حملات إعلامية ضخمة تبنت تفنيد «نظرية المؤامرة»، ونجحت بشكل واسع في ترسيخ قناعة أنها نظرية شوهاء ينبغي التنصل منها، وكما نجحت المخططات اليهودية في نشر تهمة «معاداة السامية» في الغرب، نجحت الآلة الإعلامية الليبرالية في تشويه «نظرية المؤامرة» عربيًّا، حتى بات على كل إعلامي أو كاتب أن يتنصل من الاعتقاد بهذه النظرية قبل أن يتحدث عن توجهات الغرب تجاه الإسلام والمسلمين عامة والمنطقة العربية خاصة، لا بد أن يبدأ تحليله وعرض وجهة نظره بالعبارة الشهيرة «رغم أني لا أؤمن بنظرية المؤامرة، إلا أني…» كنوع من الوقاية عن سلخه من قائمة المثقفين التنويريين، وتصنيفه مع المثقفين الظلاميين.

والصخب الإعلامي حول تحطيم هذه النظرية يكاد لا يهدأ، حتى من أبناء جلدتنا ممن تشربوا مناهج الغرب، فيتساءل أحدهم متعجبًا: هل هو قدر محتوم على العرب أن يعيشوا مسكونين بنظرية المؤامرة؟ وكنت أود أن يقرن هذا السؤال بالقدر المحتوم لأهل غزة، حيث الحصار الخانق لشعب يتلمس طريقة للتحرر.

هل هي مخاوف؟!

يقول محرر وول ستريت جورنال في عرضه لكتاب «اليد الخفية.. مخاوف الشرق الأوسط من المؤامرات»: «في عالم اليوم فإن العرب والإيرانيين أكثر شعوب العالم إيمانًا بنظريات التآمر، وأشدهم حماسًا في نشرها، وإلى حد ما، يرجع هذا إلى ثقافة هذه الشعوب، فكلا الشعبين لهما تراث أدبي غني بالخرافات ذات المعاني العميقة، ونظرياتهم التآمرية مليئة بالخيال، وهناك سبب وجيه أيضًا يساعد على خلق هذه النظريات التآمرية، فإيران وكل الدول العربية في قبضة قائد مطلق سواء كان علمانيًّا أو رجل دين، وهؤلاء يخضعون كل شيء لتحقيق أغراضهم وأهدافهم: التعليم، وسائل الإعلام، القانون، الجيش وغيرها من المؤسسات. وفي هذه المجتمعات لا يعلم بالحقائق الصحيحة إلا قلة صاحبة امتيازات، ويجعل الخوف والجهل الجماهير تحت رحمة الشائعات والخيالات، ولهذا يتخلى الناس عن مبادئ البحث العلمي المألوفة للتحقق من الأحداث ويلجؤون إلى فكرة أن هناك قوى تعمل في الخفاء مما يفتح المجال للأساطير والخرافات التي تنبع من خيال الإنسان الواسع».

نعم سجون جوانتنامو -مثلًا- التي أعدت خصيصًا للمسلمين محض خرافات، وامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية وتحريمه على العرب محض أساطير، وضرب المفاعلات النووية العراقية، واغتيال الدكتور يحي المشد عالم الذرة المصري، والسلاح النوعي الغربي في إسرائيل دون سائر الدول العربية.

هل هي صراع؟!

يقول آخر: على أنني أضيف سببًا مهمًّا يمثل الخط الرئيسي في الأبحاث والدراسات الأكاديمية وكتابات المثقفين العرب، وهو إيمانهم بأن جوهر العلاقات الدولية هو الصراع الذي يحقق المصلحة، ولهذا تنحصر العلاقات الدولية في ثنائيات (منتصر ومهزوم)، (خاسر ومستفيد)، (متآمر ومتآمر عليه)، (شرق وغرب)، وهذه نظرية خاطئة.. الخط الرئيسي للعلاقات الدولية هو التعاون والتنافس، أما الصراع فيمثل سلوكًا جانبيًّا اعتراضيًّا معوقًا للتقدم البشري. رؤية العرب رؤية داروينية مالتسية. وقد قدم مالتس نظريته المعروفة عن السكان، والتي تناولت بشكل متشائم أن السكان يتزايدون بمتوالية هندسية، في حين يتزايد الغذاء بمتوالية عددية، ومن ثم سيحدث صراع يؤدي إلى تقليص عدد سكان العالم ليتناسب مع الموارد الغذائية المتاحة، وثبت فشل هذه النظرية حيث حقق التعاون الإنساني تزايدًا مطردًا في الإنتاج الغذائي وارتفع مستوى البشر في كافة مناحي الحياة رغم تزايدهم عدة مرات منذ أن طرح مالتس نظريته.

وكأن كاتب هذه السطور لم يسمع عن ذبح مسلمي بورما الذي يتم صباح مساء على أعين المجتمع الدولي والإسلامي. فضلًا عن إبادة المسلمين في زنجبار (عشرين ألف عربي مسلم) والبوسنة والهرسك (مذبحة سربرنيتسا 8 آلاف مسلم)، ومآسي المسلمين في ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي حيث عمد الشيوعيون لأساليب إبادة رهيبة للمسلمين فتمت إبادة عشريــــن مليون مسلم خلال خمسين عامًا, وقد ثبت بالإحصائيات الروسية أن ستالـين وحده قتل 11 مليون مسلم. مذابح صبرا وشاتيلا (3500 مسلم) ودير ياسين (2000 مسلم)، مذابح المسلمين في الهند منها مذبحـــة أحمد آباد عام 1970م التي ذهب ضحيتها 15 ألف مسلم باعتراف أنديرا غاندي نفسها.

هل هي سرية؟

آخر يضلل وهو يتحدث عن الصراع الدولي ويقول: «إن أغلب آليات الصراع مخططات معلنة وليست مؤامرات مستترة. والمتابع للسياسة الأمريكية مثلًا منذ 11 سبتمبر يجد أغلب أهدافها معلنة وواضحة ولا تحتاج إلى الغرق في التأويل»، وكأنه لم يقرأ تسريبات ويكليس ووثائق بنما.

يقول المراقبون: إن أمريكا بعد أكثر من عشر سنوات من الاحتلال العسكري لأفغانستان، وخسائر مادية وبشرية مهولة، وصلت إلى قناعة أكيدة مفادها: أن الحسم العسكري لن ينتهي بشيء في هذا البلد المشتهر تاريخيًّا بأنه «مقبرة الغزاة»، وأن على الأمريكان أن يلجؤوا إلى طريقة أخرى لتكريس وجودهم في هذه المنطقة الحساسة من العالم، ومن ثم كان التحول الأمريكي المعروف، من القوة الخشنة إلى القوة الناعمة التي ثبت أنها الأكثر فاعلية مع الشعوب العنيدة الصلابة، أو بعبارة أخرى مع الشعوب المسلمة. الأستاذ بجامعة هارفارد المشهورة (جو ناي) الذي صاغ نظرية «القوة الناعمة»، يصفها بأنها: «القدرة على الحصول على النتائج من خلال الجذب، وليس عن طريق القوة أو الدفع، والتعليم كان دائمًا موردًا هامًّا لتحقيق ذلك»، فالتعليم كان دومًا من أسلحة التغلغل وبسط النفوذ، والمقدمة الموطئة للاحتلال الفكري والثقافي والاجتماعي.

الجامعة الأمريكية قد نشأت أصلًا لتكون هيئة تنصيرية ذات غطاء تعليمي، وبالتوازي مع الهدف الرئيس أخذت الجامعة في التركيز على إعداد جيل من النخب الشابة، والذين سيقودون البلاد فيما بعد، بحيث تكون ثقافتهم وطريقة تفكيرهم أمريكية صرفة، وبالتالي يواصل الأمريكان احتلالهم للبلاد، ولكن بتكلفة زهيدة، احتلال بالوكالة عن طريق النخب الحاكمة في البلاد المسلمة، وقد آتت تلك الأفكار والسياسات أكلها في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت انطلاق هذه الفكرة الاستعمارية الماكرة، في القاهرة وبيروت، فمعظم الساسة الذين لعبوا أدوارًا حاسمة في الشرق الأوسط من خريجي هذه الجامعة، أما على المستوى العلمي والأكاديمي فالجامعة الأمريكية لم تفد المجتمعات العربية والإسلامية في شيء يذكر، فعلى الرغم من مرور قرابة المائة عام على إنشاء الجامعة في القاهرة وبيروت إلا أنها لم تقدم عالمًا واحدًا في المجالات العلمية المتخصصة، ولم تقدم معاملها اختراعًا مفيدًا أو اكتشافًا مسهمًا، وغاية الجهد البحثي لهذه الجامعة منصب على الغرض الاستعماري التي نشأت الجامعة من أجله في الأساس، فالجامعة الأعرق في المنطقة لا يوجد بها سوى مركزين للبحوث، مركز البحوث الاجتماعية الذي أنشأ سنة 1951، ومركز بحوث الصحراء، أما الأنشطة الأخرى للجامعة فهي تصب مباشرةً في خانة العمل التنصيري، فهي تمد يد العون والمساعدات الطبية والمادية لأفقر أحياء القاهرة، وتقيم مشروعات مريبة في المناطق التي يسود فيها الجهل والفقر والمرض مثل منشية ناصر والدويقة، وربما لعبت هذه الجامعة دورًا استخباراتيًّا، كما كشفت بعض الوثائق السرية المسربة سنة 2010 من البنتاجون ووزارة الدفاع والمالية الأمريكية عن صفقة مخابراتية بين البنتاجون والجامعة الأمريكية لعمل أبحاث معلوماتية حساسة عن المجتمع المصري، تحت غطاء البحث العلمي.

هل هي تطهير؟

آخر قال: «أتمنى أن يضع القبض على صدام ومحاكمته علنيا كثيرا من النقاط فوق الحروف، وأؤكد لكم منذ الآن، لن تخرجوا بأكثر من غباء وفساد ودكتاتورية تجسدت في هذا الرجل، أو كما وصفه عبد الناصر في مذكرات الوزير العراقي جواد هاشم بلفظ «بلطجي ومتهور»، بل أن القبض عليه حيًّا بدون قتله والإعلان عن محاكمة علنية عادلة له، يضعف تمامًا فكرة تآمر الغرب عليه أو معه».

وكأن العراق صارت بعد صدام جنة وارفة الظلال، وتناسى هذا المحلل أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تبنتها أمريكا وحلفاؤها لتدمير العراق دولةً وشعبًا، ثم تدمير الجيش العراقي وسرقة بترول البلد، وشعبه اليوم يعاني الفقر والجوع في بلد كان نفطيًّا في يوم من الأيام، وصار العراقي يتمنى يومًا من أيام البلطجي المتهور بحسب وصفه.

هل هي فلسفة؟

يتفلسف أحد المفكرين فيقول: «يصعب التخطيط الواعي لمستقبلنا في ظل الهيام بنظرية المؤامرة والارتكان لمفهوم القدرية، فالمستقبل ما نصنعه الآن من عمل وعلم وتفكير وتخطيط وهو بأيدينا لا بأيدي غيرنا.

إن تفكيرنا التآمري يعكس إسقاطًا واضحًا لجوانب الحياة العربية، ولنتأمل عبارة «أهل الثقة مفضلون عن أهل الخبرة»، وهي التي حكم بها عبد الناصر وأصبحت سلوكًا عربيًّا شلليًّا، هل هناك أوضح من هذه العبارة كقاعدة مدمرة تدعو الناس إلى التفكير في التآمر والنفاق بديلًا للكفاءة والعمل.

إن هناك بدعة حاليًا في الكتابات العربية، وهي التحايل على الحقائق بأن يبدأ الكاتب أو الباحث بتحصين نفسه بجملة منطقية كأن يقول: التاريخ ليس مؤامرة، ولكن المؤامرة موجودة في التاريخ. أو أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة، ولكن. أنا أؤمن بالديمقراطية، ولكن. أنا ضد ابن لادن، ولكن. ويستخدم «لكن» الناسفة أو ما أطلق عليهم مأمون فندي جماعة «بن لكن»، وهنا يستخدم المنطق لنسف المنطق ذاته. وأخيرًا: لا أجد ما أختم به هذه المقالة عن نظرية التآمر عند العرب إلا مقولة فولتير (اسحقوا هذا الخزي)».

وأنا أفضل أن أحيل الكاتب الفيلسوف إلى الإحصاءات عن عدد ما قتلته القنابل الأمريكية والفرنسية والإنجليزية والصهيونية في وطننا العربي على مدى الخمسين عامًا المنصرمة.

ثم أليس ما يحدث في سوريا من مجازر مؤامرة غربية باقتدار، كشفتها أيضًا جحافل اللاجئين السورين إلى أوروبا، مؤامرة منع فيها السلاح النوعي عن المجاهدين، وأتت روسيا بخيلها ورجلها لتحارب بالوكالة عن نظام ديكتاتوري.

نحن لا نتجاهل مشاكلنا الداخلية الغارقون فيها حتى الركب، لكن أيضًا كل المعطيات العملية على أرض الواقع تثبت وجود مؤامرة على الإسلام وعلى المنطقة العربية، أليست القضية الإسرائيلية كانت وما زالت مؤامرة، بداية من وعد بلفور وحتى تمحور السياسات الأمريكية والغربية اليوم حول «أمن إسرائيل» في المنطقة العربية، حتى مؤخرًا انتقد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بشدة قرار اليونسكو بعدم اعترافها بوجود أي علاقة لليهود بموقع المسجد الأقصى، والذي أصدرته المنظمة، مشيرًا إلى تمسكه بالوجود اليهودي في القدس، وقال فالس في خطاب أمام البرلمان: «قرار اليونسكو تضمن عبارات يؤسف لها، وصدر بشكلٍ متسرع، وكان ينبغي تجنب ذلك وتجنب التصويت».

وأضاف قائلًا: «سأكرر ذلك بوضوح ففرنسا لن تنكر أبدًا الوجود اليهودي والتاريخ اليهودي في القدس، وذلك لا يؤدي لنتيجة ولا يمكن تفهمه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد