عكفت مجموعة من المنافقين في الفترة الأخيرة، والذين نطلق عليهم في مصر تعبير «المطبلاتية»، على ترويج فكرة وجود مؤامرة دولية كونية، تشارك فيها كواكب زحل والمريخ، على الإطاحة بالرئيس المصري الحالي «عبد الفتاح السيسي» ووضع رئيس جديد مكانه!

ويدعي هؤلاء الموهومين أن النجاحات الكبيرة التي حققها «السيسي» –ولا أعرف ما هي– تدفع القوى الكبرى في العالم إلى التآمر ضده، ويؤكد بعضهم منافسا «نوستراداموس» ذاته في تنبؤاته، أن استقراء وتحليل المشهد المصري الراهن وارتباطه الحميم بالمشهدين الإقليمى والدولي، يؤكدان أن ما يحدث الآن ليس مصادفة، ولا هو تفاعلات عالمية عادية!

فما هي تفاصيل تلك المؤامرة المزعومة؟! في البداية يضع هؤلاء فرضية «احتمال وجود مخطط أمريكي غربي ضد رئيس مصر»، ثم يشرعون في تحليلها، كأنهم يقدمون بحثا في الجامعة! وسوف أحاول أن أختصر لكم مئات العناصر التي يعتمدون عليها في تحليلهم حتى نصل أسرع إلى النقاط المهمة فهم يقولون أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أسقطت الاتحاد السوفيتي فردت أجنحتها للسيطرة على العالم كله، وسارت خطتها على أكمل وجه لسنوات طويلة، وبدا أن أحدا في العالم لن يستطيع

أن يقصيها عن عرشها أبدا!

ثم فوجئ صناع السياسة الأمريكية منذ بضع سنوات فقط بمشكلة تعترض طريقهم، تتلخص في أمرين:

الأول: صعود «فلاديمير بوتين» إلى المشهد الروسي، بما يحمله من أحلام وطموحات جامحة لإعادة الدب الروسي إلى «قطبية جديدة» بتحالف قوي مع الصين والنظام السوري الصامد واستقطابه – ولو جزئيا – لإيران.

الثانى: الإطاحة بـ«الإخوان» من حكم مصر في ثورة 30 يونيو 2013، والصعود المفاجئ لمواطن مصري – قادم من خارج الحسابات- اسمه «عبدالفتاح السيسي»!

فالاثنان «بوتين والسيسي» قادمان من مساحة «التحدي». الأول أثبت خطأ الحسابات الأمريكية التي استندت إلى حتمية دخول روسيا عقب تفكك الاتحاد السوفيتى عقودا طويلة من الضعف. والثانى -مع الشعب المصري- أسقط نظاما حاكما ظل الغرب يستثمر فيه عقودا أطول، والأكثر مرارة في الحلق الأمريكي والغربي أن الاثنين «بوتين والسيسي» يتشابهان – مصادفة – في تركيبة الشخصية: كراهية غير معلنة للسياسة الأمريكية التآمرية في العالم، زعامة طاغية تستند إلى ظهير شعبي قوي، وذكاء سياسي ملحوظ يسمح بالمناورة المفتوحة مع واشنطن.

ولأن دوائر التخطيط الأمريكية – كما يدعي «المطبلاتية»!- لا تؤمن بالتغيير الكامل للاستراتيجيات والأهداف في حالة ظهور مستجدات معرقلة، فكان لا بد لها من التحرك بسرعة للقضاء على هذين الاثنين وإخراجهما من المشهد السياسي العالمي في أسرع وقت!

فأما بوتين فهو يمتلك أدوات تسمح له بالهجوم والدفاع والكر والفر، وتتضح من سيناريوهات أوكرانيا وسوريا وداعش وإسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية ومعارك موسكو المفتوحة على كل الجبهات، فالزعيم الروسي يسعى بكل طاقته لاستعادة نفوذ بلاده في العالم، بينما السيسي لا يمتلك أدوات بقوة «بوتين»، فالفارق كبير بالطبع بين روسيا ومصر، ولكنه يدرك ذلك تماما، لذا فهو «يتحصن» بأربعة عناصر تتيح له مقاومة المخطط الأمريكي الغربي:

الأول: الظهير الشعبي المصري والعربي الذي يؤيده،والثاني: سياسة خارجية عاقلة دون انفعال، تعتمد على التقارب والاستقطاب أكثر من التباعد والاختلاف، والثالث: التقارب الشديد مع روسيا و«بوتين»، على اعتبار مصلحة روسيا في العودة إلى دورها القوي بالمنطقة، ومصلحة مصر في مقاومة وإجهاض المخطط الأمريكي في ذات المنطقة، مع تنويع مصادر السلاح، والرابع: محاولات «السيسي» لتشكيل تحالفات قوية في مواجهة التحالف الأمريكى البريطاني التركي القطري الإسرائيلي، بالتعاون مع السعودية والإمارات من جهة، ومع الصين ودول شرق آسيا من جهة أخرى.

ولكن أمريكا لن تقف ساكنة أمام تلك الجهود التي يبذلها السيسي، فهي لا ترى بديلا عن الإطاحة به تماما، نظرا لأنه يعوق بقوة تنفيذ مخططها في المنطقة، لذلك بدأت في البحث عن البديل له، استنادًا على محورين:

الأول: محاولة تقويض «دولة السيسي» بالإرهاب والعنف والفوضى، وبالتالي تهيئة مصر لسقوط رئيسها وتقسيمها وفقا للخريطة التي وافقت عليها «جماعة الإخوان» أثناء فترة حكم «مرسي»!

الثاني: تعمد طرح أسماء بديلة لـ«السيسي» والإيحاء بأن الإطاحة به خيار تدعمه دول في المنطقة – منها السعودية – بل وصل الأمر إلى التلويح بأن ذلك لو تم بانقلاب عسكري لن يغضب أمريكا والخليج والغرب.

وتؤيد ذلك التصور بعض كتابات أقلام غربية عديدة، في مقدمتها «ديفيد هيرست»، المدير التنفيذى لموقع «ميدل إيست آي البريطاني»، ومنها مقالة بعنوان: «هل نحن على مشارف الأيام الأخيرة من حكم السيسي؟!»، ومقال آخر بعنوان: «السيسي يجب أن يرحل قبل فوات الأوان» والذي يقول فيه نصا: «الرئيس السيسي يخسر معاركه على عدة جبهات، ويجب أن يرحل قبل وقوع مصر في كارثة قد تنتهي بتفكك الدولة»، ثم يحرض بشكل مباشر على الانقلاب ضد الرئيس بقوله: «قبل أن يحدث ذلك يجب أن يتدخل شخص آخر حتى لو كان كما يبدو بشكل متزايد أن هذا الشخص الآخر هو ضابط آخر بالجيش»!

ومعنى ذلك أن بديل «السيسي»، وفقا للمخطط الأمريكى، ليس شرطا أن يكون من الإخوان أو الإسلاميين، ولكن الأهم أن يأتي مدركا لـ«درس السيسي»، فليس مقبولا أن يكون رئيسا شعبيا ولا زعيما ولا عنيدا في «الخضوع» لإرادة البيت الأبيض!

كل هذه «الخزعبلات» السابقة، هي التصورات المريضة التي يروج لها مؤيدو النظام الحالي في مصر، حتى يضعوا في أذهان المصريين أن هذا النظام يكافح كفاح الأبطال ضد قوى الشر العالمية التي تتربص بمصر!، والحقيقة أن ذلك كله لا يوجد إلا في عقولهم المغرضة فقط، فلا القوى العالمية تسعى لإزاحة الرئيس، ولا أحد من قادة العالم يتربص بمصر ولا يعير نظامها التفاتا أساسا، لكنها بطولة وهمية، الغرض منها تلميع النظام في ظل الغضب الشعبي الجامح، من كل السياسات العقيمة التي ضغط بها على الشعب حتى أصبح قطاع عريض منه – وأنا منه بالطبع! – يسعى للهجرة إلى أي دولة في العالم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد