ينتشر هذه الأيام النقاش والجدل حول نظريات المؤامرة، خاصة مع تفشي جائحة كورونا عالميًّا والتناظر في طبيعة ونشأة الفيروس المسبب لتلك الجائحة. البعض يؤكد وجودها والآخر ينكر، وبين هذا وذاك يقف الكثيرون حيارى بين المتطرفين من كلا معسكري التأكيد والإنكار. لذا دعونا نناقش ماهية نظرية المؤامرة، تاريخ تداولها بين بني البشر مصطلحًا ومضمونًا، ما دوافعها وما مسببات نشأتها؟ وأخيرًا ما أسباب انتشار تداولها المتزايد بين الناس في الآونة الأخيرة؟

نظرية المؤامرة حسب تعريفها الشائع هو: الاعتقاد بأن حدثًا (أو موقفًا) ما ناتج عن خطة سرية وضعها شخص نافذ (أو أكثر). لكن دعنا نشرح هذا التعريف كي نصل لجوهر مصطلح نظرية المؤامرة. فهذا التعريف يشير إلى أن نظرية المؤامرة مبنية أساسًا على الاشتباه في وجود خطة سرية وضعها شخص (أو أكثر) لتمرير (أو تبرير) حدث (أو موقف) ما، بمعنى آخر أن ظاهر الأمر غير باطنه. فهل هذا يعني أن التعريف الأشمل لنظرية المؤامرة يمكن أن يكون إذن: الاعتقاد بأن حدثًا (أو موقفًا) ما ناتج عن كذب شخص نافذ (أو أكثر). سنعود لهذا، ولكن لاحقًا.

أول مرة جرى تداول هذا المصطلح كانت في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عام 1868، ولا عجب بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي توصل باحثان في جامعة شيكاغو، وهما إريك أوليفر، وتوماس وود بعد دراسة علمية منشورة إلى أن حوالي نصف شعبها يؤيد دائمًا نظرية مؤامرة واحدة على الأقل. لكن الملاحظ أن بدايات تداول مصطلح نظرية المؤامرة كان غالبًا في ساحات المحاكم وسياق الجرائم. لاحقًا بدأ المصطلح يأخذ شعبية أكثر في الساحة السياسية، من خلال تفسير اغتيالات سياسية متتالية، وأشهرها على الإطلاق ما حدث لاحقًا في عام 1963 من اغتيال أقل ما يقال عنه إنه مريب للرئيس الأمريكي جون كيندي، أو في سياق تبرير قمع مجموعات مخالفة فكريًّا للتيار السياسي السائد، ممن وصموا بالشيوعية من قبل الحكومة الفيدرالية، ولاحقًا من النائب جوزيف مكارثي في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات.

تواصلت شعبية مصطلح نظرية المؤامرة إلى انتشار الاعتقاد بأن أحداث 11 سبتمبر (أيلول) لم تكن سوى مؤامرة نسجتها الحكومة الأمريكية سواء بالاشتراك أو بالتواطؤ؛ كي تبرر حربها التالية على أفغانستان والعراق، وما تبع ذلك من زيادة هيمنتها على المنطقة الأشد توترًا في العالم، وذلك من وجهة نظر أصحاب تلك النظرية. هذا الاعتقاد مبني كما كان الحال في حادثة اغتيال الرئيس كيندي على اتهامات بقصور التحقيقات الحكومية، وتجاهل العديد من الشهادات، وإعلان نتائج تفتقر بعضها إلى أبسط مبادئ الفيزياء، كالرصاصة السحرية التي أصابت الرئيس كينيدي وحاكم تكساس في مواضع مختلفة من الجسد وغيرت اتجاهها عدة مرات.

ولم يقتصر استخدام هذا المصطلح على الأحداث السياسية، بل امتد أيضًا إلى مجال الصناعة والاقتصاد. ومنها على سبيل المثال نظريات المؤامرة المتعددة والموجهة لشركات الأدوية العملاقة بالتأثير في صناع القرار المحلي ممثلًا في وزارات الصحة، أو الدولي ممثلًا في منظمة الصحة العالمية. هذا التأثير يتراوح حسب أصحاب نظريات المؤامرة تلك بين الحصول على تراخيص لعقاقير أو للقاحات تفتقر بعضها لدراسات إكلينيكية كافية، وبين منع تراخيص لوسائل علاج بديلة تمتلك حسب بعض الخبراء قدرات علاجية كبيرة، وكل ما تفتقر إليه هو اللوبي عند صانع القرار.

إذن كما نرى فإن نظريات المؤامرة الشائعة لم تقتصر على اتهام المشككين للحكومة أو اللوبي المرتبط بها بتمرير مخطط أو حدث ما لتحقيق مصلحة معينة، بل رأينا نظريات مؤامرة نابعة من الحكومات نفسها ضد فصيل من الشعب أو نخبته لتبرير قمعه واضطهاده، بحجة أنه يخطط لهدم النظام السياسي أو الأيديولوجي للدولة، كما وصمت المكارثية في الولايات المتحدة أشخاصًا أمثال مارتن لوثر بالشيوعية، بل أيضًا روبرت أوبنهايمر الملقب بـ«أبو القنبلة الذرية» لمجرد معارضته تطوير القنبلة الهيدروجينية نتيجة لشعوره بالندم بعد رؤيته نتائج مشروعه المدمر على البشرية.

لكن هل نظريات المؤامرة ترجع فقط للعام 1886، أي العام الذي رصد فيه هذا المصطلح لأول مرة، أم ترجع إلى عصور قديمة جدًّا ربما قدم حياة الإنسان على وجه الأرض. للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نرجع إلى محاولة التعمق في تعريف المصطلح التي ذكرناها آنفًا. وتحديدًا عندما افترضنا أن نظرية المؤامرة ربما يمكن تعريفها بالاعتقاد في كذب طرف (أو أكثر) لتبرير أو تمرير حدث (أو موقف) ما. فهل يذكرنا هذا بشيء ما تكرر كثيرًا في تاريخ البشرية.

تكررت كلمة «كَذَّب» بهذا التشكيل 114 مرة في كتاب الله الحكيم، كلها في سياق تكذيب آيات أو رسل وأنبياء الله المرسلة لبني البشر منذ آدم حتى خاتم الأنبياء، عليه أفضل الصلاة والسلام. وكلمة «كَذَّب» (شيئًا ما) تعني لغويًّا الزعم بأن (شيئًا ما) مخالف للحقيقة. وما نظريات المؤامرة جميعها إلا مزاعم بمخالفة الحقيقة في قول أو فعل أو حدث ما. إذن من يظن أن نظرية المؤامرة وليدة اليوم أو حتى أواخر القرن التاسع عشر، حينما رُصد (المصطلح) لأول مرة، فقد يكون مخطئًا إذا كان تفسيرنا الأشمل لتعريف نظرية المؤامرة لم يتجاوز اللغة والمضمون.

فتكذيب قوم فرعون مثلًا بموسى وهارون، عليهما السلام، واتهامهم لهما بمحاولة تغيير عقيدة الآباء والأجداد حتى تكون لهما السيطرة والهيمنة في الأرض، كما ذكر في الآية الكريمة في سورة يونس «قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ»، لا تخرج عن سياق أي نظرية مؤامرة حديثة في إطار سياسي كانت، أو اقتصادي، أو اجتماعي.

الآن لنعرج قليلًا في دوافع نظريات المؤامرة وأسباب نشأتها. بالتأكيد إذا أخذنا في الاعتبار تكذيب الرسل والبينات كأكثر نظريات مؤامرة انتشارًا وتكرارًا في تاريخ الإنسانية فسنتوصل إلى أن أهم دوافعها هو خشية الخروج عن المألوف، أو الهلع لفقدان سيطرة أو هيمنة ما، أو حتى أبسط من ذلك، نتيجة كبر واستكبار. لكن دون شك في العصر الحديث ربما تدخل عوامل وأسباب أكثر تعقيدًا.

فتداخل المصالح وتضاربها، وتنوع المؤسسات وتناحرها، وتعدد القوى وتنافسها، ساهم دون شك في تنامي شعبية نظريات المؤامرة وانتشارها بكافة أشكالها. فما أسهل اليوم أن تنشر ثقافة الإسلاموفوبيا على سبيل المثال في شتى بقاع العالم بناءً على تكرار نظرية مؤامرة تنسجها وتحبكها جيدًا إعلاميًّا، عن أسلمة الغرب بموجات الهجرة المتتالية للمسلمين المنكوبين في أوطانهم، أو بناءً على نظرية مؤامرة أخرى تلقن بها جمهورك، بأن الإرهاب ماركة مسجلة باسم المسلمين مستندًا إلى أحداث 11 سبتمبر، التي للمفارقة أيضًا يصفها آخرون بأنها هي ذاتها نظرية مؤامرة.

لكن يجب أن ننوه بأن الزيادة المضطردة في تنوع نظريات المؤامرة وشعبيتها في الآونة الأخيرة، ترجع ربما لانتشار ثقافة الانتهازية والجشع التي تغلف غالبًا بالمكيافيلية وقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، فلا عائق أخلاقي حسب هذا المبدأ بأن تحصل على مرادك أو تحقق هدفك، حتى ولو بالكذب وإخفاء الحقيقة. سبب لا يقل أهمية أيضًا هو ضياع الحقيقة في كثير من الأحيان، إما نتيجة لاحتكار قوى معينة لوسائل الإعلام، وإما تداخل المصالح بين هذه المؤسسات وبين مؤسسات اتخاذ القرار واللوبيات المختلفة.

وكرد فعل محتمل ومتوقع لهذا الغياب المتكرر للحقيقة والغموض الذي يكتنف العديد من الأحداث والمواقف الراهنة، تفجرت نظريات المؤامرة من كل حدب وصوب بعد ظهور وامتداد وسائل التواصل الاجتماعي.

الخلاصة هي أن الكذب أو الاتهام (صدقًا أو كذبًا) بالكذب هما المحركان الرئيسيان لجميع نظريات المؤامرة منذ القدم وحتى يومنا هذا، ولطالما وجد الكذب ستجد التربة الخصبة لنظريات المؤامرة، ولا مناص من الصدق ومزيد من الشفافية في تناول الأمور والأحداث، وتبرير السياسات العامة بناء على أرقام وحقائق دامغة لا تترك مجالًا لنسج شائعات وبناء نظريات مؤامرة جديدة تشفي صدور كل متعطش للحقيقة، التي غابت عنه أو تم تغييبها عنه سهوًا، أو بفعل فاعل. وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد