كنا قد ناقشنا في مقالنا السابق ماهية نظريات المؤامرة، تاريخ تداولها بين بني البشر مصطلحًا ومضمونًا، دوافعها ومسببات نشأتها، وأخيرًا أسباب انتشار تداولها المتزايد بين الناس في الآونة الأخيرة. وقد أشرنا إلى أن من الملفت أن نظريات المؤامرة بتعريفها الأشمل الذي أوضحناه ربما يشمل تكذيب الأمم التي خلقها الله تباعًا، لأنبياء الله ورسله وكتبه. من حيث اتهام معظم إن لم يكن جميع الأنبياء بالكذب عمدًا لتحقيق مآرب أخرى غير المعلنة من وجهة نظر كل من كفر بآيات الله بالطبع. كما أشرنا إلى اختلاف أسباب شيوع وانتشار نظريات المؤامرة في عصرنا الحديث، كون المجتمعات الحالية أكثر تعقيدًا، والسياسات والاقتصادات الدولية أكثر تشابكًا، وأخيرًا الوسائط الإعلامية أكثر تغلغلًا، عما كانت عليه سابقًا في قرون الأنبياء والرسل. وأشرنا سريعًا لبعض أشهر نظريات المؤامرة في عصرنا الحديث.

نريد أن نلقي الضوء اليوم ونتعمق أكثر في آلية نشأة وانتشار نظريات المؤامرة في مجال التقنية والبحوث العلمية والطبية، ولماذا تتمتع بعضها بالاعتراف والتصديق، بينما يوصم أصحابها ومروجيها من قبل منتقديها، بالجهل أحيانًا وبالدجل والإضرار بالناس أحيانًا أخرى وفي حالات، يتم اغتيال شخصيات هؤلاء المخالفين معنويًا، وفي حالات أخرى يتم اتهامهم بالارتباط بمجالات غير معترف بها علميًا كالطب البديل، أو العلاج بالأعشاب، أو غيرها.

من المعلوم قطعًا أن الفرق بين العلم والدجل، هو الحقائق المدفوعة بأرقام وشواهد وقرائن. فأساس المنهج العلمي التجريبي، الذي بالمناسبة من رواده العلماء المسلمين الأوائل كالعالم الجليل الحسن ابن الهيثم، هو التسلسل المتعارف عليه: الملاحظة – طرح الأسئلة – صياغة الفرضية – اختبار الفرضية (بالتجريب) – تعديل الفرضية وإعادة الاختبار (إن لزم الأمر) – تحليل البيانات – الاستنتاجات – صياغة النظرية (القابلة للنقض أو التأكيد). إذا توافرت الشروط السابقة مجتمعة في أي نظرية فهي إذًا «نظرية علمية» وإن لم تتوافر، فهي ليست علمية، بل «دجل» أو سمها إن شئت «نظرية مؤامرة» حتى يثبت العكس.

إذًا نتوقع مع وجود تعريف واضح ومتفق عليه للمنهج العلمي وللطريقة العلمية، ألا نجد طرف في الوسط العلمي يتهم آخر بالدجل، بالرغم من أن هذا لا ينفي بالطبع تقبل وجود خلاف موضوعي بين العلماء والخبراء، سواء في منهجية وضع الفرضية المطروحة للاختبار، أو في كيفية اختبارها، أو في آلية تحليل البيانات الناتجة عن اختبار الفرضية، أو أخيرًا في منطقية الاستنتاجات المعلنة، لكن يظل الخلاف في إطار النقاش العلمي العقلاني الذي يثري العلوم ولا يقصي الآخر.

لكن ومع ذلك، رأينا ولا نزال نرى، وصف رواية ما «بالعلمية» وأخرى تتهم «بالدجل»، بالرغم من استناد كليهما المفترض لأرقام وشواهد وقرائن، فقط لمجرد أن الأولى هي الرواية «الرسمية» أو المتماشية مع التيار السائد، والأخرى صادرة عن باحثين سواء كانوا مستقلين، أو أحيانًا تابعين للمؤسسات الرسمية، لكن توصلت أبحاثهم لنتائج تتعارض أو ربما تصطدم بأفكار أو تحليلات التيار العام الذي يراد له أن يسود.

وقد تكرر على مر العصور، حديثًا وقديمًا رصد حالات كثيرة لاضطهاد وقمع علماء وباحثين، حاولوا لفت الأنظار أو دق ناقوس إنذار، متسلحين بأرقام وشواهد وقرائن، لمسائل وشواهد علمية تتعلق بنظريات وتطبيقات في مجالات عدة مثل الفلك والفيزياء والطب والصيدلة. كما لو أن هناك رغبة من طرف ما، في تبني الجميع وجهة نظر محددة وواحدة في تلك المسائل، ولا يسمح بنقاش أو اختبار أية وجهات نظر معارضة لها باستفاضة وأسلوب علمي موضوعي.

إذا أردنا مثالًا قديمًا فلابد وأن نذكر واقعة إدانة محاكم التفتيش الكنسية الرومانية للعالمين الشهيرين نيكولاوس كوبرنيكوس، وجاليليو جاليلي، بالهرطقة والزندقة والتمرد والعصيان، لمجرد أن الأول تجرأ وافترض أن الأرض لا الشمس هي التي تدور حول الأخرى، والثاني تجاوز جميع الخطوط الحمراء الموضوعة حينئذٍ بمحاولته إثبات تلك الفرضية علميًا، وبالتالي فجرا بفعلتيهما قنبلة في وجه التيار العلمي السائد آنذاك، والمدعوم بنصوص من العهد القديم (التوراة)، المروج لنظرية مركزية الأرض لا الشمس في الكون. وكان من نتائج تلك الإدانة، الحظر الشامل لمخطوطات كوبرنيكوس والذي كان قد توفي قبل المحاكمة، كما تم حظر منشورات جاليليو وإجباره على الجهر علنًا بخطأ نظرية كوبرنيكوس بدوران الأرض حول الشمس، وصحة نظرية مركزية الأرض في الكون، وحكم عليه أولًا بالسجن مدى الحياة، ولكن خفف إلى الحبس المنزلي الإجباري حتى وفاته. كان هذا في النصف الأول من القرن السابع عشر.

أما في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، أي بعد مرور حوالي 400 عام على تلك الواقعة، فلا زلنا نرى تكرار قمع وتسفيه العلماء، في وقائع كانت تستوجب الاستقصاء لا الإقصاء، والحوار لا الاحتراب. مثال على ذلك ما حدث مع العالم الفرنسي جاك بنفنيست، والذي ترأس عدة وحدات بحثية في المركز القومي الفرنسي للبحوث، وهو أحد أهم مراكز البحوث الطبية في العالم، كما كان له السبق في اكتشاف أحد الجزيئات الهامة الوسيطة في عمليتي التخثر والالتهاب بجسم الإنسان، إثر ذلك اكتسب هذا العالم تقديرًا دوليًا وشهرةً واسعةً، قربته كثيرًا، حسب العديد من الخبراء للترشح لجائزة نوبل في العلوم، لولا نشره بحثًا في أهم مجلة دورية علمية وهي مجلة نيتشر (الطبيعة)، والذي قلب كل مكتسباته وسمعته العلمية المرموقة رأسًا على عقب.

كان هذا البحث يدور حول قدرة محلول مائي لأحد الأجسام المناعية المضادة، تحت شروط معينة أهمها الرج الشديد، في الحفاظ على خاصية تحفيز أحد أنواع خلايا الجهاز المناعي، حتى بعد تخفيف هذا المحلول تخفيفًا عاليًا لدرجة الوصول إلى اختفاء هذه الأجسام المضادة من المحلول تمامًا، أي بعبارة أخرى أن المحلول قد أصبح ماءًا فقط وخاليًا من أي أجسام مضادة بعد هذا التخفيف. بالطبع ثار عليه الجميع من كبار ومشاهير العلماء فور إعلانه الغريب، والذي ينطوي على ثورة علمية لا شك فيها، تفيد بأن الماء له ذاكرة يتصرف بها وكأن المادة الفعالة متواجدة فيه حتى بعد زوالها منه إثر التخفيف المتوالي.

فور ذلك ونظرًا للضجة الشديدة المترتبة على البحث، أرسل القائمين على مجلة نيتشر لمعمله بباريس، لجنة مكونة من ثلاثة أشخاص للتأكد من صحة هذا البحث المدوي، الأول، وكان هذا مبررًا، هو رئيس تحرير المجلة شخصيًا الفيزيائي المعروف السير جون مادوكس، أما الثاني فكان للغرابة فيزيائيًا يدعى والتر ستيوارت لم يملك أي خبرة معملية سابقة في مجال البحث قيد المراجعة، أما تمام المهزلة فكان العضو الثالث في الفريق، وهو جميس راندي، الذي كان ساحرًا لم يكمل حتى دراسته الثانوية. بالطبع خلصت اللجنة إلى أن ادعاءات ذاكرة الماء لا أساس لها من الصحة؛ لأن النتائج لم تتكرر مع أعضاء اللجنة. لكن الدكتور بنفنيست رفض هذا التقرير شكلًا وموضوعًا، متعللًا بأن طريقة اختبار اللجنة لأبحاثه لم تتبع البروتوكولات التي صاغها في أبحاثه الأصلية.

لكن كان من نتائج ذلك التقييم المثير للجدل، نسج نظرية مؤامرة حول هذا الرجل بأنه زور كل هذه النتائج بهدف شرعنة أحد وسائل الطب البديل علميًا، التي مفادها تخفيف العقار قبل تناوله من المريض بشكل يشبه هذا التخفيف المشار إليه في هذا البحث، وهذا بالطبع خط أحمر، أن يدعم العلم الحديث أي شيء يمت للطب البديل، حتى يظل منبوذًا ومحصورًا في دائرة الدجل والشعوذة. كما تم توبيخه من المسئولين على المركز القومي الفرنسي للبحوث، ثم قطع التمويل عن معمله في باريس، وبالتالي فقدان مكان عمله، لكنه أصر على صحة أبحاثه وأسس شركة خاصة تقوم على بحوث ذاكرة الماء. ومع الوقت اكتسبت (نظرية ذاكرة الماء) مؤيدين جدد، كان أولهم العالم البريطاني الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء برايان يوسفسن، ثم اقتنع لاحقًا بجدية تلك النتائج، العالم الفرنسي الحاصل أيضًا على جائزة نوبل في الطب لوك مونتانييه. ومن الجدير بالذكر أن مجلة ساينس (العلوم) والتي تعتبر ثاني أشهر مجلة علمية بعد مجلة نيتشر، كانت قد أجرت مقابلة في عام 2010، وصف لوك مونتانييه فيها جاك بنفنيست بجاليليو العصر الحديث، وأقر بأن المناخ العلمي العام في الغرب يتسم بالإرهاب الفكري والذي يرفض أي جديد يشذ عن مسار التيار السائد. ولهذا السبب قرر مغادرة فرنسا، واستكمال أبحاثه بحرية أكثر في الصين.

لكن من المفارقة العجيبة أن يتم اتهام جاك بنفنيست بالدجل والشعوذة في الأوساط العلمية، ثم ترسل له مجلة نيتشر ساحرًا ضمن فريق تقصي الحقائق في مهمة من المفترض أنها من أجل إرضاء تلك الأوساط وإقناعهم بأن ادعاءات بنفنيست ليست علمية. وهنا نحن لا ندافع عن نظرية ذاكرة الماء ولا نهاجم منتقديها، بل نحاول فقط رصد المناخ العلمي السائد والذي يرفض تمامًا أي أفكار جديدة خارجة عن قوانين العلوم السائدة، كما يقولون، ولكن أحيانًا بطرق غير علمية أيضًا.

ربما يتساءل البعض في هذا النقاش حول نظرية ذاكرة الماء، ما هو غير العلمي أصلًا في ادعاء امتلاك الماء لخواص خارجة عن السياق الكيميائي والفيزيائي المعروف، وهو يعد مثالًا لأكثر الجزيئات في الكون شذوذًا في علم الكيمياء. بدءًا من درجة غليانه وتجمده، مرورًا بقلة كثافته في حالته الصلبة عما هي عليه في حالته السائلة، ووصولًا للارتفاع الشديد في قيمة التوتر السطحي، بما يخالف جميع نواميس الكيمياء والفيزياء التي تنطبق على نظرائه من الجزيئات الكيميائية القريبة تركيبيًا.

من الملاحظ أيضًا، أن الدنيا تقوم ولا تقعد، إذا خالفت أحد المنشورات العلمية، وهذا وارد، إحدى قواعد البحث العلمي سهوًا أو عمدًا، لكن فقط إذا كانت النتائج بها تتعارض مع التيار العام السائد. أما إذا كانت المخالفة تخص تلك المنشورات العادية التي تسير مع التيار السائد، فأقصى ما يتم عمله هو كتابة استدراك أو تصحيح أو اعتذار، ثم يغلق الملف تمامًا. وهذا ما تؤكده أيضًا دراسات بهذا الشأن والتي تشير إلى تحيز محكمي الدوريات والمجلات العلمية للأبحاث التي تتماشى مع معتقداتهم العلمية وأحكامهم المسبقة.

يتهم البعض أيضًا الأوساط العلمية برفض تلك الأبحاث من منطلق رفض أي نظرية تمت بصلة مباشرة، أو غير مباشرة للطب البديل، أو مؤيدة له من قريب أو بعيد، وفي حالة ذاكرة الماء فالمقصود تحديدًا المعالجة المثلية، أو المتجانسة (الهوميوباثي). لكن ألا يحق التساؤل، لماذا يتم من الأساس وصم قطاع كبير من الطب التقليدي في أحسن الأحوال بالبديل، وهو الأقدم والأسبق، وبالدجل والشعوذة من الكثيرين، بالرغم من مروره بفترة تجارب، ليس على مدار سنوات قليلة كتلك المفروضة على عقاقير ما يعرف بالطب الحديث، بل على مدار مئات وأحيانًا آلاف السنين من عمر البشرية، والتي يمكن وصفها، مجازًا بطبيعة الحال، بالسريرية أو الإكلينيكية، حيث من المفترض بداهةً أن تكون معظم تلك الأدوات التقليدية في العلاج أو التشخيص قد جربت على البشر، وأثبتت نجاعتها، وإلا لما توارثتها الأجيال، أم يجب فقط أن تكون معتمدة من إدارة الدواء والغذاء الأمريكية التي أنشئت قبل 120 عامًا فقط على أكثر تقدير، حتى تكتسب المصداقية والاعتراف.

لهذا السبب كان يعتقد الكثيرون أن المعايير المزدوجة تمارس حصريًا في مجال السياسة، لكن من المحزن أن نراها متواجدة وللأسف بنحو مضطرد في الأوساط العلمية، والتي من المفترض أن تكون حيادية وموضوعية، كحيادية وموضوعية الأرقام والشواهد والقرائن التي من المفترض أن يستند إليها وحدها الأسلوب العلمي في النقد والحكم على الأمور.

هذه المنهجية في التعامل لا تؤدي إلا بالزج بنظريات مؤامرة تلو الأخرى في النقاشات الدائرة حول الأوبئة، العقاقير، اللقاحات، وغيرها. ربما لتفسير التطرف الشديد في معالجة كل ما هو خارج عن إطار ما يعرف بالطب الحديث. فلماذا تكمم الأفواه مثلًا عند التشكيك في صحة وسلامة لقاح ما من اللقاحات، بدلًا عن إتاحة الفرصة لجميع الخبراء بالإدلاء بدلوهم، لتحقيق الفائدة القصوى من تلك اللقاحات وحماية الصحة العامة.

عوضًا عن ذلك، ما نراه غالبًا هو اتهام هؤلاء المشككين بسلامة لقاح معين، بالإضرار العمدي للصحة العامة بحجة إثارة الشك في جميع اللقاحات (وهذا ربما يكون افتراء لتعميمه)، وكرد فعل في المقابل نجد اتهام عكسي لشركات الأدوية العملاقة بالإضرار العمدي للصحة العامة بحجة ضخ لقاحات تؤدي لأضرار بدلًا عن المنفعة المرجوة (وهذا أيضًا ربما يكون افتراء لتعميمه).

الخلاصة أنه لا مناص من احترام الفكر والفكر الآخر، والرأي والرأي الآخر، خصوصًا في مجال العلوم والبحوث والتطبيقات العلمية، ولا بديل عن تكامل الوسائل والأدوات المتعددة التي أنتجتها البشرية على مدار آلاف السنين، لعلاج ما تعانيه البشرية من أمراض وأوبئة ومشاكل صحية واقتصادية. فلا يدعي أحد انفراده بامتلاك الحكمة عمن سواه، أما الآخرون فهم جهلة، أو سحرة، أو مشعوذون. نعم هناك بالتأكيد احتمالية وجود كذب وتدليس وخداع، لكن من جميع الأطراف؛ لأن هذه الخصال والنواقص لا يحتكرها، كما نعرف إنسان عن آخر، ولا مهنة عن أخرى، ولا فصيل عن فصيل. الأمانة والصدق والحقائق هي التي يجب أن تكون الهدف الأسمى، والفيصل في تقييم الأمور العلمية كما هو شأن باقي أمور الحياة.

في القادم سنتناول علميًا وبالتفصيل أحدث نظريات المؤامرة وأسخنها نقاشًا وجدلًا في الآونة الأخيرة، وهي المتعلقة بجائحة كورونا، وللحديث بقية بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد