حينما تفشل عقولنا في تفسير ظاهرة معينة كظاهرة الأزمة المالية التي ضربت العالم في أواخر عام 2008 مثلًا أو حدث سياسي ما، نجد عقولنا تفترض وجود طرف ما، قد يكون هذا الطرف خفيًا أو ظاهرًا أمامنا، يسعى للإضرار بنا أو بمصالحنا، وهذا الافتراض يمكننا أن نطلق عليه؛ مصطلح نظرية المؤامرة، وغالبًا ما يحيك المؤامرة طرف سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي قوي، أدرك في مرحلة ما أن نجمه يمر في مرحلة الافول، فيسعى بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة للبقاء في الصدارة، مع علمه المسبق أن دواعي وجوده ما عادة موجودة، فنجده يحيك مؤامرة هنا ومؤامرة هناك، يصنع مثلًا أزمة ما أو جهة مخربة ما ليبرر تصرفاته ويحمي وجوده الذي لا داعي له.

وحينما ننظر لعالمنا العربي ستبدو لنا الصورة قاتمة من خلال مجموعة من الأزمات التي لا داعي لوجودها أصلًا، ترعرعت وتمددت وتضخمت نتيجة مجموعة من المؤامرات الدولية والإقليمية والمحلية، فالقضية الفلسطينية مثلًا والتي لا يمر يوم دون أن نسمع خبرًا عنها، وجدت نتيجة مؤامرة كبرى حيكت في الليل، فأوروبا في وقت ما أيقنت مع بدايات القرن العشرين أن عصر هيمنتها على العالم وثرواته شارفت على النهاية، وأن القوة والمنعة في المستقبل ستكون في يد شعوب جنوب وشرق سواحل البحر المتوسط، فتداعت معظم دول أوروبا وقتها إلى اجتماع عقد في لندن عام 1907.

تمخض عن هذا الاجتماع المشؤوم مجموعة من المقرارات أو المؤامرات لا خلاف، منها ما يخص المنطقة العربية بالتحديد وفلسطين، ولو بحثنا في جميع أرجاء أوروبا عن وثيقة تثبت وجود مثل هذا المؤامرة لن نجد، لأنه بكل بساطة لن يسمح الجاني بوجود وثيقة تدينه، وعليه نجد أنفسنا نخوض في التفاصيل والفروع التي تخص القضية الفلسطينية، دون التطرق للحدث الأكبر الذي كان السبب في إيجاد كيان سرطاني في وسط العالم العربي، وبوجود مثل هذا الكيان سيبقى العرب والشعوب من حولنا يدورون في نفس الدائرة المفرغة.

وما يميز المؤامرات أنها ليست ثابتة بل انشطارية، أي أن المؤامرة ينشطر عنها أحداث و نزاعات وحروب ودول وحتى أشخاص، فبناءً على مؤتمر بنرمان استُحدث من بعده عدد من المؤامرات التجميلية له، كوعد بلفور واتفاقية سيكس بيكو إضافة لمجموعة لا حصر لها من الانقلابات والأزمات التي لا نهاية لها، ومع الوقت يصبح همنا الوحيد كيف نعالج هذ الحدث الطارئ أو كيف نتعايش معه قبل أن يخرج عن السيطرة.

ومع الزمن نجد أنفسنا أمام واقع يجب أن نتقبل هضمه رغم مرارته، وفعلًا هذا ما حدث مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي وجدت نفسها نتيجة ظروف معينة مجبرة على تقبل أن تتصدق عليها إسرائيل بجزء بسيط من فلسطين التاريخية مقابل الاعتراف أن اليهود الذين ليس لهم أي حق في أرض فلسطين، فعلًا هم أصحاب حق في فلسطين من خلال الاعتراف بإسرائيل ونبذ العمل المسلح وتأجيل القضايا الملحة إلى أجل غير مسمى، وهنا تصبح القيادة التي يعول عليها أبناء الشعب الفلسطين في تحرير أرضه المغتصبة متآمرة مع المتآمر، فيصبح هم جميع الأطراف الذين حاكوا هذه المؤامرة في ما سمي وقتها اتفاق اوسلو هو الحفاظ على مخرجات مؤامرة أوسلو التي لا نعلم ما فحواها حتى الآن.

أما في عالمنا العربي فالمؤامرات عادة ما تحاك في الليل، بل تحاك في وضح النهار، وأمام الجميع دون استثناء، وعلى الجميع القبول بها دون اعتراض، ومن يعترض يرمى بعدد من التهم التي لا نهاية لها، من الإرهاب ودعم الإرهاب والتعاطف مع الإرهاب، والسعي لزعزعة الاستقرار والأمن العالمي، وفي نهاية المطاف يخرج علينا في وسائل الإعلام من يشكك في نظرية المؤامرة ويتهم شعوب المنطقة العربية المغلوبين على أمرهم، بأنهم سبب كل الأزمات التي تضرب المنطقة بسبب جهلهم وقلة إدراكهم للواقع كما يدعي، ويبقى من لا داعي لوجوده أكبر مدة ممكنة على رأس هرم السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد