التاريخ والواقع اليوم يشهدان بما لا يدع مجالًا للشك أنّ هناك مؤامرة على الأمة، وأنّ نظرية المؤامرة حقيقة لا يُمكن إنكارها.. نحتاج إلى الوعي بذلك، خاصة اليوم مع انتشار موضة تسطيح هذا الموضوع وإخراجه في صورة قبيحة. مع تثبيت مرتكز معرفي مهم: ليس كل الأحداث مؤامرة، ليس كل شيء مؤامرة، المتآمرون لا يرسمون كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، في النهاية هناك صدف تحدث من حولنا قد تُبعثر الخطط والترتيبات، إلا اللهم ممّن يُحسن إعادة ترتيب خططه سريعًا ليُعيد القطار على السكة.

نقطة أخرى مهمة: نفي المؤامرة بالكلّية هو مؤامرة كما يُؤكّد الباحث الكويتي مهنا المهنا، ويستطرد قائلًا: فلنتخيل أنّ مجموعة من الشباب ساروا في طريق جبلي انتهى بهم إلى كهف، الطريق إلى الكهف يحمل آثار وحش ما، أحدهم قال: هناك وحش في الكهف إيّاكم والدخول، فانبرى أحدهم يردّ بشكل مُشكّك: أنت دائمًا تُفكّر بشكل تآمري، وكأنّ العالم كلّه ضدك، فلندخل للكهف ونرتاح، وتنقسم في هذه الحالة الشخصيات إلى:

1-  الذين لا يُريدون تشغيل (أمخاخهم)، يُفكّرون في الفوائد الآنية أكثر من الفوائد بعيدة الأمد، لا يُريدون رؤية الآثار ودراستها، بل لا يسعون إلى الإنخراط في نظرية المؤامرة ويستسهلون عمليات النفي السريعة على عمليات التحليل البطيئة.

2- أولئك الذين يُلاحظون الآثار والمُعطيات، وينشغلون في عمليات التحليل الذهني للتاريخ والواقع والمستقبل، يسعون لرسم صور وسيناريوهات للتعامل مع الأحداث القادمة، غالبًا هم القلّة القليلة المُتهمة.

من أجل ذلك كان ضروريًا على كلّ شاب أن يتفطّن لهذه المُعطيات ويفهم الواقع فهمًا دقيقًا، ويُرجع الأمور إلى أصلها ويردّ الأحداث إلى حقيقتها، بدون تسطيح للمشهد ولا إغراق في تعليق كلّ شيء على شمّاعة المؤامرة، ومن أراد أن يزيد من منسوب معرفته في هذا الباب فأنصحه بالاطلاع على:

1- كتاب للمؤرخ المصري (عزيز علي المصري وصحبة بناة الوحدة العربية والإسلامية) وحديثه عن المؤامرات التي حيكت ضد الدولة العثمانية وذلك بالوثائق والتقارير، مثل تقرير السفير البريطاني الذي أرسله لوزير الخارجية البريطانية.

2- كتاب آخر مهم للدكتور عبد الحي زلوم (التاريخ الحقيقي لأمريكا في العالم العربي أمريكا إسرائيل الكبرى إسرائيل أمريكا الصغرى)، عندما صدر الكتاب كانت له ضجة كبيرة جدًا، وهو يحتوي أيضًا مجموعة من التقارير التي تُؤكّد المؤامرة الماسونية على خلع السلطان عبد الحميد.

3- كذلك أرجو أن يطّلع المهتّمون بهذا الموضوع، على تاريخ إسقاط القياصرة في روسيا، وأحداث يوم الأحد الدامي والمؤامرة التي ساهم في إذكائها بعض الأحزاب السرية داخل الجيش.

4- حكاية خليج بنما، إحدى أكثر المؤامرات الدولية في تاريخنا الحديث، كيف أنّ مصالح أمريكا الاقتصادية أدّت إلى أن تدفع أمريكا بالأموال والأسلحة لإقامة ثورة في أمريكا الجنوبية، والتي أدّت لطلب الثوّار المساندة الأمريكية لحماية الثورة وتحقيق حرية المصير! وفعلًا تدّخلت، وتم إنشاء دولة حديثة اسمها بنما. أول قرار صدر من هذه الدولة الحديثة: شق قناة بنما وإيكال مسؤوليتها للجيش الأمريكي.

5- اقرأ أكثر عن محاولات روزفلت لفتح أسواق عالمية جديدة لإغراقها بالمنتجات والصناعة الأمريكية، كذلك سعيه لسد الثغرات الاستعمارية التي تركتها فرنسا وبريطانيا المُحطّمة بعد الحرب العالمية الثانية، واغتنام فرصته الذهبية للتحكّم بالعالم من خلال التحكّم بدول أوروبا الكبرى. روزفلت يعلم أنّه لا يستطيع التحكّم بها مباشرة استنادًا للعرف السياسي الذي أطلق عليه (مذهب مونرو السياسي) القاضي بعدم التدخل في شؤون القارة الأوروبي، فكان لا بد من فعل صادم يُمكّنه من كسر مبدأ مونرو وطريقته في التعاطي مع الدول الأخرى، فكانت واقعة بيرل هاربر المشهورة، والتي كشف فيها روزفلت مواقعه، بل سهل ضرب القاعدة وقال كلمته المشهورة: ليس الأعمى الذي لا يرى، بل الذي لا يريد أن يرى. ثم من خلال سلسلة أحداث استفزت اليابانيين، قصف اليابانيون الميناء، فهرع روزفلت لإعلان الحرب على محور (إيطاليا اليابان ألمانيا) ولم يستطع الكونغرس الوقوف في وجهه هذه المرّة، وهناك من التفاصيل والأحداث والتقارير التي أفرج عنها مؤخرًا ما يؤكّد ما نتكلم عنه.

6- أنصح بقراءة مقال مهم وجميل تحت عنوان «نظرية المؤامرة» و «نظرية البلاهة» للكاتب أحمد الديين وحديثه عن مؤسسة راند ودورها المؤامراتي في المنطقة.

هناك الكثير من الكتب والمقالات والتقارير التي من المُمكن أن تزيد حالة الوعي بواقع المؤامرة التي تُحاك ضد الأمّة، لا نريد أن نكون أسرى لنظرية المؤامرة بالكُلّية، في حالة شلل عن القيام بواجباتنا لإصلاح ما يُمكن إصلاحه ومُقاومة كل المحاولات التي تسعى للهيمنة على مقدراتنا ومستقبلنا وهويتنا، لكنّنا لا نُريد أيضًا أن نُنكرها بالكلّية في حالة من الخدر الوهمي والشعور بالإنجاز في ظل نظام عالمي مقيت.

الوعي بالمؤامرة ومُعطياتها وتاريخها و فهم العدو وقدراته وطريقة عمله مع الإيمان في قدرة الأمة على استنهاض الهمم وبثّ الأفكار وتحريك الناس نحو استعادة المجد والعزّة والكرامة والحريات يصنع الفارق إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد