تمثل كل من نظرية المؤامرة ونهاية العالم الشماعتين اللتين تعلق عليهما الأنظمة والنخب العربية والإسلامية ما يحدث في واقع الأمة العربية والإسلامية من تشتت وتخلف وجهل. فالأنظمة الاستبدادية المدنية والعسكرية التي تجثم على أعناق وظهور الشعوب العربية والإسلامية، وفي إطار تحالفها مع النخب الفكرية والدينية مقابل امتيازات إدارية أو مالية تشيع لدى شعوبها الحديث المتواصل منذ عشرات السنين على تعرض الأمة العربية والإسلامية إلى مؤامرات من الأعداء الحقيقيين والوهميين لتبرر القبضة الحديدية التي تدير بها شؤون شعوبها، وكذلك لتبرر عجزها الكبير عن بناء اقتصاد قوى وتنمية مستدامة تحقق العدالة الاجتماعية. فلقد تحولت هذه الدول إلى مزارع خصوصية ينهبها الحكام وأصحاب النفوذ من النخب الفاسدة الفكرية والدينية.

إن أعداء الأمة العربية والإسلامية معلومون للجميع وهم يعلنون ذلك العداء بشكل سافر وواضح، لا يخفى إلا عن جاهل أو أعمى أو أحمق. وهم ينكلون بالعرب والمسلمين والمسيحيين في فلسطين وبالمسلمين في أنحاء كثيرة من العالم وأمام مراقبة الجميع، ولا أحد من العالم الحر يتدخل، بل هناك تحالفات خفية ومعلنة مع هؤلاء على حساب مصلحة الأمة العربية والإسلامية. بل إن هذه القوى الدولية والإقليمية حولت الصراع من صراع مع أعداء الأمة العربية والإسلامية الحقيقيين إلى صراع داخل الأمة العربية والإسلامية نفسها بين سنة وشيعة وبين الشعوب التي تطمح للديمقراطية والحرية والمستبدين في العالم العربي والإسلامي الذين يشنون حربًا لا هوادة فيها ضد كل نفس تحرري، ولعل ما يحدث من محاولات من هنا وهناك لإفشال التجربة الديمقراطية في تونس أكبر دليل على ذلك فمن يمول كل حملات الكراهية وبث الفرقة داخل المجتمع التونسي لدفعه نحو الحرب الأهلية إنما هم الأشقاء العرب والمسلمين هنا وهناك. وما يحدث في ليبيا من دعم لمليشيات دموية وإرهابية تسفك بشكل منظم ومبرمج دماء الشعب الليبي إلا دليل أخر على ذلك. وما مأساة الشعب اليميني عنا ببعيدة فقد حولت اليمن السعيد إلى اليمن التعيس.

لقد تغلغل العدو الرئيس للأمة العربية والإسلامية مثل تغلغل السرطان في الجسم. وقد سمح له الطغاة ومرتزقتهم في الإعلام والجامعات والمؤسسات الدينية بمزيد التغلغل عبر خطابات تشكك في كل ثوابت الأمة العربية والإسلامية لحد اعتبار المسجد الأقصى في المدينة المنورة عوض القدس الشريف. وأصبحت المساجد مليئة بالخطب التي تتحدث عن أخوة اليهود وأنهم أقرب إلينا من الشيعة، والأتراك، والماليزيين، والألبان، والباكستانيين، والبنغال وغيرهم من الشعوب الإسلامية التي تجمعنا بها ثقافة واحدة، وإن تعددت روافدها. والحديث هنا عن اليهود عملية تضليل متعمدة؛ لأن الصراع لم يكن يومًا مع اليهود فهم يعيشون لحد اليوم في الكثير من الدول العربية والإسلامية مثلهم مثل بقية المواطنين كما هو الأمر في تونس، والمغرب، ومصر، وتركيا، وإيران، وغيرها، بل الصراع مع الحركة الصهيونية التي حولت اليهودية من ديانة إلى نزعة قومية عنصرية تهدف إلى الإبادة الجماعية لشعب فلسطين بكل أطيافه بما في ذلك بعض الطوائف اليهودية التي لا تعترف بالدولة الصهيونية (مثل جماعة ناطورى كارتا) وتشكك علنا في شرعيتها المستمدة من التوراة، بل تعبر وجودها مانع لعودة المسيح، وليس مثلما يدعى بعض الإنجيليين المتطرفين مؤذنة بذلك. فقد أكد الكاتب ماكسيم رودنسون في كتاب له بعنوان «إسرائيل والعرب» أن الصهيونية وإن نجحت اليوم في خلق الدولة اليهودية فإنها أقامتها على أساس غير سليم.. وأن القوة التي تعتمد عليها لن تدوم إلى الأبد. فالمشروع الصهيوني هو مشروع استعماري، وليس مشروعًا دينيًا، وإن حاولت الحركة الصهيونية أن تغلفه بذلك، وكذا مشروع كل الحركات الدينية المتطرفة التي تستغل الروح الدينية لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية توسعية لا علاقة بتلك الروح ودولة إسرائيل هي أكبر تعبير عن ذلك. وهي مثال لكل الحركات الشبيهة مهما كانت الخلفية الدينية التي ترتكز عليها مسيحية، أو بوذية، أو هندوسية، أو إسلامية. والكل يتشابهون في النزعة العنيفة الوحشية التي تهيمن عليهم ورغبتهم الجامحة في إبادة الغير، مثلما يحدث للروهينجا في بورما، أو للإيغور في الصين، أو لعموم المسلمين في الهند من قبل حكومة الهندوس المتشددين.

إن من يتحدثون عن نظرية المؤامرة لدرجة اعتبار انتفاضة الشعوب العربية بداية من الثورة التونسية أواخر 2010 وبداية 2011 التي أسقطت أقوى ديكتاتورية بوليسية وقمعية في العالم العربي مؤامرة كونية ضد الأمة العربية والإسلامية، وكأن الأمة كانت قبل انتفاضة الشعوب طلبًا لحريتها تعيش في رغد وبحبوحة الحرية والكرامة التي توفرها لهم تلك الأنظمة وتوابعها من النخب العربية والإسلامية الفكرية والدينية. فما حدث ليس مؤامرة من أحد بقدر ما هو صرخة أخيرة لشعوب ملت الطغيان واستباحة الكرامة والاستعباد والاسترقاق فلم تكن الشعوب العربية والإسلامية إلا أقنان لدى حكام عسكريين وإقطاعيين لا يمتلكون أدنى صفات الرحمة والإنسانية فما كان يحدث من تنكيل وتعذيب في سجونهم لا يقارن بأشد أنواع التنكيل في العصور الوسطى من قبل محاكم التفتيش. فالجلادون في الدول العربية والإسلامية انعدمت إنسانيتهم، وتحولوا إلى وحوش تقطّع الأوصال وتغتصب الرجال والنساء على حد سواء، وتذبح الرضع وتستبيح الأطفال بنين وبنات وتذيب المعارضين في الحوامض الكيمائية حتى لا يبقى لهم أثر. هؤلاء جميعًا وبالتعاون مع مرتزقة الإعلام والفكر والدين حولوا رغبة الشعوب في التحرر إلى مؤامرة كونية ضد الأمة في حين أنها انتفاضة شعوب ملت الظلم والقهر وترغب في الحرية التي تمثل الحق الطبيعي لكل كائن بشري. فالناس يولدون أحرارًا والطغاة يسلبون تلك الحرية. وانطلاقًا من نظرية المؤامرة تلك تحالف هؤلاء الطغاة مع العدو الرئيس للأمة حفاظًا على عروشهم، وحتى تغض القوى الغربية النظر عنهم وهم يمارسون كل أنواع التنكيل ضد الشعوب المنتفضة، والحصار ضد كل دولة تقف مع تلك الشعوب وتساند حقها في الكرامة والحرية وبناء دولة المواطنة والتحرر من الحكم الإقطاعي القروسطي الذي تجاوزته كل الشعوب المحبة للحرية. فلا أحد يتآمر على الأمة العربية والإسلامية وعلى شعوبها إلا هؤلاء الطغاة، ولا أحد يهدد وجودها إلا الاستبداد والحركة الصهيونية التي لن تتوقف أحلامها إلا ببناء إسرائيل الكبرى من المحيط إلى المحيط، وما الطغاة إلا أدوات صغيرة لتلك الحركة لتحقيق أهدافها، فهم في النهاية ليسوا إلا ملوك طوائف في القرن الحادي والعشرين، يحاولون إسقاط ما تبقى من الأمة العربية والإسلامية كما أسقط أسلافهم في الأندلس الحضارة الإسلامية، فيها ساواهم أجدادهم في الشرق في تسليم القدس للصليبيين، وبغداد للمغول.

إن نظرية المؤامرة أداة يستعملها البعض للدفاع عن الاستبداد والطغيان وتبرير حكم العسكر هنا وهناك ومنع الشعوب العربية والإسلامية من حقها في الحرية والكرامة وتقرير مصيرها باختيار من يحكمها خدمة لها لا خدمة له. ولعل المؤسف أن النخب المثقفة التي من المفروض أن يكون دورها توعية الشعوب بحقها في الكرامة والحرية هي رأس الحربة لهذه الأنظمة في إيهام الشعوب بمؤامرات لا توجد إلا في أذهان الطغاة وخدمتهم. فهناك فرق بين التخطيط الإستراتيجي التي تقوم به المؤسسات في الدول الكبرى لضمان الهيمنة والسيطرة والتحكم في نطاق الصراع الإمبراطوري بين الدول الكبرى على العالم، وهو تخطيط يتخذ وسائل عدة، منها الاقتصادي، ومنها العسكري، ومنها السياسي، ومنها الثقافي، وبين الحديث عن نظرية المؤامرة الوهمية في حين يرتمي من يتحدثون عنها في أحضان تلك القوى التي يدعون أنها تتآمر على مستقبل الأمة العربية والإسلامية. فلقد ادعوا أن الصهيونية تتآمر، وها هم اليوم يرتمون جميعًا في حضنها خدمة لمصالحهم وحفاظا على عروشهم.

والعلة الثانية التي يستند لها البعض لتبرير الخضوع والخنوع للطغاة إنما هي نهاية العالم فحتى لا ينتهي العالم يجب أن تتوقف الشعوب عن ثورتها. فقيام الدولة الديمقراطية إيذان بانتهاء العالم واقتراب الساعة وتنتصب النخبة الدينية من شيوخ السلاطين التي تبرر كل أشكال الظلم والتنكيل باسم طاعة ولي الأمر (لحد ادعاء أحدهم أنه ولو زنى نصف ساعة في التلفاز فله منا الطاعة لأن ذلك شأن شخصي لا علاقة له بالحكم متناسيّا أنه بذلك يضرب عرض الحائط كل الشروط الشرعية التي وضعها الفقهاء والفلاسفة المسلمين لمن يحق له الحكم وأهمها الأخلاق فإن انعدمت أخلاقه انعدم حكمه) للحديث عن نهاية العالم وأنه لا يجب أن يقوم العالم، وليس في ذمة أحدكم بيعة، ولو كان الحاكم مستبدًا فاجرًا فاسدًا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالقيم الأخلاقية والإنسانية الواردة في القرآن الكريم وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام وسنته صحبه التي تدعو الشعوب للانتفاضة ضد كل حاكم طاغ فاسد وفاجر لا يحقق العدل فأين ما يدعونه من قول أبي بكر الصديق حين تولى الخلافة: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». فهل من طاعة الله مبايعة من ينكل بالعباد، ويغتصب النساء، ويفجر صباح مساء ويبدد خيرات الأمة العربية والإسلامية ذات اليمين، وذات الشمال طمعًا في الحفاظ على عرشه أو يشن الحروب على الشعوب العربية في ليبيا، واليمن، ويحرض على الفتنة في تونس خدمة للطغيان ومنعًا لحق الشعوب في الحرية، والكرامة، والعدل.

إن علامات الساعة معلومة، ولا توجد علامة واحدة منها تأكد أن على الشعوب العربية والإسلامية الاستسلام للطغاة خوفًا من قيام الساعة، بل لعل تلك الأدلة حافز لها على الثورة على الظلم؛ لأنها كلها تؤكد أن النصر للعدل والخير والحق وليس للطغيان والاستبداد والقهر فلا تقوم الساعة إلا بعد أن ينتشر العدل ويعم المعمورة لفترة من الزمن لا يعلمها إلا الله. فيكونُ عيسى ابنُ مريمَ في أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا كما روي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ما يناقض قول هؤلاء ويؤكد على أنه من حق الشعوب أن تنتفض من أجل كرامتها وحريتها إلى أن يقضى الله أمرًا كان مفعولًا.

لقد حان الوقت أن تتحرر عقول الأمة العربية والإسلامية من خطاب المؤامرة التي يوظفه الطغاة لمنعها من التقدم والازدهار وتحقيق العقل وحفظ الكرامة والتمتع بالحق الطبيعي في الحرية وحان الوقت للرمي النخب الفاسدة إلى مزبلة التاريخ؛ لأنها مكانها الطبيعي والمستحق. وحان الوقت أيضًا لأن يتصدر للعلوم الدينية العلماء الحقيقيين الذي يحمون الدين من كل انحراف واستغلال من قبل الطغاة خدمة لعروشهم لا للإيمان الحق الذي لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يتعارض مع الكرامة، والحرية، والعدل، وحان الوقت أيضًا أن نحرر عقولنا من أكبر كذبة في تاريخنا المعاصر، وهي أن الديمقراطية مذهب كفري وديانة منحرفة مظللة فالديمقراطية في الحقيقة ليست إلا آلية حكم تحقق الشورى، وتؤسس للعدل والحق، وترفع القداسة عمن يعتبرون أنفسهم ظلًا لله على الأرض من الطغاة، ويبررون طغيانهم بالقدر الإلهي، في حين أن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد