لطالما هدف الجنس البشري منذ القدم، للتحكم في الطبيعة، وفي ذاته بالأساس، مدركًا أن المعرفة تمكنه من هذا المبتغى نسبيًا. وانطلاقًا من عودة أرواح الأجداد في الأديان السحرية، لتخطيطات الآلهة المتصارعة مع غرور البشر، لغاية المنظمات الدولية المتحكمة في سير الأحداث السياسية: ظل السيناريو الذي يكرر نفسه على مراحل التاريخ ـ على مخيلة البشر بتعبير أدق ـ هو “الأيادي الخفية التي تتدخل في تغيير مجريات الأحداث”، شعور بالتربص من طرف جهة أو جماعة أو حتى شيء ما قد لا يكون بالضرورة محددًا، كما لدى القبائل الطوطمية.

 

أية ظاهرة، سواء كانت طبيعية أو اجتماعية، تتطلب مخزونًا معرفيًا لفهم وتحليل سلوكها، وغالبًا ما يتقبل العقل التفسير الأقرب لفك غموض الظاهرة، إلى حين توفر تفسير أفضل أو أدق، ولن ندخل هنا في إطالة حول مقاومة البشر التلقائية للتفاسير العلمية ـ كوبرنيكوس، غاليليو وداروين على سبيل المثال ـ نظرًا لقلب وتشويش هذه التفاسير المفاجأة لعقول العامة طالما أنها اعتمدت على الخرافة لمدة طويلة في تشكيل نظامها العقل-عصبي، بما في ذلك من تأثير على السلطات السياسية وتغييرات تمسها جوهريًا (زوال شرعية الكنيسة)، وهو الأمر الذي يخلق هلعًا وإرباكًا أمام المستقبل العجيب الذي سيكون مبنيًا على المفاهيم المكتشفة توًا والجديدة، بذلك تتم عملية التقبل ببطء، فالحقائق تفرض نفسها بالأخير. كسفينة تصطدم بالبر، فيهتز البحارة، متشبثين بسطح السفينة خوفًا من الغرق، لكن عاجلًا أم آجلًا سيدركون أنهم فوق أرض صلبة ـ حقيقية.

 

بالنسبة لنظرية المؤامرة، والتي منطقيًا تسقط، أولًا: لأن البشر لم يصلوا بعد لذكاء يمكنهم من وضع خطة مضبوطة للتحكم في أحداث العالم، أي خبير في الشؤون السياسية والاقتصادية يفهم جيدًا هذه النقطة، ثانيًا: هناك تفاسير أقرب وأسهل (كما في النظريات الفيزيائية)، لفهم التطورات السياسية للعالم، دون حاجة لقصص معقدة ومركبة بشكل هوليودي (كما في التفاسير السحرية والأسطورية). يكمن الإشكال في ضعف المخزون (المعرفي) السياسي والاقتصادي عند الناس، الكثير منهم لا يمتلكون نقدًا سياسيًا نتيجة غياب فهم واضح للوضع السياسي الداخلي، والتأثيرات الخارجية، بما في ذلك تأثير السوق العالمي. هناك من لا يملكون أدنى معرفة عن دساتير دولهم، والأحزاب السياسية لبلدانهم، تاريخها، اقتصادها، بل ربما حتى أفكار عن حقوقهم الإنسانية! وتجده يحاول تفسير خبايا البيت الأبيض!

 

النطقة الثانية في الإشكال، تتعلق بلذة التفسير التآمري، عندما تشعر بالعجز أو الفشل أو بصعوبة التحكم في حياتك اقتصاديًا/عاطفيًا/مستقبليًا، فإنك تجد السلوى في تقبل أن هناك مجموعة أو جهة ما لها علاقة أو سبب في عجزك، وهو أريح لك نفسيًا، من تقبل أنك عاجز انطلاقًا من ذاتك وسوء فهمك لوضعك بما في ذلك حقوقك وواجباتك تجاه بلدك وبلدك تجاهك، وهو ينطبق أيضًا على جماعة (أمة/شعب) تلقي بعجزها وتدهورها على المؤامرة بدل مواجهة تناسيها لقدرتها وواجباتها تجاه ذاتها وواقعها. يُعرف هذا الميكانيزم ـ الآلية الدفاعية ـ بـ “الإنكار” في علم النفس (عدم الرغبة في مواجهة حقيقة الواقع لأنها مؤلمة لنفسيتك وجارحة لنرجسيتك)، وبـ “مقاومة التحليل” في التحليل النفسي (عدم رغبة الشخص بالاضطلاع على التفسير الصريح والتشبث بتفسيره الخاص لأنه تعود عليه وتكيّف معه بشكله المَرَضي).

 

ومهما تعددت مسميات الميكانيزم ـ بما في ذلك “الإسقاط”: أي إسقاط العجز على الآخر كسبب، فإن “نظرية المؤامرة” تظل الجانب السحري الذي يعلّق الناس فيه سوء أوضاعهم وتفكيرهم ما دامت هناك مؤامرة، بانتظار تدخل شخص أو حدث (صدفة) ينهي سيطرة هذه المؤامرة، يقطع خيوط تحكمها الخفية، ليتمكن المعني ساعتها من إبراز ذاته وتحقيق تطلعاته.

 

إنها آلية طفولية عاجزة، نتيجة سوء التركيب المعرفي والمفاهيمي، تبرز في مجتمعات الحروب/الحضارات الخاسرة، باعتبار أن الذات أمام حرب، حرب تهدف لتدميرها نتيجة أهميتها! هنا تشكّل نظرية المؤامرة، في شكلها الاعتقادي الجماعي، جنون اضطهاد أو ذهان مخفف!

 

مثلما كان الاعتقاد قديمًا بأن الكارثة الطبيعية تنتج عن تحريض أحدهم لغضب الآلهة، تأخذ العملية شكلها الجديد عبر إقدام الحكومة على خسائر اقتصادية وعمرانية رهيبة (بما فيها ضحايا بشرية) فقط للتلاعب بعقلك وتشتيت تركيزك كي لا تلمح مخططًا خفيًّا. لقد وصل الأمر بالشاعر الفرنسي أنطونين أرتو حد الاعتقاد بأن الطبيب الذي يشرف على حالته النفسية في المستشفى، يندرج كذلك ضمن أجندة كونية محاكة ضده. مشهد شبيه نوعًا ما بذلك المارشال النزيل بسجن للمجرمين المضطربين، معتقدًا بأنه أُرسل للتحقيق في جرائم يخطط لها مدراء السجن وستحاك ضده، وهي أحداث رواية “الجزيرة المغلقة” للروائي دينيس ليهان، التي تحولت لفيلم يحمل نفس العنوان، جسّد ليوناردو ديكابريو فيه تلك الشخصية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد