كُتب الدستور الحالي والذي يُحكم به العراق، على أيدي أطراف سياسية جاءت مع قوات الاحتلال، وتمت كتابته برعاية الاحتلال نفسه، وكل طرف حاول جاهدًا أن يُضمّن ذلك الدستور ما يخدم مصالحه، قوميةً كانت، أو طائفية، أو فئوية. فجاء دستورًا مليئًا بالألغام، تتفجر كل حين، حتى وصلت البلاد إلى حالة يرثى لها من التشظي والانقسام، وأصبحت حكومة هذا البلد من أفشل الحكومات على مستوى العالم.

ففي الوقت الذي قامت الولايات المتحدة بالترويج لطبيعة المجتمع العراقي (وفق رؤيتها)، على إنه مكون من ثلاثة أطراف أساسية، هي السنة، والشيعة، والأكراد، إضافة إلى أقليات صغيرة أخرى، وإنَّ تلك الأطراف كانت محكومة من أقلية صغيرة هي السنّة! وإن السنّة كانوا يذيقون باقي الأطراف الويلات، ويحرمونهم من حقوقهم الثقافية والدينية. وبالتالي فإن الدستور جاء استجابة لتلك المقاربات الأمريكية، فقامت بالدفع لكتابة دستور يُحفظ فيه حقوق تلك القوميات، والإثنيات الطائفية، والحيلولة دون ظلمها مرة أخرى، كما يرى الأمريكان.

لكن النوايا الحقيقية للأمريكان، والتي توافقت فيه مع شريكتها باحتلال العراق إيران، فكانا يهدفان إلى إيجاد دولة ضعيفة مفككة ينعدم فيها الانتماء الوطني لأبنائه، ليحل محله الانتماء الطائفي، أو القومي، وحتى العشائري؛ فجاء هذا الدستور معبرًا عن تلك الرغبات الأمريكية، والإيرانية، ومن خلفهما الرغبة الإسرائيلية التي كانت ترى بالعراق تحديًا جديًا لها.

لاقى هذا الدستور ومع الأسف مباركة خليجية أيضًا، وهم الذين كانوا وما يزالون، يعانون من عقدة عراقٍ قويٍ موجود بجوارهم، ويخشون تكرار تجربة احتلال الكويت مرة أخرى، فكان من الواجب (حسب وجهة نظرهم) أن يبقى العراق، بلدًا ممزقًا، وضعيفًا، للحيلولة دون تشكيله خطرًا عليهم مرة أخرى.

بعد ثلاث عشر سنة من هذه التجربة السيئة لحكم العراق وفق دستور «برايمر»، وصل الفشل بالعراق من الخطورة، ليس على العراقيين فحسب، وإنما خطورته تعدت حدود العراق.

فداعش هي نتاج لهذا الدستور الفاشل، وخطر داعش زحف للدول المجاورة وغير المجاورة، بل وصل إلى أوروبا. والمليشيات الشيعية هي أيضًا نتيجة من نتائج هذا الدستور، والتي تعدى خطرها العراق إلى سوريا واليمن، وربما قريبًا يصل لدول الخليج. والدولة الكردية الجديدة التي نترقب الإعلان عنها بالأشهر القليلة القادمة على أقصى تقدير، هي أيضًا من نتائج هذا الدستور المشوه، تلك الدولة التي ستشكل خطرًا محدقًا على الدول التي تضم أقليات كردية، تلك الأقليات التي تتطلع للوصول إلى ما وصل إليه أكراد العراق.

إنَّ البدء بكتابة دستور آخر جديد، لا مكان فيه للطائفية أو العرقية أو أي مسمى آخر غير الوطنية هو الحل لمشاكل العراق، والمنطقة.

لكن تلك المحاكم بالعراق والتي شاركت في إنتاج ذلك الدستور، هل هي من ستكتب الدستور الجديد؟ والذي سيُعيد التوازن لهذا البلد؟ بالتأكيد لا، إنما الشرفاء من أبناء هذا الوطن هم من سيأخذون هذا الأمر على عاتقهم. ولكن رب سائل يسأل: وهل لهؤلاء الشرفاء من قوة يستطيعون فيها أن يفرضوا رؤيتهم الوطنية في كتابة الدستور؟ لا سيما أنَّ جميع الأطراف الحاكمة لديها مليشيات، تدافع عن مصالحها، وأصبح وجودها مرتبطًا بوجود هذا النظام الفاسد الذي يحكم العراق.

ارفع للحق راية

فأقول لا يأس من روح الله، وإنَّ التغيرات العظيمة، تبدأ أحيانًا بكلمة حق ينادي بها أحد الشرفاء، ويرفع للحق راية. وبلدنا ولله الفضل والمنة مليئة بمثل هؤلاء الشرفاء، فيكفي أن يرفع أحدهم للحق راية، لتجد كل الشرفاء يلتفون حول تلك الراية.

ذلك الكلام ليس بكلام الحالمين، الغارقين بالأماني الطيبة، إنما خلف كل تغيرٍ عظيم، حُلمٌ كبير.

خطوات عملية

ولرسم الخطوات العملية لتحقيق مثل هذا الحلم العظيم، لابد من وضع خطة، وقبل الخطة يجب أن نجيب على أسئلة محددة: هل ستسمح الدول التي لها مصالح بالعراق، أن نمضي قدمًا بهذه المهمة؟ إنَّ الخطة يجب أن تراعي الوضع السياسي ومصالح الدول المختلفة في هذا الوطن، لأننا لا نعيش بمفردنا في هذا العالم. فاذا استطاع القائمون على هذا المشروع، أن يثبتوا لتلك الأطراف العالمية، إنَّ من مصلحتهم أن يوافقوا ويساعدوا العراقيين على إقامة دستور جديد، مغاير للدستور الحالي المشوه؛ حينها يكونون قد خطوا خطوة مهمة لإنجازه.

وماذا عن الأطراف الداخلية التي ارتبطت مصالحها بالدستور الحالي وغرقت في الفساد إلى أذنيها؟ هل ستوافق على دستور جديد يجردها من مصالحها؟ إنَّ جميع تلك الأطراف لها ارتباطاتها الخارجية، وهي نفس الدول التي نسعى لإقناعها أن مصالحها مرتبطة بدستور جديد، وبالتالي فإن أمر تلك الأطراف الداخلية، مرهونٌ بأمر تلك الدول، وسوف نراها، تختفي وتضمحل، حالما تقتنع الدول بضرورة تغيير الدستور.

من سيكتب الدستور؟ يجب أن ينبري لكتابة الدستور، أُناس معروفون بوطنيتهم، وشرفهم، من المختصين، والمطلعين على أحدث النظم الدستورية بالعالم، وسيحدد معايير اختيارهم، وجهاء وشرفاء البلد.

راعي كتابة الدستور

هذه العملية سوف تأخذ وقتًا طويلًا، فمن سيكون الراعي لها؟ وهذا أمر مهم، فإن كانت أمريكا هي الراعي فلا نتوقع أن يكون الدستور أفضل من دستور برايمر، وكذا الحال بالنسبة لإيران، والأطراف العربية، وحتى تركيا. فما الحل إذن؟ من الممكن القول إنَّ الراعي هو الأمم المتحدة، ولكننا نعلم إن الأمم المتحدة تعني أمريكا، فهي منظمة غير حيادية، وتنحاز إلى أمريكا بشدة، والغرب بشكل عام، إضافة إلى عدم تفهم تلك المنظمة لخصوصية شعبنا الثقافية والدينية.

فالحل، أن يكون الراعي لمرحلة كتابة الدستور، هي منظمة التعاون الإسلامي، فهي منظمة أقرب إلينا عقائديًا. فإذا تم تشكيل هيئة راعية من تلك المنظمة، مدعومة من دولها، ضد من يقف حجر عثرة أمام إقرار الدستور الجديد، أو يحاول أن يؤثر سلبًا على لجنة كتابة الدستور، من خلال قوة ترابط في العراق، وتساعد على حفظ السلم الأهلي، حتى إقرار الدستور. وتتولى المنظمة أيضًا، عملية إقناع الدول الكبرى، بضرورة ترك العراقيين يصلحون مشاكلهم بأنفسهم.

هي رؤية للحل، قابلة للتعديل والتطوير، لأن نصف الحل، هو تشخيص المشكلة، وقد شخصناها بالدستور الملغوم الذي يحكم البلد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دستورٌ جديد
عرض التعليقات
تحميل المزيد