في مثل هذا اليوم منذ أربع سنوات كانت بدايات المؤامرة، المصريون في الشارع منذ الظهيرة يهتفون بسقوط النظام، النظام الذي سلبهم أبسط حقوقهم في كرامة وعيش، كان أغلب الظن وقتها لدى مسئولي النظام أنها مجرد تظاهرات عابرة لن تُغير أيّ شيء، وأنه سيتم الخلاص منها سريعًا كسائر شبيهاتها من قبل، وبالفعل، واجهت قوات الأمن المركزي في المساء أفراد هذه الـمُظاهرة وفرَّقتهم، وأصبحت العاصمة في اليوم التالي على هدوء بعد مناوشات الأمس – حسب مُقدمة برنامج صباح الخير يا مصر يوم الأربعاء 26 يناير 2011– وظنَّ الجميع أن الأمر قد انتهى.

لكن التظاهرات استمرت صغيرة أيام السادس والعشرين والسابع والعشرين حتى تفاقم الوضع بقوة يوم الثامن والعشرين، وخرجت المظاهرات حاشدة، وحدثت مواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين انتهت بانسحاب الشرطة ونزول قوات الجيش، وقتها أدرك النظام أن الأوان قد فات، وأنه في خطر، حاول احتواء الأمر بإقالة الحكومة وترهيب الناس بنشر البلطجة والعُنف وفتح السجون، لكن الأمور لم تستتب، وأدرك النظام أنه ساقط لا محالة، وقتئذٍ بدأت المؤامرة!

قرر النظام أن يقضي على هذه التحركات الشعبية الـمُهددة لحكمة، فلجأ إِلى الخطة التي لا تخيب أبدًا، تلك التي استُخدمت في رومانيا، حيث قبضت جبهة الخلاص الوطني زمام الأمور، وهي الجبهة التي تكونت من قيادات الصف الثاني من الحزب الشيوعي الروماني المنحل عقب الثورة عليه، ورأسها «إيون إليسكو» أحد حلفاء الديكتاتور المخلوع، فسعى لتحجيم الثورة، وحصارها، وإطلاق العنان لفلول النظام البائد.

فبدأ بالجيش، وعقد صفقات مع جنرالاته، ثم سيطر على الإعلام ووجهه، وعندما أيقنت الكتلة الحرجة أن الثورة تضيع وبدأوا في الانتفاضة مُجددًا في محاولة للدفاع عن الثورة من السرقة، هب «إيون» واتهمهم بالعملاء، وأنهم جواسيس لدول أجنبية تسعى لهدم رومانيا، وأنهم يتلقون التمويل من جهات خارجية لتنفيذ أجندات أجنبية.

 

ثم سلَّح عمال المناجم وسلطهم على المتظاهرين لقتلهم، ثم بدأ محاكمة من تبقى منهم، والتنكيل بكل من يعارضه، بحجة المرحلة الانتقالية، وأنه وحده القادر على دحر هذه المؤامرات وتوصيل رومانيا إِلى بر الأمان.
اتخذت جبهة الخلاص خطوات إزاء حل الحزب الشيوعي الروماني الذي كان قد احتكر السلطة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتولى «إيون إليسكو» الحكم بصورة مؤقتة لحين الإعداد للانتخابات. أجرى بعض المحاكمات لرموز النظام القديم من المقربين من تشاوتشيسكو.

 

أعلنت الجبهة أنها لن تخوض انتخابات 1990، إِلَّا أنها أسست حزب سياسي مع اقتراب موعد الانتخابات، واستخدمت وسائل الإعلام الحكومية بكثافة لتعبئة الناخبين من خلال شبكات الحزب الشيوعي القديمة في الريف والحضر، فتمكنت الجبهة من حسم أغلبية مطلقة لصالحها في أول برلمان روماني بعد الاستقلال، البرلمان الذي وضع دستورًا يطلق صلاحيات السلطة التنفيذية وخصوصًا الرئيس.

 
وفي عام 1992، عقدت أول انتخابات رئاسية خاضها «إيون إليسكو» رئيس جبهة الإنقاذ، وأسفرت عن فوزه بأغلبية مطلقة قاربت 70% من أصوات الرومانيين. فباتت رومانيا برلمانًا ورئاسةً في يد كوادر الحزب الشيوعي السابق الذي ثار عليه الشعب، والذي تمكن من إعادة إنتاج النظام، ولكن بوجوه جديدة.

عوْدٌ إِلى أرض الواقع، لنرى قائد الجيش يقرر التضحية برئيس الدولة في مُقابل الحفاظ على النظام، ثم دعا الجموع الغفيرة للحفاظ على الثورة من المؤامرة الـمُحاكة ضدها، وأن وقت الثورة قد فات وحان وقت العمل، وباتت الثورة تظهر في اتخاذ القرارات الـمُخالفة للدستور أو القانون.

 

أمَّا وقت أن تكون القرارات على غير هوى السلطة، أصبح القانون هو الحجة والـمُقيد، ظل الحديث عن المؤامرة الخارجية طويلاً دون أن يؤثر في الحراك الثوريّ في الشارع.

كذلك ظلت محاولات التفريق بين الجموع تأخذ مسارًا جيدًا حيث بدأ كل فصيل يبحث عن مصالحه، حتى قرر النظام أن يُنفِذ الخطوة الأهم؛ تخوين جزء من الشعب، فأصدر في يوليو 2011 بيانًا يصف فيه حركة السادس من أبريل بأنها مُمولة من الخارج وتسعى لتنفيذ مُخططات أجنبية، لكن مثل هذا البيان لم يلق رواجًا في أوساط الكتلة الفاعلة في الشارع، كانوا متماسكين بقدر كبير، حاول النظام ثانيةً وقت مجزرة بورسعيد، فكان التعليق المباشر من الرئيس “الناس ساكتة ليه؟”، يريد الفوضى حتى يُمكنه القضاء على التحرك الثوريّ بتأييد من الشعب، لكنه فشل، وسيق للانتخابات رُغمًا عنه، وفاز الإخوان، الذين قدموا الخدمة الأكبر للنظام كي يستطيع أن يتقلد الأمور ثانيةً.

لم يكن مرسي في حاجة لتحصين قراره بإقالة المشير طنطاوي ورئيس أركانه وتعيين الفريق السيسي بدلاً منه، لأنه وقتها كان يتخذ قرارًا لطالما كان مطلبًا للكتلة الثورية الفاعلة، ولو أنه سار على النهج ذاته في تحقيق أهداف الثورة لالتف الشعب حوله، وكذلك الكتلة الثورية التي رأت في انتخاب الإخوان مهربًا من الحكم العسكريّ، لكنه انحرف عن السياق وأراد نفسه وفقط، ومن ثم فوقتما أراد مرسي أن يُحصن لجنة الدستور حصن قراراته، لأنه يدري جيدًا أنه انحرف عن السياق.

 
أظن أن العسكر كان لديه التوقع الجيد لتصرفات الجماعة في أنهم سيُمهدون لهم الطريق للعودة ثانيةً، وأظن أيضًا أن المجلس العسكريّ قد لعبها بمهارة شديدة، فوضع الناس أمام خيارين صعبين، إمَّا مرسي وإمَّا شفيق، فلو جاء شفيق فهو منهم، وإن جاء مرسي فالجماعة والعسكر في وفاق واتفاقات مصالح، وإن اختلفوا فالجماعة بغبائها ستلف الحبل حول رقبتها.

 

أظن أن انتخابات الرئاسة في مصر قد زُوِرَت كما زُوِرَت أُختها في رومانيا، فالتزوير ليس التلاعب بالأوراق فحسب، لكنه من الممكن أن يكون تزويرًا لعقل الناخبين لدفعهم لانتخاب شخص بعينه، هو ظنٌّ يحتاج إِلى دليل، ووحده التاريخ هو من سيثبت صحة هذا الظن من عدمه.

في فترة الإخوان كانت الأمور تبدو في ظاهرها سائرة نحو تحقيق الثورة، حتى خرج مرسي عن السياق ووقف يخطب وسط جماعته قائلاً: “أهلي وعشيرتي”، وقتها وضع مرسي أول مُسمار في نعشه، وأيضًا وضع العسكر على أول طريق العودة إِلى كراسيهم، وإعادة طفو دولتهم – التي لم تنتهِ بعد– على السطح السياسي في الدولة.

وسط ديكتاتورية الإخوان وتصرفاتهم الغوغائية الأنانية، وجريهم خلف السلطة فقط، وسعيهم لإعادة إنتاج نظام مبارك، ولكن برموزهم هم.

 

لم يكن أمام الثوار الذين يسعون إِلى تحقيق أهداف ثورتهم سوى الدعوة لإسقاط حكم الجماعة، تقرر النزول يوم 30 يونيو 2013 في موجة ثورية جديدة مُطالبين بانتخابات رئاسية مُبكرة، أعلن الجيش – كما أعلن في يناير– وقوفه بجانب المواطنين، أمَّا مُرسي بغبائه وغباء جماعته رفض مطلب الثوار، وضيَّع آخر فرصة للحفاظ على الثورة، لو وافق مرسي على إجراء انتخابات رئاسية مُبكرة لوقانا شر الانقلاب الذي حدث في 3 يوليو!

 

نعم، تظاهرات 30 يونيو موجة ثورية جديدة تهدف لاستعادة الثورة من يد الإخوان، أمَّا ما حدث في 3 يوليو فهو انقلاب؛ فلا تعريف لقائد جيش استولى على السلطة واحتجز الرئيس وقتل ما يزيد عن الألف شخص، لا تعريف لذلك الفعل إلَّا أنه انقلاب على السلطة!

 

بعد ذلك بدأت مرحلة تكسير العظام وتنفيذ الخطة الأصلية في تخوين جزء من الشعب والبطش بكل الـمُعارضين.
لا صوت سوى الصوت المؤيد الذي يطبل بمهارة، لإسكات كل الأصوات – بتأييد شعبي–، مواجهة كل التظاهرات تحت مُسمى الحرب على الإرهاب، تخوين الإخوان – بتأييد شعبي– ووصف كل مُعارض بأنه إخوان يُريد الانقضاض على الدولة.

 

تخوين ثورة 25 يناير، ووصفها بأنها مؤامرة أجنبية، وتدليل ذلك بتسجيلات سابقة لأفراد من رموز الثوار، التسريبات التي طالت كل الناس حتى المؤسسة العسكرية، التسريبات التي أوضحت مؤخرًا طريقة السيطرة على الإعلام وتوجيه الناخبيين وتهييجهم، لقد أثبت السيسي بما لا يدع مجالاً للشك خطأ نظرية التطور لداروين، فبينما ادعى داروين أن الإنسان أصله قرد، أثبت السيسي قطعًا أن الإنسان أصله “جلدة حنفية”.
بالله عليكم، أيُّ التصرفين يمكن وصفه بالمؤامرة؟!

تظاهر المصريين مُطالبين بالحرية والعيش الكريم، أم محاولة النظام الانقضاض على الثورة والقضاء عليها؟!
إننا إذ نقف اليوم بعد أربع سنوات من الثورة، ناظرين إلى الماضي لنتعلم منه، كي لا نقع في أخطائنا من جديد، نحاول أن نتعلم الدرس كي لا ندع الفرصة سانحة لأي آخر يحلم بالانقضاض على الحلم، إن الثورة مُستمرة حتى نُحقق أهدافها كاملةً، وسيذكر التاريخ يومًا، أن شبابًا في عُمر الزهور قد ابيَّض شعرهم، وشابت أفكارهم دفاعًا عن حلم الثورة، إننا – كثوار– لا نخشى السجون، لا نُحبها، لكننا لا نخافها، نعلم أن الطريق وَعِرٌ، لكننا نسير وراء حلم، وستظل قلوبنا تنبض بالثورة ما دام في صدورنا شهيق وزفير.

 
إنني أرى أن الخامس والعشرين من يناير عام 2011 هو أعظم يوم في تاريخ مصر الـمُعاصر، وإنني أقف اليوم في صف الثوار، في صف من حلموا بدولة عدلٍ، في ظل من حلموا بكرامة وعيش، أقف بينهم هاتفًا مُذكرًا “خليك ثابت على أفكارك، يسقط مرسي .. سيسي .. مبارك”.
الثورة مستمرة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد