الدول الفقيرة والنامية عمومًا، سيسيطر عليها فكرة نظريات المؤامرة في كل شيء محيط بحياتهم ومصيرهم، حتى لو حدث في دولهم بركان أو تسونامي أو أي كوارث طبيعية، فلن يصدقوا أبدًا أنها كارثة طبيعية.

وإنها وللأسف ظاهرة نفسية طبيعية جدًّا، وخاصة في هذه الدول التي يجري التحكم فيها فعلًا بالمؤامرات الدولية، فصارت تعاني من قلة الوعي العلمي، ورداءة التعليم وعوامل نفسية أخرى، وبالتالي صار عندهم كل شيء في حياتهم مؤامرة! وهذا في الحقيقة ضرب من الخيال والعبثية؛ لأن أصحاب المؤامرات ليسوا آلهة في الأرض، ولا يملكون كل مصيرها، بل إن هذه الظاهرة قد تزداد مع بعض المثقفين وأصحاب الشهادات العالية للأسف كذلك، وقد يكون ذلك بسبب الصدمة النفسية والفكرية التي يواجهونها؛ لأنهم لا يريدون تصديق الكارثة، ويسعون للهروب منها، فيهربون بذلك من مواجهتها، أو يهربون منها بسبب الخوف من فكرة الموت المحتملة، فيتصارعون مع ذواتهم، ويصيرون أسرى لأوهامهم، ويصير كل واحد منهم كالمسجون المشلول فكريًّا، فلا يستطيع بذلك أن يفكر خارج الصندوق الذي أحاط به نفسه، ولهذا سيظل دائرًا في متاهة دائمة في هذا السجن الوهمي دون أن يكون له أي فائدة لنفسه أو أي فائدة لمن حوله.

بل يا ليته كان بلا فائدة فقط، لكنه وللأسف شخص يؤثر سلبًا في مواجهة المؤامرات والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، وإن واجهها بأفكاره السلبية التي أحاط بها نفسه، فإنه يدعو الناس بها إلى الموت والانتحار قبل أن يحين موعد وفاتهم.

لأنه «من عجائب النفوس البشرية أنها عندما تخاف بشدة من الموت أو السرطان أو الفقر أو… فإنها قد تنتحر»!
فكيف أقبلوا على الانتحار وهم يخافون من الموت؟!

إنه حقًّا اضطراب نفسي، وهذا الاضطراب سيجعلك تصدق حقًّا كل مؤامرة حقيقية أو غير حقيقية، سواء كانت ماسونية، أو صهيونية، أو مسيحية، أو مجوسية، أو رأسمالية أو…، رغم أن كل هؤلاء ليسوا على قلب رجل واحد، ولا على رغبة رجل واحد، ويتصارعون فيما بينهم
لأن: «بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ».

فكيف تصدق مثلًا كل ما في كتب الماسونية، أو كتاب لعبة الأمم وكأنك حقًّا أحجار على رقعة الشطرنج؟
ولا تملك أي وعي ولا أي إرادة، وكأنك نملة أو جرادة، في حين أن النمل والجراد قادرون حقًّا على إبادتهم.

كيف تُصدق أن كل ما يحدث في الحياة هو من صناعتهم أو من صناعة حفنة ماسونية صغيرة لم يكن لها أثر عظيم في التاريخ؟
ولا تصدق مثلًا أن هناك مؤامرات أكبر من ذلك تشغلك بهذه الأوهام، حتى تنصرف وتنشغل عن أصحاب المؤامرات أنفسهم، فتنشغل بالأوهام عن الحقائق الكبرى؛ فتصبح أداة لينة سهلة في التلاعب بها، لدرجة أنك قد تظن نفسك محاربًا عظيمًا، لكنك في النهاية مجرد محارب وهمي في عالم افتراضي من الأوهام، بدلًا من أن تكون مقاومًا ومجاهدًا ومحررًا للناس من شرورهم وأوهامهم.

كنت أتمنى من المتحدثين عن نظريات المؤامرات أن يكونوا أوسع اطلاعًا، وأعمق بحثًا، وأكثر اجتهادًا، وأن يحددوا بدقة المستفيدن بالضبط من المؤامرات، وما نوع الاستفادة المرجوة منها بدقة؟
وأن يعرضوا حلولًا للمؤامرات التي يتخيلونها حتى يحرروا أنفسهم ومن حولهم من سيطرة المؤامرات، لكنهم بذلك يدعون للأسف إلى المزيد من العبودية، والخضوع والتبعية، بدلًا من الدعوة لمواجهة المؤامرة،
وضيفوا لتلك الفئة من يريدون الحصول على المزيد من الإعجابات والشهرة والنرجسية.

وبالتالي أصبح أصحاب نظريات المؤامرة أكبر مؤامرة في حياتنا، وأكبر عائق في حل مشكلات حياتنا اليومية، وأكثر عرقلة لأي إصلاحات للكوارث، وخاصة الكوارث الطبيعية. فلهذا لا تشغلوا أنفسكم بظنونهم وأوهامهم.

ونظرًا إلى أنهم أسرى لهذه الظواهر النفسية الطبيعية، فلن يُجدي معهم الجدال غالبًا، ويجب تذكيرهم دائمًا بالآية الكريمة: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».

كما يجب أن ندعوهم إلى التفكير في حلول منطقية ومقنعة لمواجهة هذه المؤامرات المحتملة من وجهة نظرهم، بدلاً من الاستسلام والسلبية، وإلا صار اتباع أفكارهم مغامرة بحياة الناس وأرواحهم.

وللعلم فإنَّ أخطر ما تُخلِّفه نظرية المؤامرات هو ارتباطها برفض العلم، وارتباطها برفض الكوارث الطبيعية، والأهم من كل ذلك ارتباطها بتأليه البشر وإعطائهم قدرات فوق قدراتهم الحقيقية، ويترتب على ذلك تغييب
وتهميش الإيمان بقدرات الخالق، عز وجل، في تغيير مجرى الأحداث الكونية، وتغيير إرادات البشر وتغيير مخططاتهم، وإنكار وجود السنن الإلهية في النذير والعقاب، وتغيير الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والجغرافية.  وكل هذا يجعل المؤمنين بنظرية المؤامرة هم أكثر الراضخين لها، وأكثر العاجزين عن مواجهتها.

ولهذا يجب عدم الانحياز التام والكلي لنظرية المؤامرات بهذا الشكل الذي قد يتنافى مع الإيمان، والذي يشجع على الخنوع والاستسلام، فيصبح الإنسان مُصابًا دائمًا بظاهرة يسمونها: «متلازمة المؤمن الحقيقي True-believer syndrome»، وإن كنت أحب أن أسميها «متلازمة الإيمان الكلي بالمؤامرة»؛ إذ يستمر الشخص فيها بإيمانه بها حتى بعد أن يثبت خطأها!، ولهذا عدها عالم السياسة مايكل باركون «مسألة إيمان بأوهام بدون دليل».

وعلى النقيض الآخر يجب كذلك عدم إنكار نظرية المؤامرة بالكلية وتسفيهها؛ لأنه لا إنكار أن لهم دورًا كبيرًا في مصائر الشعوب وتجهيلهم واستعبادهم، ولا إنكار أبدًا أنهم: «يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».

وفي النهاية أقول للمؤمنين بالمؤامرة الكلية: فلتفترضوا مثلًا أنكم من ركاب سفينة مثل سفينة تيتانيك، وقد تعرضتم حقًّا لمؤامرة مهلكة لكم، فهل من الصواب أن تتحدثوا عن المؤامرة المرسومة لكم فتغرقون فيها، أم ستسعون لمواجهتها لإنقاذ كل من فيها؟
فهيا اسعوا بقدرات عقولكم الفريدة لإيجاد حلول لكل كوارثنا الحياتية؛ لأننا جميعًا في سفينة واحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد