بعد أيام قلائل من الاعتداء الإرهابي على مسجدي النور ولينوور في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية والذي أودى بحياة 50 مسلمًا، كشفت منظمة «تيل ماما» الحقوقية التي تعنى بتوثيق جرائم الكراهية ضد المسلمين ارتفاع معدل اعتداءات (الإسلاموفبيا) في بريطانيا بنسبة ٥٩٣% فيما سجل التطرف اليميني في المملكة المتحدة ارتفاعًا بحسب دراسة قامت بها صحيفة «إندبندنت» البريطانية.

نعم تتوالى الضربات التي يتلقاها المسلمون في الخارج وباتت موجعة ومحبطة في كثير من الأحيان، إلا أن الأمر يكاد أن يكون معركة وجود تدعو للعمل بحذر ودهاء وتستجوب باللاجئين المسلمين في المهجر ليكونوا شيبهم وشبابهم نسائهم وأطفالهم، رسل سلام بعد أن أصبحت سلوكياتهم وأقوالهم في السوق والشارع وأماكن العمل وحتى داخل الحافلات، كلها تحت الرصد والتقصي من قبل أناس يتلهفون بفضول غامر وتوجس حذر لاكتشاف الحقيقة بأنفسهم والمقارنة بين ما يرونه بأعينهم ومشاعرهم وبين تلك التي تحاول الماكينة الإعلامية المتطرفة أن تمرره ببروباغاندا اتضح للكثيرين بأنها مفضوحة ومزيفة بعد الكشف عن أرقام وإحصائيات دحضت الادعاءات ونسفت الاتهامات ضد الإسلام ومحاولات ربطه بالعنف، وهو ما رأته صحيفة «نيويورك تايمز» التي قالت إن أيدي جميع الذين أسهموا في نشر الخرافة بأن المسلمين يشكلون خطرًا ملطخة بالدماء، فيما أشارات إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو أول من أسس ورسخ لفكرة كون المسلمين يشكلون خطرًا حين حذّر خلال زيارة سابقة للمملكة المتحدة بالقول إن «الهجرة بدأت تغيّر النسيج الاجتماعي في الدول الأوروبية ولا بد من العمل بسرعة للتعامل معها».

من الواضح أن الإسلاموفوبيا وما بات يصفه اليمين المتشدد في أوروبا وأمريكا بـ «القنبلة الديموغرافية» أصبحت شعارات انتخابية تتبناه تيارات تغازل مشاعر المؤمنين بنظرية تفوق ذوي البشرة البيضاء على باق الأجناس، فنسبة المسلمين بملامحهم وسنحاتهم السمراء ستصل إلى خُمس عدد سكان الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2050 وفقًا لتقرير بصحيفة «إيه بى سي» الإسبانية، والذي رجح أسباب الارتفاع تلك نتيجة لزيادة معدلات الهجرة من البلدان الإسلامية وزيادة المواليد، وانخفاض معدلات الإنجاب بين السكان الأصليين في أوروبا، وهو مؤشر خطر يهدد القارة العجوز كما ترى الأحزاب ذات النزعات القومية والعنصرية التي تسعى لاستغلال مشاعر القلق المعيشي والتذمر من الأعباء الاقتصادية والضرائب المتزايدة للنظام الرأسمالي العالمي لدى المواطن العادي باعتباره مكسبًا سياسيًا متخذة من مشكلة اللجوء والهجرة ذريعة للتحريض ضد المهاجرين والأقليات ووسيلة للتسقيط ضد منافسيها في السلطة كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا واليونان.

ها هو الإسلام وبعد أن اتُهم بأنه انتشر بحد السيف، يدخل أوروبا وقد خضب معتنقوه بدمائهم التي استباحتها حفلات النحر عند مذبح الديمقراطية الغربية التي وفرت بيئة سلسة للتنكيل بالمسلمين من خلال صك غفران وكفالة مفتوحة لحرية النقد التي ما سلم منها حتى الذات الإلهية.

بُث الأذان وتلي القرآن ونفدت كتيبات التعريف بالإسلام وارتُدي الحُجاب استجابة لدعوات التضامن والانسجام في نيوزيلندا، فضلا عن توثيق ارتفاع غير مسبوق بالدخول على مواقع التعريف بالدين الإسلامي على شبكة الانترنيت وفقًا لمراكز المتابعة الرقمية وغيرها كثير من الظواهر بُعيد وقوع المجزرتين في مسجدي مدينة «كرايست تشيرش».

ليس هذا فحسب بل وصف هجوم يتعرض له مسلمون بالإرهابي من قبل شخصية سياسية بمستوى رئيسة وزراء نيوزلندا «جاسيندا أردرن» هو الأول من نوعه رغم أجواء التثقيف السائدة نحو شيطنة الإسلام وإقران صفة الإرهاب به حصرًا دون غيره.

اليمين المتطرف خسر معركة ولكنه لم يخسر حربًا وفقًا لمفاهيمه، فهو حركة ذات تنظيم عالٍ وأتباعه ليسو بالمختلين عقليًا، بل هم على اطلاع تام بتفاصيل وحيثيات تاريخية تغذيها دوافع كراهية بطابع ديني تعود أصولها لقرون ماضية، وتجلى ذلك ما احتوته نصوص الـ73 رسالة التي نشرها سفاح نيوزلندا «بريتنون تارانت» على صفحته في تويتر قبل أقل من 10 دقائق من تنفيذه للهجوم الإرهابي على المسجدين، ففي إحداها أكد أنه انخرط في أعمال «إزالة الكباب» وهو مصطلح دارج على الإنترنت يرمز لنشاط «منع الإسلام من غزو أوروبا» مشيرًا إلى أن موقفه هذا عده ضرورة لضمان مستقبل شعبه حسب ما ذكرت صحيفة «ذا صن» البريطانية، أما كتاباته التي نقشها على أسلحة الجريمة فقد تضمنت عبارات توعد بها المسلمون الأتراك وأشار صراحة إلى إسطنبول «القسطنطينية» ووجوب إعادتها لحاضنه المسيحية.

ورغم فداحة الخسائر التي يتلقاها المسلمون، فإن مصائبهم ما زالت بمعظمها طاهرة لم يلوثها تعقيب أو نبأ يرد فيه موقف سياسي عربي موحد كبيان استنكار أو شجب أو إدانة، حيث واصل الجميع، مسلمون ومسيحيون وأديان أخرى وعلى مستوى شعبي مدني وبعفوية تامة التعاطف مع الضحايا وابتكار طرق للتعبير عن رفض التطرف والعنصرية بكل أشكالها وألوانها حتى وإن لم نر قادة أنظمتنا العربية وقد علا وجوههم الكمد وهم يحتشدون في مسيرة مناوئه للاعتداءات على المسلمين كتلك التي اصطفوا فيها مسرعين خفافًا ضمن مسيرة «شارلي إبيدو» في فرنسا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد