على عكس الخطاب الديني السائد الذي يتصدره بعض رجال الدين بردائهم الشبيه بمعاطف الأطباء الحيادية التي تتعامل مع الجروح من أبراج عاجية، فتحلل، وتحرم، وتبدع، وتكفر. ولا تفهم إلا لغة الخطابة والشعارات والتعليمات. فيتعاملون مع الذنوب بإثارة مشاعر الخزي، والتي تودي بصاحبها إلى التهلكة لا محالة. لأن الوقوف المبالغ فيه عند الذنب وجلد الذات لا يثمر خيرًا ابدًا، والغاية من إثارة مشاعر الخوف والحزن في نفوس الناس، ليس هدفه تهذيب وتقويم نفوسهم، بل هدفه السيطرة عليهم لأن المرتعبين المحزونين أسهل في التطويع وفي تحويلهم لأتباع!

نقول على عكس ذلك كان رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – فرحمته كانت لا تنساق وراء عاطفة العقاب، ولكن البحث الحثيث عن وسيلة تخرج العاصي من دوامة معصيته.

فإن كان العدل درجة عظيمة فإن الرحمة أعظم درجة. فلم يبد الرسول أبدًا أدنى انزعاج ولا انقباض أو تجهم في وجه المذنب، لأنه يعلم أن الإنسان خلق ضعيفًا، وأن الخطأ من سمات البشر. فهو يعلم صلوات ربي عليه أنه من أجل هؤلاء بُعث، ومهمته أصلًا معهم ليعينهم على أنفسهم وليخرجهم من الظلمات إلى النور: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ».

وإن من خطايا المتنطعين في الدين تلك التصورات الطوباوية والتي حولت الأخلاق إلى مثالية نظرية، فلم تعد واقعية عملية على الرغم من «إن الإسلام لا يتعسف بتنمية خصال لا جذور لها في طبيعة الإنسان؛ إنه لا يحاول أن يجعل منا ملائكة؛ لأن هذا مستحيل، بل يميل إلى جعل الإنسان إنسانًا».

فدعنا نستلهم روح رسولنا الكريم من أجل أن نتعافى من الذنوب.

إن الإنسان بعد سقوطه في الذنب إما أن يجلد ذاته وذلك لا خير فيه، أو يقوِّم ذاته وذلك أفضل. وأول طريق التقويم هو التوبة.

ولكن ما هي التوبة؟

سنقدم تعريفًا إجرائيًا مختلفًا عما هو سائد. فالتوبة في ظننا هي: الاتقاء والارتقاء.

إن الاتقاء تعني عدم فعل الذنب مجددًا. وكأنه عهد قطعته بينك وبين الله فإذا ما حافظت على هذا العهد فإن توبتك مقبولة. فكثيرًا ما يقلق من وقع في الذنب من فكرة القبول تلك. في حين أن الأمر متعلق بك تمامًا طالما ظللت محافظًا على العهد طالما ظلت توبتك مقبولة عند الله. لأن الله يقبل الصدق، وصدق التوبة تعنى عدم ارتكاب الذنب مجددًا. فإذا ما وقعت فيه مرة أخرى فتيقن أن توبتك لم تكن صادقة بما يكفي، وبالتالي لم تُقبل، وعليك أن تُعيد التوبة مرارًا وتكرارًا.

أما الارتقاء فهو يمثل الشق الثاني المتمم للتوبة وهي تتلخص في إعادة الإيمان وعمل الصالحات، لأنه حين ارتكاب الذنوب – والكبائر منها تحديدًا – فإن إيمان المرء يُخدش بلا أدنى شك، إنه يظل مسلمًا، ولكنه لم يعد مؤمنًا.. فكيف يمكن للإنسان أن يقوي إيمانه؟ فتكون الإجابة افعل الخير تُصبح مؤمنًا: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»، فإذا ما اكتملت هذه المعادلة الاتقاء + الارتقاء، «إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا»، فإن النتيجة «فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا».

وللتوبة النصوح علامات تتلخص في استعادة قوة كل من: الحواجز الجوانية، والعوائق البرانية.

فالحواجز الجوانية تعنى تلك المقاومة الداخلية التي ضعفت أثناء ارتكاب الآثام. وفي حال التوبة فإنها تعود إلى فطرتها الأولى، فتجد عدم وجود رغبة داخلية، ولا قدرة على اتخاذ قرار في الاندفاع نحو الإثم مجددًا. أي أن إرادتك في مقاومة السقوط تقوى.

أما العوائق البرانية فهي تعثر الفعل نحو الذنب، وكأن الله سبحانه يُباعد بينك وبين المعاصي. فلا يسقط أحد في الذنب إلا بإصراره عليه وسعيه في تجاوز الحواجز الجوانية والعوائق البرانية تلك واحدًا تلو الآخر. وعندما تُقبَل التوبة تجد تلك الحواجز والعوائق تعود بشكل أقوى.

فماذا عن رد المظالم؟ إن رد المظالم هو مسئلة خاضعة تمامًا للتقدير. فهي دائمًا ما تكون مفاضلة بين ضررين – في الأغلب الأعم – وعليه فلابد من فهمها بحسب كل حالة. ولكن بصفة عامة ينقسم رد المظالم لنوعين:

– نوع يتعلق بالشأن العام (حقوق الجماعة/المجتمع).

– ونوع يتعلق بالشأن الخاص (حقوق الأفراد).

أما الشأن العام فإن الأمر لابد له من «قصاص» فعدم رد المظلمة هنا أكثر إفسادًا من ردها.

أما الشأن الخاص فلا بد عن اتباع أسلوب «المقاصة»، أي أن «الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» ذلك أنه عادة ما تكون عدم رد المظلمة أقل فسادًا من ردها!

فمثلًا الحاكم الذي يسرق المال العام ولم يرد مظالم شعبه ويحاسب، فإن ذلك سيسمح بتفاقم الفساد في المجتمع بشكل سرطاني فلا بد عن القصاص. أما إذا ما أخذت زوجة من زوجها مالًا لا يحق لها وتابت وأصلحت وربما ردته بطريقة خفية كان ذلك أفضل من مصارحة زوجها بما فعلت؛ لأنه سيفقد الثقة فيها، وربما يُطلقها… إلخ، فهنا يُكتفى بالمقاصة، بأن يقوم الشخص بعملية تعويض فتُذهِب حسانته سيئاته. وبحسب إخلاصه وصدقه في التوبة بشقيها الاتقاء والارتقاء فإن الله يرد عنه مظالم من لم يقدر على ردها لهم في الدنيا فيتحملها الله عنه في الآخرة.

وهنا يثار تساؤل هل توبة الظالم تمحو حق المظلوم في القصاص؛ لأنه لم يسامحه؟ ودعنا هنا نقسم المسامحة على درجتين:

– أولهما الكاظمين الغيظ.

– وثانيهما العافين عن الناس.

والكاظمين غيظهم هم أولئك الذين يشعرون بمرارة الظلم، لكنهم لا يسعون إلى الانتقام، بالرغم من استطاعتهم، ولكنهم قد لا يغفرون لظالمهم، ويتركون أمره إلى الله. ولاحظ أني قلت: «يتركون أمره إلى الله»، ولم أقل يدعون عليه ويرغبون في عذابه وهلاكه… إلخ «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، وتلك من أخلاق المسلم.. الثقة التامة في حكم الله وتقديره لأنه وحده المطلع على بواطن الأمور، والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم السر وأخفى. والرغبة في أخذ الثأر عادة تحول الإنسان من مظلوم إلى ظالم؛ لأنها ستجعل قلبه يطفح بالغل والحقد والكراهية والتشفي في مصاب شخص آخر، وتلك من بواطن الإثم! وهي أسوأ من ظواهر الإثم.

لذلك فالعافون عن الناس درجة أعلى وأرقى. تلك التي يصل فيها الإنسان إلى مرحلة عالية من السلام النفسي فيعفو عمن ظلمه، بل ويدعو له! وحينها سيشعر بسكينه وطمأنينة لم يعهدها من قبل.

ولكننا كما اتفقنا فإن الإسلام لا يتعسف في تنمية خصال لا جذور لها في طبيعة الإنسان فمن الطبيعي أن يشعر المظلوم بالمرارة «لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا» والجهر بالسوء تعني الدعاء بالشر على الآخرين، لكن على الإنسان ألا يستسلم لتلك المشاعر، وأن يجاهد نفسه ليحررها من رغبة الانتقام «فمن أراد الانتقام فعليه أن يحفر قبرين أحدهما لمن يرغب في الانتقام منه والآخر لنفسه!» (قول مأثور).

والعدل سبحانه لا يظلم أحدًا «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» فقد يعوض الله المظلوم في الدنيا، وقد يعاقب الظالم، بالرغم من توبته لأنه من تمام صدق توبته أن يطهره الله إن كان صادقًا في توبته. وليس شرطًا أن يكون التعويض للمظلوم أو العقاب للظالم بعد توبته من نفس الكأس وبنفس الأسلوب فقد يُبتلى في أمور أخرى، وأما في الآخرة فإن صاحب المظلمة سيخير بين العفو عنه ومرافقته في الجنة أو عقابه «كما جاء في الحديث».

فإن كنت مظلومًا فلا تسقط في متلازمة الضحية في محاولة للتحرر من المسؤولية فكل تصرفاتك وكل ما تعانيه بسبب صدمة الظلم التي تعرضت لها! مما يسمح لك بعدم فعل أي شيء لتساعد نفسك. وهنا ستمارس آليتين للدفاع النفسي أولهما «التبرير» لكل ما ترتكبه وتفعله أنه نتيجة صدمة الظلم بما فيها ظلم الآخرين! والثانية هي «الإسقاط» فتسعى إلى تضخيم دور الظالم الذي دمر حياتك وتحاول إلباسه عباءة الشيطان في صورة إنسان، وتركز على الآخرين وظلمهم وفق معايير مثالية لا تطبقها على نفسك عادة!

وتتناسي أننا جميعًا ظالمين في رواية أحدهم حتمًا! فنحن نلتمس لأنفسنا الأعذار التي لا نلتمسها لغيرنا! ثم نشعر بالمرارة لأن الله لم يعاقب الظالمين وفق روايتنا، على الرغم من أننا لا نرغب في رؤية عقابه ينزل علينا لأننا ظالمون وفق رواية الآخرين!

والحل هنا هو بمزيد من التعاطف سواء تجاه النفس أو الآخرين. ومحاولة الدعاء لأنفسنا وللآخرين بالرحمة والهداية والمغفرة حتى لأولئك الذين ظلمونا. وأن نُسلِم أمرنا وأمرهم لله إن عذبنا فإننا عباده وإن غفر لنا فإنه هو العزيز الحكيم.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد