إن من أصعب ما قد يصيب الإنسان هو فقدانه لمن يحب، وحياة محمد النبي – صلوات ربي وسلامه عليه – لا يمكن إلا أن تكون مرشدًا لنا في محننا وفواجعنا، إنها كالنور الذي يرشدنا فى عتمة الظلام، فكيف يعزينا النبي في فواجع الفراق؟

إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبًا شديدة الحساسية، ويتألمون من مظالم الواقع الذي يريدون تغيره وإن لم يمسسهم بسوء بشكل مباشر، ذلك أنهم أقدر الناس على الشعور بالآم الأخرين ومصائبهم، وهم أبعد الناس عن اللامبالاة، بل أنهم يجاهدون جهدًا كبيرا فى سبيل الخير الذي يريدونه للناس أجمعين

فهم لا تجدهم قساة قلوب غلاظ المشاعر لا يعرفون تواضعًا، وأكثر ميلًا لاتهام الغير، وتبرير المظالم التي تقع عليهم، ويشمتون بافتضاح الناس، وبسقوط المخطئين، ولا يقبلون عذرًا. إن ذلك ديدن أصحاب القلوب القاسية فهي كالحجارة او أشد قسوة.

أما أصحاب الإيمان فهم أكثر حرصًا على إنكار الذات، وحب الغير، والستر على المخطئين، والسعي لإقالتهم من عثرتهم، ويسرون بتوبتهم، ويرغبون برخاء يشيع بين الناس، ويتألمون لأية نازلة تجعل حياتهم ضنكًا.

لأجل كل ذلك هم أحوج الناس إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالرعاية والونس والتطمين والتخفيف من معاناتهم التي تؤرقهم والتي تسببها رقة مشاعرهم.

يحتاج أصحاب الرسالات هؤلاء إلى من يؤمنون بهم، ويقفون بجوارهم، فلا يخذلونهم، ولا يتركونهم أبدًا، ويصدون عنهم كيد الكائدين وحقد الحاقدين، ويحترمون عزلتهم واستغراقهم في تأمل أحوال العباد، وإفناء أوقاتهم في مساعدتهم، وقليل من يتحمل متاعب ذلك كله.

وقد كانت السيدة خديجة – رضي الله عنها وأرضاها – كل ذلك وأكثر لرسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – فقد آمنت به عندما كفر به الناس، وصدقته عندما كذبه الناس، وواسته بمالها عندما حرمه الناس.

ولم يكن فقدان السيدة خديجة الطامة الوحيدة التى ألمت بالرسول فقد كان الأسى يغزو قلبه وهو يودع أبناءه الذكور الثري، فيجدد ذلك جراحه القديمه مذكرًا إياه بفراق أكبر هو فراق والده ووالدته، بل في عام واحد فقد سنده في حياته الخاصة، وهي زوجته التي رزق حبها خديجة بنت خويلد، وكذلك عمه أبا طالب الذي كان داعمه في حياته العامة؛ فسُمي ذلك العام بعام الحزن!

بل إن حتى بناته من بعد ذلك فقدهن الواحدة تلو الأخرى، فقد مات سائر بناته في حياته، اللهم إلا فاطمة التي لحقت به بعد وفاته بستة أشهر.

وكأن الله أراد أن يجعل الرقة الحزينة جزءًا من كيانه، فإن الإنسان لا يجنح إلى الجبروت والاستبداد، إلا إذا كانت نفسه قد انطبعت على القسوة، والفرح بمصاب الناس طالما ظلت بمعزل عنه، أما الرجل الذي خبر الآلام فهو أسرع الناس إلى مواساة المحزونين ومداواة المجروحين؛ لأنه أسرعهم بالشعور بما يعانونه حقًا لما في قلبه من رقة عمقها الحزن وهذبها الفراق.

لقد أخلص الرسول لذكراها طوال حياته ذلك أنها كانت هدية من الله، ونعمة من نعمه على الرسول؛ فهي آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته مغارم الجهاد المر، وواسته بنفسها ومالها، وقد كان من زوجات الأنبياء من خنَّ الرسالة وكفرن برجالهن أمثال امرأة نوح وامرأة لوط اللتين كانتا تحت عبدين من عباد الله الصالحين وبرغم ذلك خانتاهما، أما خديجة فهي الصادقة المصدوقة التي كانت سلامًا على قلب نبينا الكريم وعونًا له وأمانًا يسكنه فقد كانت حصنه الذي يحميه من ويلات ما يعانيه.

وأصبح النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عاد إلى بيته عاد مهمومًا مكروبًا من كثرة ما يلقى من أذى المشركين وكيدهم، ولا يرى خديجة، وهي تستقبله بإشراقة وجهها، وصفائه، وابتسامته.

فكيف تعامل النبي مع تلك المحنة؟!

بداية لقد حزن الرسول حزنًا شديدًا لدرجة أن الصحابة كانوا يخشون عليه من شدة حزنه، ولا ضرر في الحزن فإنه لا يتناقض الألم الشديد على مصاب أليم أصاب المؤمن مع الصبر، فهذه طبيعة الإنسان وفطرته، فلا يحاسبنا الله عز وجل على حزن ألم بقلوبنا لفراق عزيز، ولكنه يحاسبنا على كلمة نتفوه بها تتناقض مع التوحيد، نعبر بها عن ضجر وعن شكك برحمة الله عز وجل.

ولكن برغم ذلك الحزن فما يلفت النظر أن النبي لم تشغله الأعمال الجليلة الكبيرة التي تملأ حياته عن تذكر زوجته السيدة خديجة، كالدعوة إلى الله، وتلقي الوحي، وتبليغه للناس، وعرضه على القبائل، والهجرة إلى المدينة، وبناء المجتمع المسلم الجديد، والجهاد في سبيل الله، وإرسال الرسائل والكتب إلى الأمراء والملوك، واستقبال الوفود… إلخ، كل هذه الأعمال الجليلة التي نهض بها النبي لم تشغله عن تذكر السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها، بقيت مع كل هذه الأعمال ذكرى خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عالقة في قلبه الشريف لا تفارقه، كأنها أصبحت جزءًا منه لا تكاد تنفصل عنه. فالأعمال، خاصة الجليلة منها، لا يمكن أن تكون مجرد ملهاة لنا لتسكين وجع الفراق.

لقد ماتت خديجة! ولكنها لم تمت في قلبه، فهو يكثر ذكرها ويحفظ لها نصرتها له وذكرياتها معه ويحرص على صلتها بعد موتها من خلال صديقاتها فكان النبي إذا أُتي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة؛ فإنها كانت صديقة خديجة. اذهبوا به إلى بيت فلانة؛ فإنها كانت تحب خديجة.

والذي يلفت النظر أيضًا أن النبي تزوج بعد وفاتها أمهات المؤمنين، واجتمع عنده في وقت واحد تسع منهن، وكن رَضِي اللَّه عَنْهن مع كل ذلك يتنافسن على خدمته، ومحبته، وتوفير راحته، ومع ذلك لم ينس السيدة خديجة، فما من زوج على وجه الأرض أكثر وفاء لزوجته الأولى من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومن مظاهر وفائه أنه كان يذكر السيدة خديجة عند أحب زوجاته إليه، السيدة عائشة، يعني قيل: إنها حبيبة رسول الله، وكانت رَضِي اللَّه عَنْها تغار من كثرة ذكر النبي لها. فقالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة وما رأيتها. ولكن النبي يُكثر ذكرها كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فالحُب لا يُستبدل بحب ولا يحل حب محل آخر.

ومما يلتفت إليه أيضًا أن حياة النبي، سواء الخاصة أو العامة استمرت، بل لعلها تطورت في الوقت نفسه الذي ظل مخلصًا لذكراها، وذاكرًا لها دائمًا وأبدًا. فلم يعجزه غياب السند الداخلى متمثلًا في خديجة أو الدعم الخارجي متمثلًا في أبي طالب، وكأنه يهدي لأرواحهما برقية عرفان وتقدير عبر تحقيق رسالته في الحياة وجهاده من أجل الله. فالحياة لا ينبغي لها أن تتوقف عند فراق أحدهم!

وقد كان ذلك تعاملًا واقعيًا مع محنة الفراق، فلا يوجد شيء اسمه نسيان؛ فالحب لا يموت وإن مات صاحبه الإنسان، فالذكريات أسوأ من الألم نفسه؛ لأنها ألم مستمر ومتكرر فنحن لا نموت بفقدان من نحب، ولكننا نكمل حياتنا بقلب ميت إذا ما خلا من مشاعر الحب لهم. لذلك فلا بديل إلا بمزيد من الحب لهم إن كنا مخلصين حقًا في مشاعرنا ذلك أن الإخلاص رفيق الحب دائمًا وأبدًا، فيظل الإنسان مخلصًا لمن يحب بعد فراقه قولًا وعملًا.

وعلينا أن نعود أنفسنا على مشاعر الفقد وربما تلك هي إحدى فلسفات الصيام أن تعتاد على فقد ما اعتدت عليه!

وأخيرًا تحويل الألم إلى أمل في لقاء من فارقونا يومًا ما، والدموع إلى حبر نكتب به دعاءنا لمن نحب وقصص نجاحنا التي كانوا يتمنون أن يكونوا جزءً منها، والوجع إلى معرفة؛ فنتأمل في سيرة نبينا الكريم، وفي حياة الناس؛ لنتعظ ونأخذ العبرة ونتعلم ما ينبغي علينا تعلمه، فالدنيا دار ابتلاء قبل كل شيء وهنيئًا لمن مر منها بسلام مخلدًا في جنة النعيم، وليس في نار الجحيم.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فقه السيرة ، محمد الغزالى
إني رزقت حبها: السيرة العطرة لأم المؤمنين خديجة ، محمد سالم الخضر
سيرة أمهات المؤمنين - سيرة السيدة خديجة بنت خويلد: عام الحزن لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
إلى منتصف الطريق، جلال الصاوي
عرض التعليقات
تحميل المزيد