كنا قد ناقشنا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذه السلسة، ماهية نظريات المؤامرة، تاريخ تداولها بين بني البشر مصطلحًا ومضمونًا، دوافعها ومسببات نشأتها، وأشرنا إلى اختلاف أسباب شيوع وانتشار نظريات المؤامرة في عصرنا الحديث، كون المجتمعات الحالية أكثر تعقيدًا، والسياسات والاقتصادات الدولية أكثر تشابكًا، وأخيرًا الوسائط الإعلامية أكثر تغلغلًا عما كانت عليه في العصور السابقة. كما ألقينا الضوء على آلية نشأة وانتشار نظريات المؤامرة في مجالات التقنية والبحوث العلمية والطبية، وذكرنا مثالًا قديما ومثالا حديثا لجنوح التيار العلمي المهيمن أحيانًا لشيطنة كل ما هو يخالف رأيه وفلسفته ونسقه، لدرجة إخراجه من الملة العلمية كليًا إلى ملة السحر والزندقة والشعوذة. بما يؤدي إلى تحول النقاش بدلًا من أن يكون موضوعيًا، وتقابل فيه الحجة بالحجة، والرأي بالرأي الآخر، إلى القذف بنظريات مؤامرة يتهم طرف فيها الطرف الآخر بتعمد إطلاق افتراضات أو ترويج لمنتجات تفتقر لسند علمي قوي أو لدراسات كافية تلم بكل أبعادها ونتائجها، بما يؤدي للإضرار العام بالمجتمع.

الآن وفي مقالنا الحالي لهذه السلسلة، سنبدأ في نقاش نظريات المؤامرة المتعلقة تحديدًا بجائحة كورونا الأخيرة التي من المؤكد، وهذا ما يتفق عليه الكثيرون، تحيط بها وبالفيروس المفترض المسبب لها، الكثير من الغموض وعدم اليقين في كثير من الجوانب. والذي يمثل في حد ذاته عاملًا مساعدًا لرواج روايات متعددة ونظريات مؤامرة، مقنعة أحيانًا ومتناقضة أحيانًا، ومتطرفة أحيانًا أخرى. وكما أشرنا سابقًا، كلما ساد الغموض وانعدمت الشفافية في أمر ما، ذاعت وانتشرت نظريات المؤامرة حوله. وهذا للأسف يتكرر هنا أيضًا مع وباء، لم تتعامل البشرية مع مثله من الأوبئة بهذا الشكل من قبل.

فإلى يومنا هذا، ورغم التأثيرات الكارثية الهائلة لهذا الوباء على اقتصادات العالم وربما مستقبله، لم يتم قطعيًا وبالإجماع تحديد مصدر انتشار الفيروس؛ فهل هو بالفعل «معمل» أبحاث للفيروسات الخطيرة بالصين، أم هو «سوق» للحيوانات البرية في مدينة ووهان الصينية، كما قيل في عدة تقارير.

ولمن يتساءل عن جدوى هذا السؤال، نحيطه علمًا بأن إذا كانت الإجابة هي «السوق» فهنا يكون المصدر حيوانيًا خالصًا، وبالتالي سيترتب عليه مسارًا بحثيًا مختلفًا لمعرفة أسباب تحور الفيروس بصورة «طبيعية» من استهداف الحيوانات لاستهداف البشر. أما إذا كانت الإجابة على هذا السؤال هي «المعمل» فهنا يكون المصدر بشريًا خالصًا، وبالتالي سيترتب عليه مسار إضافي قد يشمل تحقيقًا جنائيًا دوليًا لمعرفة من هو المتسبب في تسريبه من المعمل، وهل كان حادثا عرضيًا، أم ربما جريمة حرب تنطوي على تطوير واستخدام سلاح بيولوجي.

وتتوالى نظريات المؤامرة لتشمل طبيعة نشأته، وهي مترتبة بالطبع على الجدل السابق الخاص بمصدر انتشاره؛ فهل ساعدت مسببات الطفرات الوراثية الصناعية أو تقنيات الهندسة الوراثية في تحوره لهذا الوحش الكاسر، من استيطان الخفافيش إلى تفضيل البشر، أم هي الطبيعة فقط وقدرة هذا الفيروس على التحور السريع.

ولم تتوقف نظريات المؤامرة عند مصدر انتشار ونشأة الفيروس، بل امتدت إلى طرق تشخيصه أيضًا؛ فكثر الجدل في الآونة الأخيرة عما إذا كانت طرق تشخيصه الحالية، حقًا دقيقة وحاسمة في الجزم بالعثور على هذا الفيروس المتهم بقتل مئات الآلاف، أم لا، وبالتالي التشكيك تلقائيًا في أعداد الإصابات المعلنة.

ثم ثار جدل محتدم بين المختصين حول أحد طرق علاجه؛ فهل عقار الهيدروكسي كلوروكين هو حقًا ذو مفعول سحري كما ادعى رئيس أمريكا المنتهية ولايته دونالد ترامب، أم على العكس تمامًا، هو ضار بل ويمثل عاملًا مساعدًا في مضاعفة الأثر السلبي للفيروس.

وأخيرًا وهي من أكثر نظريات المؤامرة تداولًا بعد نظريات مصدر ونشأة الفيروس، تلك المتعلقة بلقاح كورونا، فالجدل يدور وبشدة عما إذا كان اللقاح المفترض إنتاجه وطرحه للتداول قريبًا، سيكون كافيًا لمنع الإصابة به، والأهم هل سيكون آمنًا حقًا ومستوفيا للدراسات الإكلينيكية المتفق عليها، أم لا.

نقاط كثيرة وجوانب متعددة يكثر الجدل فيها حاليًا بين أكثر من معسكر يمتد من خبراء ومعنيين بعلوم المناعة والفيروسات والصحة العامة، إلى سياسيين وإعلاميين وشخصيات عامة، إلى المواطن البسيط الذي احتار كثيرًا وسط هذا البحر من المتناقضات والنظريات. لكن دعنا نناقش هذه الجوانب نقطة تلو الأخرى، ونستعرض معًا أهم نظريات المؤامرة التي صاحبت انتشار هذه الجائحة ونناقشها بهدوء، حتى نستبين حقًا ما الذي يجري، لربما نتمكن من الحكم على الأمور بموضوعية أكثر ودون تحيز.

أول وأهم نقطة من وجهة نظر الكثيرين، هي مصدر ونشأة هذا الفيروس. فمن المستغرب ونحن نعيش في الألفية الثالثة، وفي عصر ثورة المعلومات والتقنية والتواصل، عدم وجود دليل قطعي غير قابل للشك حتى الآن، ببراءة أو اتهام الجهات الصينية بنشر هذا الفيروس، عمدًا أو عن طريق الخطأ، من ذلك المعمل المثير للجدل، الذي افتتح نشاطه في عام 2014 داخل معهد ووهان لدراسة الفيروسات، الذي تديره الأكاديمية الصينية للعلوم، وهي بالطبع جهة حكومية، إن لم يكن من يديره هو «جهاز الاستخبارات الصينية» بالنظر إلى طبيعة عمله وثيق الصلة بالأمن القومي. هذا المعمل يقوم ومنذ نشأته بدراسة أخطر الفيروسات على وجه الأرض ومنها أيضًا فيروسات كورونا، بهدف «معلن» هو دراستها المتأنية لحماية المجتمع من شرورها، أما الهدف «الخفي» فسنتركه للزمن والتاريخ. ورغم تضارب الآراء حول مصدر هذا الفيروس، هل هو هذا المعمل أم هو سوق للحيوانات البرية في نفس المدينة؟ لكن الإجماع الوحيد المتفق عليه تقريبًا هو أن هذه الجائحة أول ما بدأ ظهورها، ظهرت أواخر شهر ديسمبر عام 2019 وسط الصين، تحديدًا في مدينة ووهان عاصمة مقاطعة هوبي. في بادئ الأمر تم الإعلان عن تفشي التهاب رئوي مجهول السبب، لاحقًا تم نشر بحث علمي، في دورية لانسيت الطبية، يؤكد الكشف عن فيروس كمسبب محتمل لتلك الجائحة، كما أشار البحث لقرابته الوراثية الوطيدة بفيروسات كورونا المتوطنة بالخفافيش.

أثيرت أيضًا الكثير من الشكوك والتساؤلات بسبب التقارب الجيني لهذا الفيروس الجديد من فيروسات أخرى تم الكشف عنها لأول مرة في عامي 2003 ثم في عام 2012، وهي فيروسات كورونا المسببة لمتلازمتي سارس «متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم»، وميرس «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية» على التوالي، والتي يملك بالمناسبة معهد ووهان لدراسة الفيروسات في العمل عليهما خبرةً طويلة. لكن الملفت أكثر هو الاختلافات الجينية المستحدثة والمبررة رسميا بامتلاك هذا الفيروس معدلا عاليا جدًا للتحور والطفرات الوراثية، معدل يصعب على أي دارس للأحياء، رجوعًا لما درسه في كتب علوم الأحياء، تصور حدوثها في هذا النطاق الزمني الضيق وبهذا النمط بصورة طبيعية «تلقائية دون أي تدخل بشري»، بالإضافة لعدم وجود تجارب سابقة لهذا المعدل الخارق لسرعة حدوث كل هذه الطفرات الوراثية «بصورة طبيعية» في هذا الوقت القصير من الزمن.

هنا يجدر الإشارة إلى أن علماء وللمفارقة صينيين أيضًا لكنهم فروا من هونج كونج الصينية في وقت سابق من هذا العام قد نشروا بحثيين علميين، بصعوبة بالغة نظرًا للحظر المفروض على أي أبحاث تخالف سيناريو النشأة الطبيعية للفيروس، أوضحوا فيهما، دعنا نقول، قرائن تشير إلى أن فيروس كورونا لا يمكن أن يكون طبيعي المنشأ، بالإضافة إلى اتهامات مقرونة بشواهد أن هذا الفيروس هو مشروع سلاح بيولوجي محتمل تبناه الجيش الوطني الصيني، مطالبين بالتحقيق الدولي الجدي في تلك المزاعم حتى يزول الضباب تمامًا ونعرف كيف نشأ الفيروس، والأهم محاسبة المتورطين المحتملين.

إذن لماذا لا نقطع الشك باليقين ونغلق الباب أمام ولادة نظريات مؤامرة متعددة في هذا الشأن، وتعلن جهة دولية مستقلة وليست «منظمة الصحة العالمية» والتي هي في الواقع مجلس إدارة وزارات الصحة للدول الأعضاء بالأمم المتحدة تشكيل لجنة مكونة من علماء مشهود لهم بالخبرة والنزاهة للتحقيق في أنشطة هذا المعمل، والفيروسات المتواجدة به، ومدى قرابتها بالسلالات المنتشرة عالميًا، ومدى فاعلية وسائل الأمان الحيوي المتبعة في هذا المعمل، على الأقل لضمان عدم تسريب أي كائنات حية أخرى تنشر كل هذا الخراب والدمار في المستقبل. هل هذا مثلًا خط أحمر؟ لأن البعض يتساءل هل تفتيش الدول الضعيفة عند مجرد الشك في أي نشاط نووي «محتمل»، كما حدث مع العراق، يفوق خطورةً وأهميةً، معرفة كيف انتشرت تلك الجائحة، التي وإن تم الجدل في جميع المعلومات المحيطة بها لكن لم يتم التشكيك مطلقًا في مصدرها الجغرافي وهو مدينة ووهان الصينية. هل من الصعب أن نعرف ماذا يفعل هذا المعمل بالتحديد. وهل ننتظر منه وباءًا جديدًا، إن تم من الأساس تعافي البشرية من الوباء الحالي وآثاره التدميرية على جميع الأصعدة.

هذه من وجهة نظري المتواضعة أهم نقطة فيما يخص تكذيب أو تصديق أخطر نظريات المؤامرة حول وباء كورونا. لأن من الأساس إذا كان مصدر انتشار الفيروس المسبب للوباء بشريًا «عمدًا أو سهوًا»، ويظل من تسبب به طليقًا حرًا ومستمرًا في عبثه، فمن يضمن للعالم أجمع عدم تكراره وربما بصورة أخطر من هذه النسخة الفيروسية.

الموجة التالية من نظريات المؤامرة حول فيروس كورونا تخص نشأته أيضًا، وهي أن البعض يشكك في كيف لمادة وراثية خلقها الله أن تتحول وتتحور في مدة زمنية قصيرة جدًا بهذا المعدل السريع الذي يحاول البعض إلصاقه بمعدل طفرات خارق للعادة عند هذا الفيروس، لكن وهذا هو الأهم، يقولون أنه إذا تم التسليم بمعدل الطفرات الوراثية والتحور السريع لهذا الفيروس، فما جدوى إذن أي مشاريع، تتكبد بسببها اقتصادات العالم المليارات من الدولارات هي في أمس الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى، لإنتاج لقاح لهذا الفيروس يكون ناجحًا في منح أي مناعة لمن يتناوله. فالمعروف قطعًا أن إنتاج أي لقاح ضد أي كائن مسبب لمرض، مبني بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المادة الوراثية لهذا الكائن، وبالتالي أي تغيير يطرأ على مادته الوراثية «بفعل الطفرات الوراثية» سيغير ربما من طبيعته وتكوينه وبالتالي يفقد قرابته للسلالة الأصلية التي تم تصميم اللقاح ضدها. وتلقائيًا يؤدي هذا ربما إلى عدم ارتباط أي لقاح منتج، بالفيروس الأصلي بمجرد مرور فترة زمنية قصيرة، حيث إن الفيروس الدائر المنتشر في العالم الآن، إذا سلمنا بسرعة حدوث تلك الطفرات الوراثية في فيروس كورونا، ليس هو ذلك الفيروس الذي كان منتشرًا منذ عام.

لذلك يشير البعض، إما التسليم بنظرية معدل تحور فيروس كورونا السريع لتمرير نظرية نشأته الطبيعية وبالتالي اسمه كفيروس «مستجد»، لكن عندئذٍ ينبغي التساؤل عن جدوى عملية تصنيع اللقاح الخاصة به، وهي عملية تتطلب على أقل تقدير عامًا كاملًا، وهو ربما لن يكون متواجدًا في ذلك الوقت بفضل تحوره السريع ومعدل طفراته الوراثية الخارق للعادة. وإما التسليم بنظرية المعدل البطيء لطفرات فيروس كورونا المتوافق مع المعروف عن الطفرات الوراثية لتمرير نظرية فاعلية اللقاح الموجه ضده، لكن عندئذٍ سيتم التساؤل عمن حوره إذن في هذا الوقت الوجيز كي يختار البشر بدلًا من الخفافيش هدفًا للإصابة.

وتتوالى نظريات المؤامرة على فيروس كورونا بلا هوادة، وتنتقل إلى طرق تشخيصه. من المعروف أن هناك ثلاث طرق تشخيصية متعلقة بفيروس كورونا. الأولى الكشف عن المادة الوراثية للفيروس، وهي المعروفة بالبي سي آر، أو التفاعل التسلسلي لإكثار الحمض النووي للفيروس. والثانية الكشف عن أحد بروتينات الفيروس أو ما يعرف بالأنتيجن الواقع على سطح غلافه. أما الثالثة والأخيرة فهي الكشف عن الأجسام المضادة المناعية التي أنتجها جسم الإنسان كرد فعل للإصابة المحتملة بالفيروس. كل هذه الطرق يوجد بها العديد من التفاصيل الفنية ومواطن القوة والضعف التي لا مجال لسردها في هذا المقال، لكن ما يجدر الإشارة إليه فقط هو تنامي الدعوات للحذر من نتائج هذه الاختبارات سواء كانت نتائج إيجابية أو نتائج سلبية فيما يعرف حتى من قبل الشركات المصنعة للكواشف التشخيصية نفسها، بالنتائج الإيجابية أو السلبية الكاذبة. ومعظم تلك الشركات، وهي في الغالب شركات أدوية عملاقة، تضيف في الإرشادات الملحقة بأطقم الكواشف أن هناك 5% هامش خطأ، بما يعني أن لكل 100 اختبار هناك 5 نتائج ربما تكون سلبية أو إيجابية كاذبة، أي غير صحيحة. لكن يجب التذكير بأن هذا الهامش مقرر سلفًا من الشركة المنتجة وليس من طرف محايد، ولكن وهذا هو الأهم أن ذلك الهامش من الخطأ محسوب تحت الظروف المعملية والفنية المثالية، لكن يتساءل البعض هل تنطبق هذه الظروف التقنية والعملية المثالية على جميع المعامل في جميع أنحاء العالم. أضف إلى ذلك قرابة هذا الفيروس الجينية بفيروسات كورونا البشرية المعروفة الأخرى والمسؤولة بالمناسبة عن حوالي من 20%-30% من نزلات البرد الفيروسية عند البشر، وإمكانية رصدهم أيضًا بوسائل التشخيص المتداولة لفيروس كورونا، وبالتالي إضافة عدد لا يستهان به من التشخيصات الخاطئة.

لكن هل هناك من يتجاهل كل هذه الحقائق؟ وما عائده حيال ذلك؟ الإحصائيات الحالية تشير إلى أن هناك ما يقرب من مليار ومائتي مليون اختبار لفيروس كورونا قد تم إجراؤه في جميع أنحاء العالم حتى الآن. وبالنظر لسعر الاختبار الواحد من الشركة المنتجة وليس سعر عرضه للجمهور، بمتوسط 20 دولارا، يمكننا أن نخمن أن مبيعات شركات الأدوية من الاختبارات فقط قد بلغت حوالي «24 مليار» دولار حتى الآن. هذا مبلغ ليس بالبسيط ليثير الشكوك حول ما إذا كان هناك مستفيدًا.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد