربما يقتل على يد ضابط شرطة لخلاف على أسبقية السير في إحدى الطرق العامة.

دار في ذهني – قريب المدى ضعيف البصيرة – أنه سيقف بابنه طوال الليل حتى يحن عليها أطباء الوردية الليلية فى مستشفى عام، ويستيقظون من نومهم الهني ليسعفوا ابنه المريض، أو يقتطعوا جزءً من جسمه ليباع أو ربما يسرح الطبيب قليلًا وينسى مقصه الطبي في بطن الطفل، أو كما حدث قريبًا في طنطا، سينزف ابنه ويموت أثناء عملية استئصال اللحمية له.

قلت في نفسي: هل سيسير ذلك الأمير فى شوارع المحروسة، ويرفع جلبابه ليمر من فوق برك الصرف الصحي؟ أم سيسكن في منطقة تحيط بها القمامة من كل جانب؟ وهل سيجد هذا الأمير لابنه مدرسًا يشرح له بضمير؟ والأهم هل سيجد له مقعدًا في المدرسة المجاورة لمنزله الآيل للسقوط؟

ولنفرض مجازًا أنه توظف في وظيفة حكومية أو كرمه المولى بعمل في القطاع الخاص، سيغطى مرتبه الشهري احتياجات منزله؟!

هل سيستطيع الأمير أن يقف – من رمسيس للسلام – على قدميه في أتوبيس نقل عام، حمولته تتجاوز ضعفي العدد المسموح به، إن استطاع الركوب؟ فهل سيستطيع الحفاظ على زوجته وأطفاله في ذاك الحشر اللعين؟

هل أتى ذاك الأمير مغيب الواقع من بلده لبلدنا طمعًا في زيادة شهر 7؟ أو رغبة في التموين الشهري؟ هل أراد أن يتذوق العيش المدعم ذا الفن التشكيلى المذهل؟

أشفقت عليه وتعاطفت معه من كونه أميرًا في دولة متقدمة مستقرة اقتصاديًا، وأتى ليرى شتى أنواع الشقاء، لايرضى بوضعه هذا رئيس وحدة محلية في قرية تعد من أكثر القرى احتياجًا، في بلد من أكثر الدول احتياجًا.

وببعض التدقيق في متن الخبر وجدته كالآتى:

أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا يسمح لأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بمعاملته معاملة المصريين وتملك أرض مصرية، وفقًا لنص القرار الذي نشرته الجريدة الرسمية، الخميس.

وجاء في قرار السيسي: يعامل الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، المعاملة المقررة للمصريين في تطبيق أحكام القانون رقم 143 لسنة 1981، الخاص بتنظيم شراء الأراضي الصحراوية. وصدر القرار بالموافقة على تملك أمير الكويت 3 قطع أراض في محافظة الشرقية مساحتها 128 فدان و29 فدانًا و6 أفدنة، جرى شراؤها من أفراد.

طبعًا على الرحب والسعة، البحرين والكويت دولتان شقيقتان، يأخذوا ما يريدون، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – وصى على سابع جار، وطالما الخير وفير والأراضى كثيرة، فما المانع؟ فضلًا عن أن الرئيس من المؤكد أن لديه من الفطنة ما تؤهله لتوقيع قرار كذلك القرار، وطالما لم نستغل الأرض، فلن ينقصنا شيء بيعها أو تقديمها هدية لأمير دولة أو لرئيس جمهورية.

إلا أن ذاكرتي الشريرة وضعت نصب عينى مشهد عشرات المدرعات والعربات المصفحة لهدم منازل جزيرة الوراق، ومكتوب بإحدى الجرائد: ماذا يفصل الحياة الهادئة عن صخب الموت؟! مساحة من المياه يعبرها الناس بمعدية بدائية تحمل العشرات من الأهالي إلى جزيرتهم – بين البحرين – المُشبعة بالغاز وآثار الاشتباكات، دقائق مرت بين كورنيش الوراق والجزيرة كانت مُحملة بالرُعب، سمعنا أن هان ضربًا حصل في المكان.

تتصل سيدة بزوجها «متجيش تستناني الدنيا بايظة أنا هاتصرف»، تبكي سيدة سبعينية «حد جراله حاجة؟»، تردد شاب للحظة قبل أن يتحدث «فيه شاب اسمه سيد مات».

تذكرت مشهد جنازة سيد قتيل أحداث الوراق الأخيرة وأمه تمسك بالنعش مرددة خدوك منى يا ضنايا، الغالي، ذات الأم المكلومة وسط عشرات الرجال، ترفع جثمان ابنها، يحاول الناس إبعادها، لكنها أصرت على ملامسته حتى الوداع الأخير.

الجزيرة عن بكرة أبيها تشارك في الجنازة، النساء يبكين، والرجال يصرخون، والأمن محاصر، الجزيرة والإعلام بين متعاطف ومؤيد، فسألت نفسي سؤالًا لا اجابة له: أليس من الأولى معاملة أهالي جزيرة الوراق كمصريين؟ ونترك لهم الأرض التي نشأت فيها طفولتهم وبنوا بيوتها من شقاء السنين، ونعتذر لأمير الكويت في 50 فدانًا، ونترك أهل الجزيرة وهمومهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصريين
عرض التعليقات
تحميل المزيد